باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

فشودة، السبب الخفي والرئيسي لاستعمار بريطانيا للسودان

اخر تحديث: 17 أكتوبر, 2026 10:42 مساءً
شارك

فشودة، السبب الخفي والرئيسي لاستعمار بريطانيا للسودان
كيف قرّرت خرابةٌ على النيل الأبيض مصيرَ السودان
د. الرشيد خليفة
هناك، على ضفاف النيل الأبيض وسط أرضٍ غدقةٍ من المستنقعات، وقفت خرابةٌ طينيةٌ اسمها فشودة. والمقصودُ بالخرابة هنا حصنٌ بعينه لا المكانُ وأهلُه: ذلك الحصنُ المصريُّ المهجور الذي وجده الفرنسيون سنة 1898 أطلالًا فأعادوا بناءه [1]. أما الموضعُ نفسُه فلم يكن نكرةً بحال، بل، كان عاصمةً لمملكةٍ عريقةٍ قامت قرونًا على الضفة الغربية للنهر [2]، ومقرَّ ملكها رُث الشِّلُّك، ومدينةَ تتويجه المقدّسة. فالخرابةُ خرابةُ الحصن الاستعماريِّ الزائل، لا خرابةُ مكانٍ له تاريخُه وقداستُه عند أهله. ومع ذلك لم يكن ذلك الحصنُ يعني لأوروبا شيئًا، حتى استيقظت الإمبراطوريات ذات صباحٍ لتكتشف أنَّ مصيرَ قارةٍ بأسرها معلَّقٌ بهذا الطين.
ودعوى هذا المقال بسيطةٌ وصريحة: أنَّ السودان لم يُستعمَر لأنه أغرى بريطانيا بذهبه أو قطنه، ولا لأنَّ دمَ غردون كان يصرخ من تحت التراب مطالبًا بالثأر، بل، لأنَّ فشودة، بما تمثّله من مفتاحٍ لمياه النيل، جعلت بقاءَ السودان خارج القبضة البريطانية ترفًا لا تحتمله لندن. أما بقيةُ الأسباب، على وجاهتها، فكانت توابعَ ومسوّغاتٍ اصطفّت خلف هذا السبب الأكبر.
لماذا فشودة بالذات، الجغرافيا التي صنعت الأزمة
كان لكلٍّ من العملاقين الاستعماريين حُلمٌ مرسومٌ على الخريطة بخطٍّ مستقيم. بريطانيا أرادت شريطًا متصلًا من الجنوب إلى الشمال، «من الكاب إلى القاهرة»، يربط مستعمراتِ جنوب أفريقيا بمصر. وفرنسا أرادت شريطًا من الغرب إلى الشرق، من داكار على الأطلسي إلى جيبوتي على البحر الأحمر. والمصيبةُ أنَّ الخطَّين لا يتقاطعان إلا في نقطةٍ واحدةٍ تعيسة، هي فشودة [1]. فمَن يمسك بها يقطع خطَّ خصمه ويُكمل خطَّه؛ ولذلك تحوّل مستنقعٌ لا يعرفه أحدٌ إلى بيتِ القصيد في «التسابق على أفريقيا».
لكنَّ الجغرافيا وحدها لا تفسّر الهوس؛ فالسرُّ في بطن النيل. فبريطانيا احتلّت مصر سنة 1882، ومصرُ تحيا وتموت بالنيل، والنيلُ يأتيها من الجنوب. وساد في لندن رعبٌ استراتيجيٌّ من فكرةٍ واحدة: أنَّ قوةً أوروبيةً معادية لو جلست عند أعالي النهر لأمكنها، نظريًّا، أن تُقيم سدًّا يخنق مصر عطشًا. ولم يكن الخطرُ من دولةٍ أفريقيةٍ لا تملك الوسائل التقنية للعبث بالنهر، بل، من منافسٍ أوروبيٍّ يملكها [3]. وهكذا صار المبدأ المقدّس في السياسة البريطانية: لا يُسمح لأيِّ قوةٍ أوروبيةٍ أخرى بموطئ قدمٍ في وادي النيل، مهما كلّف الأمر.
ترتيبُ الأسباب بحسب أهميتها لبريطانيا
إذا صففنا الدوافعَ البريطانية لإعادة فتح السودان بحسب ثقلها الحقيقي في عقل صانع القرار، لا بحسب ما قيل للجمهور، جاء الترتيبُ على النحو الآتي:
الأول، مياهُ النيل، ومصرُ، وطريقُ الهند، وهو السببُ الأمّ، في زعمنا، الذي تتفرّع منه البقية. فبقاءُ بريطانيا في مصر مشروطٌ بأمان مياه النيل، ومصرُ حارسةُ السويس، والسويسُ بوابةُ الهند. فمَن يهدّد منطقة أعالي النيل، أي الوادي الأعلى للنهر جنوبَ الخرطوم، يهدّد هذه السلسلة كلَّها، ولهذا كان إخراجُ أيِّ منافسٍ أوروبيٍّ من الوادي هدفًا لا تفاوضَ فيه، وفشودةُ هي القفلُ المغلق [3].
الثاني، منعُ فرنسا تحديدًا، فمن بين كلّ المنافسين كانت فرنسا وحدها هي التي لا تُشترى بمعاهدة. وحين تحوّل التهديد الفرنسي من فكرةٍ مجرّدة إلى حملة النقيب جان-بابتيست مارشان (Jean-Baptiste Marchand) الزاحفة، صار المنعُ عاجلًا. وهذا هو ما يفسّر توقيتَ الفتح، لماذا وقع بين 1896 و1898 لا قبلها، ولماذا ركض كتشنر جنوبًا بعد أسبوعٍ من انتصاره في كرري/أم درمان (وكرري سهلٌ شمالَ مدينة أم درمان) [4][5].
الثالث، مبدأُ التواصل الإمبراطوري «الكاب إلى القاهرة»، حلمُ الشريط الأحمر المتصل من الجنوب إلى الشمال، الذي كان الخطُّ الفرنسيُّ العرضيُّ سيقطعه عند فشودة. دافعٌ حقيقيٌّ، لكنه أقربُ إلى الطموح الكبير منه إلى الضرورة، يعزّز الدافعين الأول والثاني ولا يقوم وحده.
الرابع، الهيبةُ، والثأرُ لغردون، والرأيُ العام، الغطاءُ العاطفيُّ والسياسيُّ الذي سوّق الحملة في البرلمان والصحافة. سمّاه رئيس الوزراء سالزبري ذريعة، لكنه كان الذريعةَ التي باعت الحرب للناس؛ فالجمهورُ يُقاتل لأجل شهيدٍ أسهلَ مما يُقاتل لأجل حنفيةِ ماء. حقيقيٌّ في السياسة، ثانويٌّ في الاستراتيجيا.
الخامس، تخفيفُ الضغط عن إيطاليا بعد معركة عدوة، المناسبةُ المباشرة التي بُرِّرت بها حملةُ دنقلا سنة 1896 بعد كارثة الطليان في عدوة وحصار حاميتهم في كسلا. توقيتٌ ودبلوماسيةُ حلفاء، لا سببٌ مؤسِّس.
السادس، العواملُ الاقتصادية، من قطنٍ، وعاجٍ، وطرقِ تجارة. حاضرةٌ في الخلفية، لكنَّ المؤرّخين يُجمعون على أنها لم تكن وحدها كافيةً لتفسير التوسّع؛ فالشرارةُ كانت التنافسَ الإمبراطوري، لا دفترَ الحسابات.
ما قبل السباق، تسلسلٌ عالميٌّ وإقليميٌّ يقود إلى الحافة
لم تولد أزمةُ فشودة سنة 1898 من فراغ، بل، كانت ثمرةَ عقدين من المناورة. افتُتحت قناةُ السويس سنة 1869، مشروعًا فرنسيًّا حفرته سواعدُ المصريين، فصارت شريانَ الطريق إلى الهند «جوهرة التاج». وفي سنة 1875 اشترت حكومةُ ديزرائيلي حصةَ الخديوي إسماعيل الغارق في الديون فيها، وهي 176,602 سهمًا، بنحو أربعة ملايين جنيهٍ إسترلينيٍّ عبر قرضٍ من بيت روتشيلد، فملكت بذلك 44% من الشركة، وبقيت الأغلبيةُ، أي 56%، بيد المساهمين الفرنسيين الذين ظلّت لهم السيطرةُ الفعلية والإدارةُ المالية. ولم تكن تلك الحصةُ البريطانية، على كِبَرها، تُدِرّ إلا نحو 31% من أرباح الشركة، إذ كان الخديوي قد فرّط قبلها في جزءٍ من حقّه في الأرباح لمصرفٍ فرنسيّ [6]. ثم احتلّت بريطانيا مصر سنة 1882 لتحمي ذلك الشريان. وفي غضون ذلك انفجرت الثورةُ المهدية في السودان سنة 1881، وسقطت الخرطوم وقُتل غردون سنة 1885، فانسحبت مصرُ وبريطانيا من السودان تاركتَين فراغًا سيملؤه، بعد سنوات، سباقُ الأوروبيين.
ثم بدأت أوروبا تتحرّك نحو النيل. ففي سنة 1893 وُلدت الفكرة الفرنسية: حملةٌ تعبر أفريقيا من الغرب إلى فشودة حيث يُظنّ أنَّ سدًّا يمكن أن يُقام ليعبث بمياه النيل. وردّت بريطانيا أولًا بحيلةٍ بلجيكيةٍ سنقف عليها بالتفصيل بعد قليل، ثم حذّرت صراحةً.
ففي مارس 1895 جاء التحذير الأشهر: أعلن السير إدوارد غراي (Sir Edward Grey)، وكيلُ الخارجية، في مجلس العموم أنَّ أيَّ تقدّمٍ فرنسيٍّ نحو وادي النيل سيُعَدُّ «عملًا غير ودّي» [7]. فالنوايا كانت مكشوفةً على الطاولة لا أسرارًا تحتها؛ بل، إنَّ التحذير جاء من الوضوح بحيث يُقال إنه أغرى الفرنسيين بالمسير أكثرَ مما ردعهم.
واكتمل المشهد سنة 1896 بحدثين متقاربين: هزيمةُ إيطاليا الكارثية أمام إثيوبيا في عدوة في الأول من مارس، وإذنُ مجلس الوزراء البريطاني في الشهر نفسه بحملة دنقلا التي يقودها كتشنر [8]. وقُدِّمت الحملة للرأي العام بذريعة تخفيف الضغط عن الطليان والثأر لغردون، لكنَّ كتشنر نفسه فتح بعد أم درمان رسالةً مختومةً من رئيس الوزراء سالزبري تكشف السبب الحقيقي: منعُ فرنسا من دخول السودان، وأنَّ حكاية الثأر لغردون لم تكن سوى غطاء [5]. هكذا باعتراف صاحب القرار: فشودة أوّلًا، وغردون لافتةٌ للجمهور.
الصفقةُ الكبرى، اتفاقيةُ 1894 الأنجلو-كونغولية وخطُّ العرض العاشر
ولنعُد قليلًا إلى سنة 1894 لنفهم الحيلة. في الثاني عشر من مايو 1894 وقّعت بريطانيا اتفاقيةً لا مع مملكة بلجيكا، بل، مع «دولة الكونغو الحرة» التي كانت مُلكًا شخصيًّا للملك ليوبولد الثاني لا للدولة البلجيكية؛ ولهذا يُقال «الأنجلو-كونغولية». وبموجبها أجّرت بريطانيا لليوبولد، مدى حياته، كلَّ حوض النيل الواقع جنوبَ خط العرض العاشر شمالًا، أي معظمَ مديرية بحر الغزال [9][10]. وخطُّ العرض العاشر يمرّ عبر وسط حوض النيل تقريبًا؛ فما يقع جنوبه مديريتا بحر الغزال والاستوائية وجزءٌ من منطقة أعالي النيل، وفشودةُ نفسها تربض تحته بقليل عند نحو عشرٍ إلا جزءًا من الدرجة. فالمؤجَّرُ لم يكن قطعةً هامشية، بل، مساحةً شاسعةً من جنوب السودان على الورق.
وحتى لا تختلط الأسماء، نحدّد مواقع الأقاليم الجنوبية التي يدور عليها الصراع، فهي كثيرة الورود فيما يلي. فمديرية بحر الغزال تقع في الركن الشمالي الغربي من جنوب السودان اليوم، تحدّها جمهورية أفريقيا الوسطى غربًا، ودارفور وكردفان شمالًا، ومديرية الاستوائية جنوبًا؛ وسُمّيت باسم نهر بحر الغزال الذي يصبّ في نهر بحر الجبل فيتكوّن النيل الأبيض، فالنيل الأبيض عند طرفها الشرقي لا في وسطها. ومديرية الاستوائية في أقصى جنوب السودان اليوم، على حدود يوغندا، والكونغو، وكينيا، وفيها لادو والرجّاف على نهر بحر الجبل. أما أعالي النيل فاسمٌ يُطلق بالمعنى الواسع على الوادي الأعلى للنهر كلِّه، وبالمعنى الضيّق على منطقةٍ في شمال شرق جنوب السودان اليوم، تحدّها إثيوبيا شرقًا، وفيها فشودةُ نفسُها (كودوك) على النيل الأبيض [2]. وقد صارت هذه المنطقة لاحقًا، في عهد الحكم الأنجلو-مصري، مديريةً تحمل الاسم نفسه؛ أما في زمن الأزمة فهي عندنا منطقةٌ لا مديرية.
وما المقابل الذي نالته بريطانيا؟ أمران. أجّر ليوبولد لها بالمقابل شريطًا ضيّقًا عرضه نحو خمسةٍ وعشرين كيلومترًا على الحافة الشرقية للكونغو بين بحيرتَي تنجانيقا وإدوارد، لتمرّ عبره سكةُ حديد «الكاب إلى القاهرة» وأسلاكُ التلغراف [10]، فيلتئم الشريطُ الأحمر البريطانيُّ من الجنوب إلى الشمال. والثاني أنَّ ليوبولد اعترف بالنفوذ البريطاني في يوغندا كما حُدِّد في الاتفاق الأنجلو-ألماني سنة 1890. فمكسبُ لندن كان إذن: ممرَّ السكة الحديدية، واعترافًا بيوغندا البريطانية، وفوق ذلك حاجزًا بلجيكيًّا يسدّ على فرنسا طريقَها العرضيّ.
وهنا المفارقةُ التي تستحق التأمّل: مَن كان يملك هذه الأرض أصلًا حتى تؤجّرها بريطانيا؟ كانت مديرية بحر الغزال قد دخلت اسمًا تحت خديوية مصر في القرن التاسع عشر، فهي جزءٌ من السودان المصريّ [10]. لكنّها منذ الثورة المهدية صارت إما بيد المهديين وإما في فراغٍ لا تحكمه إدارة. أما بريطانيا فادّعت منطقة أعالي النيل في فبراير 1894 نيابةً عن مصر بحقّ الأيلولة، ثم أجّرت هذا الادّعاء في مايو [9]. أي إنها أجّرت أرضًا لا تملكها ولا تطؤها قدمُها، فباعت جلدَ النمر قبل صيده: على الورق تصرّفت في مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة، وفي الواقع لم تكن تسيطر على شبرٍ واحدٍ منها، وكان صاحبُها الفعليُّ، ولو اسمًا، هو الدولةَ المهدية في الخرطوم.
أما يوغندا الواقعة بين الكونغو ومنطقة فشودة، فكانت بريطانيّة؛ إذ أعلنتها بريطانيا محميةً في السنة نفسها، 1894، بعد حلّ شركة شرق أفريقيا البريطانية الخاصة. فكانت يوغندا هي المرساةَ الجنوبية التي يُراد للممرّ البريطانيِّ المستأجَر، ذلك الشريطِ بين بحيرتَي تنجانيقا وإدوارد، أن يَصِلَ عندها شطرَ بريطانيا الجنوبيَّ الصاعدَ من الكاب بمنطقة أعالي النيل، ثم ينحدر الخطُّ مع النهر شمالًا عبر السودان إلى مصر، فتكتمل حلقاتُ «الخطّ الأحمر»، وهو لونُ مستعمرات بريطانيا على الخرائط، الممتدِّ طولًا من الكاب إلى القاهرة. فالمرادُ وصلُ جنوب بريطانيا بشمالها مرورًا بالنيل، لا وصلُ النيل بالكونغو؛ فالكونغو لم تكن غايةَ الخطّ، بل، عقبةً يتسلّل الممرُّ بمحاذاة حافّتها الشرقية ليتخطّاها. أما جيبةُ لادو فشأنٌ بلجيكيٌّ منفصل: منفذُ ليوبولد من كونغوه إلى النيل، لا حلقةٌ في خطّ بريطانيا.
يبقى سؤالٌ طريف: كم كان قد بُني فعلًا من سكة حديد «الكاب إلى القاهرة» سنة 1894 حتى يُؤجَّر لها ممرّ؟ الجواب: لا شيء يُذكر على خطّ النزاع. كانت السكةُ الحديدية شبه ورقية؛ وكلُّ المُنجَز منها هو طرفُها الجنوبيّ في جنوب أفريقيا، حيث بلغت القضبانُ الممدودةُ من كيمبرلي بلدةَ مافيكينغ في أكتوبر 1894، على بُعد نحو ألفٍ وثلاثمئةٍ وستين كيلومترًا من كيب تاون [11]. أما الوصلةُ الوسطى عبر وسط أفريقيا فلم يكن لها وجود، وطرفُ القاهرة المصريُّ كان يقف عند أسوان، وسكةُ حديد السودان من وادي حلفا إلى دنقلا لم يبنِها كتشنر إلا سنتَي 1896 و1897. بل، إنَّ المشروع كلَّه لم يكتمل قط. فالخلاصةُ أنَّ بريطانيا أجّرت أرضًا لا تملكها، مقابل ممرٍّ لسكة حديدٍ لم تُبنَ، لتخدم حلمًا لم يتحقّق.
ثم إنَّ الصفقة لم تعش طويلًا، بل، تفكّكت خلال أشهرٍ تحت ضغط الغاضبين. فاحتجّت ألمانيا بشدّةٍ لأنَّ الممرَّ البريطانيَّ يحاذي مستعمرتها في شرق أفريقيا، فسُحبت مادةُ الممرّ في الثاني والعشرين من يونيو 1894 بتبادل مذكّراتٍ بين لندن ودولة الكونغو [10]. ثم ضغطت فرنسا على ليوبولد مستندةً إلى حقّ الأفضلية الذي منحه لها عام 1884 على دولة الكونغو، وهو حقُّ أولويةٍ في شرائها إن تخلّى عنها، فهدّدته دبلوماسيًّا وعلى حدوده حتى أرغمته في الرابع عشر من أغسطس 1894 على توقيع معاهدةٍ فرنسية-كونغولية يتخلّى فيها عن احتلال ما يقع شمالَ خط العرض خمسٍ ونصفٍ شمالًا، مقابل قبول فرنسا بجيبة لادو وحدها [9]. فلم يبقَ من الصفقة الكبرى إلا جيبةٌ صغيرة، احتلّها ليوبولد من سنة 1897 وتشبّث بها حتى موته، ثم آلت إلى السودان الأنجلو-مصري سنة 1910. أي إنَّ محاولة لندن استخدامَ بلجيكا حاجزًا في وجه فرنسا انهارت سريعًا، ولم يوقف فرنسا في النهاية إلا جيشُ كتشنر.
ولنفصّل ما جاء في المعاهدة الفرنسية-الكونغولية. فقد وُقّعت في الرابع عشر من أغسطس 1894، أي بعد نحو شهرين من شطب مادة الممرّ وبعد ثلاثة أشهر من الاتفاقية الأنجلو-كونغولية [12]. وأهمّ ما فيها بالنسبة إلى الأرض السودانية بندان. الأول أنَّ ليوبولد تنازل عن كلّ احتلالٍ ونفوذٍ إلى الغرب والشمال من خطٍّ يبدأ عند ملتقى مياه حوضَي الكونغو والنيل، ثم يسير على خط الطول 30° شرقًا حتى خط العرض 5°30′ شمالًا، ثم يمضي على هذا العرض شرقًا إلى النيل [12]؛ أي تنازل عن مديرية بحر الغزال كلّها وعن كلّ ما يقع غربَ خط الطول 30°. والثاني أنَّ فرنسا قبلت في المقابل بما أبقاه ليوبولد لنفسه شرقَ ذلك الخط وجنوبَ ذلك العرض، أي جيبة لادو [9]. ولم تنقل المعاهدةُ حدودَ فرنسا إلى حوض النيل، كما أكّد وكيل الخارجية البريطاني غراي، لكنها أزاحت الحاجزَ البلجيكيَّ من طريقها [12].
وهل كانت بلجيكا تسيطر على مديرية بحر الغزال قبل هذه المعاهدة؟ لا. فبلجيكا الدولةُ لم تكن طرفًا أصلًا، ودولةُ الكونغو الحرة نفسُها لم تكن قد وضعت يدها على المديرية: كان لها فيها حقٌّ مؤجَّرٌ على الورق منذ مايو 1894، ولم تبلغ قواتُها النيلَ نفسَه إلا في فبراير 1897 عند الرجّاف [13]؛ أما المديرية فكانت، كما سبق، بيد المهديين أو في فراغٍ لا تحكمه إدارة.
جيبةُ لادو، معنى الكلمة، وجغرافيتُها، وغرضُها، ومصيرُها
ولمّا تكرّر ذكرُ «جيبة لادو»، فلا بدَّ من وقفةٍ عندها. و«الجيبة» مشتقّةٌ من الجَيب الذي في الثوب، وتعني في الجغرافيا السياسية أرضًا تابعةً لدولةٍ لكنها محاطةٌ بأرض غيرها أو ناتئةٌ داخلها كالجيب، وهي ترجمةُ المصطلح الأوروبيّ (enclave) المأخوذ من اللاتينية بمعنى المحبوس في الداخل. أما لادو بالتحديد فكانت لسانًا من أرض دولة الكونغو يمتدّ إلى الضفة الغربية لنهر بحر الجبل رافد النيل الأبيض، حُدِّد بعد الضغط الفرنسيّ بما يقع شرقَ خط الطول الثلاثين وجنوبَ خط العرض خمسٍ ونصفٍ شمالًا، وسُمّي باسم مرفأ لادو النهريّ قربَ جوبا الحالية، فيما هو اليوم جنوب السودان وشمال غرب يوغندا [9]. وبدقّةٍ أكثر لم تكن جيبةً مغلقةً بالمعنى الحرفيّ، بل، شريطًا مؤجَّرًا على النهر؛ لكنها اشتهرت بهذا الاسم.
وأما الغرضُ منها فكان مزدوجًا: فبالنسبة لبريطانيا، زرعُ طرفٍ بلجيكيٍّ حاجزًا يقطع على فرنسا طريقَها العرضيّ إلى النيل، ويخدم في الوقت ذاته تواصلَ «الكاب إلى القاهرة». وبالنسبة لليوبولد، نيلُ ما اشتهاه طويلًا: منفذٌ إلى النيل الصالح للملاحة يمدّ كونغوه شمالًا. فكانت لادو، نظريًّا، حجرَ الزاوية في خطّة لندن لإبعاد فرنسا بالوكالة، وبيضةَ القبّان في سباق السيطرة على منطقة أعالي النيل.
لكنْ ما مصيرُها عمليًّا؟ فشلٌ في غرضها الأكبر، ونجاحٌ هزيلٌ عابر. فشلت لأنَّ الصفقة التي أنجبتها تهاوت في أشهرها الأولى تحت الضغطَين الألمانيّ والفرنسيّ، ولأنها لم تُوقِف مارشان خطوةً واحدة؛ فمَن أوقف فرنسا فعلًا كان جيشَ كتشنر لا حاجزَ ليوبولد. ونجحت نجاحًا جزئيًّا بوصفها جائزةً شخصيةً له وحده: إذ طرد ضابطُه لويس-نابوليون شالتان (Louis-Napoléon Chaltin) المهديين من الرجّاف (Rejaf) في السابع عشر من فبراير 1897، فاحتلّ الجيبة فعليًّا [13]. والرجّاف بلدةٌ، لا جبلٌ ولا نهرٌ ولا إقليم، تقع على الضفة الغربية لنهر بحر الجبل رافد النيل الأبيض في الاستوائية الوسطى وتطلّ عليها تلّةٌ مخروطيةٌ تحمل اسمها؛ وكانت آخرَ مرفأٍ صالحٍ للملاحة على النيل، ثم صارت مقرَّ الحكم في الجيبة. فنال ليوبولد بذلك منفذَه على النيل.
لكنه كان منفذًا معزولًا بعيدَ الإمداد. فهو بعيدٌ عن قلب دولة الكونغو الحرة على نهر الكونغو، تفصله عنه الغابةُ والسافانا مئاتٍ من الكيلومترات، وكان الطريقُ من ذلك القلب إليه يمرّ بباسوكو (Basoko) على نهر الكونغو، ثم بنهر أروِيمي (Aruwimi)، حتى مركز دونغو (Dungu) الذي انطلقت منه قواتُ شالتان نحو النيل في ديسمبر 1896 [13]، وأكثرُه مشيًا على الأقدام. وعلى هذا الطريق الشاقّ كان يُنتظر أن يصل ما تحتاجه حامياتُه من جنودٍ، وعتادٍ، ومؤن، وهي حامياتٌ كونغوليةٌ أقامها شالتان في الرجّاف وما حولها. أما النيلُ نفسُه فلم يكن شريانًا يُعتمد عليه: فجنوبَ الرجّاف جنادلُ تقطع الملاحة، وشمالَها أرضٌ كان للمهديين فيها سلطانٌ، ثم أمسكت بها الإدارةُ البريطانية بعد سقوط المهدية.
وكان ليوبولد يطمع في أكثر من منفذ؛ فقد أمر شالتان بالزحف إلى النيل دون انتظار الحملة الكبرى [13]، لكنه لم يملك القوةَ للمضيّ أبعد بعد أن تمرّد جنودُ حملة دانيس (Dhanis) الكبرى في فبراير 1897. وبعد انسحاب الفرنسيين من فشودة أحيا ليوبولد مطالبتَه بالأرض المؤجَّرة كلِّها، فأخفق، وأُلغي الإيجارُ باتفاقٍ جديد مع بريطانيا أبقى له الجيبةَ وحدها، على أن تؤول إلى السودان الأنجلو-مصري بعد ستة أشهر من نهاية حكمه؛ فلمّا مات سنة 1909 ضُمّت إليه سنة 1910 وذابت في حدوده [9]. فالخلاصةُ أنَّ لادو نموذجٌ مصغّرٌ للسباق كلِّه: حيلةٌ أوروبيةٌ بارعةٌ على الورق، انتهت نكرةً على الأرض.
شرق أفريقيا الألمانية، الحاجزُ الذي أجهض الممرَّ البريطانيَّ
ولمّا كان حديثُنا عن الممرّ ومحاذاته لمستعمرات ألمانيا، فلا بدَّ من التعريف بتلك المستعمرة. فألمانيا، كإيطاليا، دخلت سباقَ أفريقيا متأخّرةً في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وقّع المغامرُ كارل بيترز (Carl Peters) أواخرَ سنة 1884 «عقودًا» مع زعماءَ محلّيين في البرّ المقابل لزنجبار، ونالت شركتُه امتيازًا إمبراطوريًّا سنة 1885؛ ولمّا عجزت الشركةُ عن ضبط البلاد أعلنت الدولةُ الألمانية حمايتَها عليها سنة 1891. فقامت مستعمرةُ «شرق أفريقيا الألمانية» على رقعةٍ شاسعة، وعاصمتُها دار السلام على المحيط الهندي [14]. وكانت تضمّ ما هو اليوم تنجانيقا، وهي الجزء القارّي من تنزانيا اليوم، ورواندا، وبوروندي، ونتفةً من شمال موزمبيق (مثلّث كيونغا). أما زنجبار فلم تكن ألمانية، بل، صارت محميةً بريطانية.
وفي الأول من يوليو 1890 عقدت بريطانيا وألمانيا معاهدةَ «هليغولاند-زنجبار»، فرسمتا مناطقَ نفوذهما في شرق أفريقيا: اعتُرف بتنجانيقا الألمانية، وثُبِّتت بريطانيا على زنجبار وفي مجال يوغندا، ونالت ألمانيا جزيرةَ هليغولاند في بحر الشمال، وهي مقايضةٌ أثارت غضبَ القوميين الألمان الذين رأوا أنَّ بلادهم باعت زنجبار في مقابل صخرةٍ شمالية. وبهذه المعاهدة حيّدت لندن المنافسةَ الألمانية في الإقليم إلى حدٍّ بعيد، وهو التحييدُ نفسُه الذي جعل ألمانيا تلزم الحيادَ لاحقًا في أزمة فشودة.
لكنَّ شرق أفريقيا الألمانية خلقت لـ«الخطّ الأحمر» مشكلةً جغرافية. فهي تجثم على الخاصرة الشرقية للقارة بين مستعمرات بريطانيا الجنوبية (روديسيا ونياسالاند) ومستعمراتها الشمالية (يوغندا وشرق أفريقيا البريطاني)، فتقطع أيَّ شريطٍ بريطانيٍّ متّصلٍ من الجنوب إلى الشمال على الجانب الشرقيّ. ولتفادي هذا الحاجز التمست بريطانيا طريقًا غربَ المستعمرة الألمانية: ممرًّا رفيعًا ينحشر بين شرق أفريقيا الألمانية والكونغو عبر منطقة البحيرات العظمى، تمرّ فيه سكةُ حديد «الكاب إلى القاهرة». وهذا هو «الممرّ» الذي نصّت عليه اتفاقيةُ 1894، إذ أجّر ليوبولد لبريطانيا الشريطَ بين بحيرتَي تنجانيقا وإدوارد لتلتفّ السكةُ الحديدية حولَ الحدّ الغربيّ للمستعمرة الألمانية.
وهنا أدّت المستعمرةُ الألمانية دورَها الحاسم، لا بجيشٍ، بل، باحتجاج. فالممرُّ المستأجَر كان يجري ملاصقًا للحدّ الغربيّ لشرق أفريقيا الألمانية، يطوّقها ويحشرها بشريطٍ بريطانيٍّ على جنبها؛ فرأت برلين في ذلك تطويقًا وخرقًا لروح تسوية 1890، واحتجّت بشدّة. وآثر سالزبري، الذي كانت صداقةُ ألمانيا عنده أغلى من حلم سكةٍ حديدية، ألّا يخاصمها. فلجأت بريطانيا ودولةُ الكونغو إلى أبسط الحلول: شطبُ المادة شطبًا. وتمَّ ذلك عبر «تبادل مذكّرات» في الثاني والعشرين من يونيو 1894، وهو أداةٌ ديبلوماسيةٌ تتبادل فيها حكومتان رسالتين متطابقتين تُكوّنان معًا اتفاقًا مُلزِمًا؛ فبموجب هذا التبادل أُلغيت مادةُ الممرّ (المادة الثالثة) بالتراضي، دون طلقةٍ واحدة [10]. أي إنَّ احتجاجًا ألمانيًّا وتوقيعَين على ورقتين كفيا لإجهاض ممرّ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
وهكذا سدّت المستعمرةُ الألمانية الطريقَ الشرقيَّ إلى القاهرة بوجودها، وأجهض الفيتو الألمانيُّ الطريقَ الغربيَّ البديل. ولمّا أُغلق «الكاب إلى القاهرة» من جهته الشرقية بألمانيا، ثم من جهته الغربية بفرنسا بعد أشهر، لم يبقَ لوصل جنوب بريطانيا بشمالها إلا شريانٌ واحد: وادي النيل عبر السودان. فشرق أفريقيا الألمانية، بوقوفها في الطريق وبنقضها الممرّ، رفعت من قيمة السودان والنيل، ومعهما رفعت المخاطرَ عند فشودة، دون أن تطلق رصاصة. فإغلاقُ الباب الشرقيّ جعل بابَ النيل لا غنى عنه.
أما نهايةُ المستعمرة الألمانية فجاءت مع هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، إذ فقدت كلَّ ممتلكاتها الأفريقية: شرقَ أفريقيا، وجنوبَ غرب أفريقيا (ناميبيا)، والكاميرون، وتوغولاند. وفي شرق أفريقيا خاض الجنرالُ فون ليتو-فوربك (von Lettow-Vorbeck) حربَ عصاباتٍ شهيرةً ظلّ فيها غيرَ مهزومٍ حتى هدنة 1918. ثم فكّكت معاهدةُ فيرساي سنة 1919 المستعمرة: فذهبت تنجانيقا انتدابًا بريطانيًّا (تنزانيا لاحقًا)، ورواندا-أوروندي انتدابًا بلجيكيًّا (رواندا وبوروندي لاحقًا)، ومثلّثُ كيونغا للبرتغال في موزمبيق [14]. فالإمبراطوريةُ التي نقضت ممرَّ بريطانيا تبدّدت، واقتُسمت أرضُها بين الخصوم أنفسِهم الذين سدّت في وجوههم الطريقَ يومًا.
ولعلّه يحسُن أن نقف عند فيرساي هذه، فالمكانُ وحده أبلغُ من المعاهدة. فـ«فيرساي» بلدةٌ تقع جنوبَ غربِ باريس على نحو عشرين كيلومترًا، لا شهرةَ لها إلا بقصرها: ذلك الصرحِ المذهَّب الذي شيّده لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر ليكون مسرحًا لعظمته، وفيه «قاعةُ المرايا» بمراياها السبعِ والخمسين وثلاثمئة، حيث كان الملكُ يتهادى ليراه العالمُ في مرآةٍ من كلّ جانب. وفي هذه القاعة بالذات، سنة 1871، أعلن الألمانُ قيامَ إمبراطوريتهم بعد سحقهم فرنسا، فأذلّوا الفرنسيين في أبهى بيوتهم. فلمّا دارت الدائرةُ سنة 1919، تعمّد الفرنسيون أن يوقّعوا إذلالَ ألمانيا في الغرفة ذاتها، تحت المرايا والثُّرَيّات، ردًّا للصاع صاعين.
وُقِّعت معاهدةُ فيرساي في الثامن والعشرين من يونيو 1919، في ذكرى اغتيال وريث عرش النمسا (Austria) الذي أشعل الحربَ بالضبط. ولم يُدعَ الوفدُ الألمانيُّ إلى تفاوضٍ أصلًا، بل، قُدِّمت إليه الوثيقةُ جاهزةً ليوقّعها تحت التهديد باستئناف الحرب. وحمّلت المعاهدةُ ألمانيا وحدها وزرَ الحرب، وأثقلتها بتعويضاتٍ خيالية، واقتطعت منها الألزاسَ واللورين، وقيّدت جيشَها، ثم جرّدتها من كلّ مستعمراتها دفعةً واحدة. وهكذا، في قاعةٍ من المرايا بناها ملكٌ مطلقٌ ليرى فيها نفسَه، اقتُسمت أقاليمُ أفريقيا، ومنها شرق أفريقيا الألمانية، بجرّة قلمٍ على مرأًى من ثلاثمئةٍ وسبعٍ وخمسين مرآةً لم تعكس إلا وجوه المنتصرين. ومن سخرية القدر أنَّ قسوة هذا الصلح زرعت في ألمانيا مرارةً حصدها العالمُ بعد عقدين حربًا عالميةً ثانية؛ فكأنّ مرايا فيرساي لم تُنتِج صلحًا، بل، صورةً أخرى للحرب.
تحرّكُ الحملتين، مِضمارٌ وتواريخ
انطلقت الحملتان في سباقٍ فعليٍّ نحو النقطة نفسها. فمن الجانب البريطاني، أذن مجلسُ الوزراء بالتقدّم إلى دنقلا في مارس 1896 [8]، وجاء أولُ اصطدامٍ كبيرٍ في معركة فركة شمال مدينة دنقلا في يونيو 1896، ثم مدَّ كتشنر سكةَ حديدٍ عبر الصحراء النوبية تختصر منحنى النيل الطويل وتتفادى شلالاته، فكانت مع البوارج والرشّاشات عمادَ نصره [8]، وحسم معركة عطبرة في أبريل 1898، حتى بلغ ذروتَه في معركة أم درمان (كرري) في الأول والثاني من سبتمبر 1898، حيث سحق جيشَ الخليفة عبد الله: نحو خمسةٍ وعشرين ألفًا وثمانمئة أنجلو-مصريٍّ في مواجهة ما بين خمسةٍ وثلاثين ألفًا واثنين وخمسين ألفًا من المهديين، فسقط من السودانيين نحو عشرة آلاف في صبيحةٍ واحدة مقابل ثمانيةٍ وأربعين قتيلًا من رجال كتشنر [4]. ثم دخل الخرطوم، وفتح أوامرَه المختومة، وانطلق جنوبًا نحو فشودة في التاسع من سبتمبر، فبلغها في الثامن عشر منه بخمس بوارج ونحو ألفٍ وخمسمئة جندي [5].
ومن الجانب الفرنسي، جُمعت حملةُ النقيب مارشان في الكونغو الفرنسي، وهي بعثةٌ أكثرُ منها جيشًا. فقد أبحرت من بوردو (Bordeaux) في 20 يونيو 1896 ونزلت في مرفأ لوانغو (Loango) على الساحل الأطلسي في 23 يوليو، ثم اجتمعت في برازافيل (Brazzaville) على نهر الكونغو بعد إخماد ثورةٍ محلية قطعت الطريق إليها، وتتراوح المصادر في تاريخ هذا الاجتماع بين نوفمبر 1896 ومطلع 1897 [15]. وقوامُها نحو تسعةِ ضباطٍ فرنسيين، منهم مارشان نفسُه، وطبيبٌ بحريٌّ، ومترجمٌ للعربية، وعددٌ من ضباط الصف تتباين أرقامهم بين المصادر، يقودون نحو مئةٍ وخمسين رمّاحًا جُنّدوا في السنغال، والسودان الفرنسي، والغابون، ومعهم مجدّفون وحمّالون أفارقةٌ من أهل البلاد استُؤجروا على الطريق. فالفرنسيون فيها قلّةٌ، لا يبلغون في حسابنا التقريبي عُشرَ القوة المقاتلة، والباقون أفارقة.
ولم يكن الطريقُ إلى بحر الغزال مشيًا على الأقدام وحدَه ولا نهرًا واحدًا، بل، مزيجًا منهما. فمن برازافيل صعدت البعثةُ في بواخرَ نهرية، منها الباخرة المفكَّكة «فيدرب» (Faidherbe)، في نهر الأوبانغي (Ubangi) رافد الكونغو، فبلغت بانغي (Bangui) في الأول من أبريل 1897، ثم تابعت في نهر مبومو (Mbomou) بالزوارق والباخرة بمعونة نحو ألفٍ ومئتَي مجدّفٍ من أهل البلاد، فبلغت إيدو (Ido) في سبتمبر، حيث تنتهي صلاحيةُ النهر للملاحة. وهناك فُكّكت الباخرةُ وحُمل كلُّ شيءٍ برًّا عبر خطّ تقسيم المياه بين حوضَي الكونغو والنيل، على طريقٍ شقّته البعثةُ نحو مئةٍ وستين كيلومترًا، إلى نهر سويه (Soueh) رافد بحر الغزال [15]؛ فكان العبورُ من حوض الكونغو إلى حوض النيل، في حقيقته، نقلَ باخرةٍ على الأكتاف.
فلماذا استغرق الأمر هذه المدة؟ مرّ من لوانغو إلى فشودة نحو عامين، من يوليو 1896 إلى يوليو 1898، ومن بانغي وحدها نحو خمسة عشر شهرًا. والأسبابُ كثيرة: ثورةٌ محلية قطعت الطريق إلى برازافيل فأخّرت البعثةَ أشهرًا؛ ثم منحدراتٌ مائيةٌ على الأوبانغي ومبومو أجبرت على التفريغ والجرّ؛ ثم نقلُ الباخرة المفكّكة عبر خطّ تقسيم المياه؛ ثم انخفاضُ مياه نهر سويه فلم تطفُ عليه الباخرة، فانتظرت البعثةُ الفيضانَ أشهرًا؛ ثم السُّدّ، وهو النباتاتُ العائمةُ الكثيفة التي تسدّ مجرى النهر في المستنقعات، وأفراسُ النهر المهاجمة؛ وأخيرًا تغييرُ المسار بنصيحة ليوتار (Liotard).
ودخلت البعثةُ أرضَ السودان من حدوده الغربية عبر مديرية بحر الغزال. وفي خريف 1897 أنشأ مارشان بنفسه حصن ديزيه (Fort Desaix) على نحو سبعة كيلومترات من التقاء نهر واو (Waou) بنهر سويه، وجعله مقرَّ قيادته. فهو حصنٌ فرنسيٌّ جديد لا حصنٌ سودانيٌّ قديم، ولهذا جاء اسمُه فرنسيًّا؛ ولا تذكر المصادر التي رجعنا إليها سببَ اختيار الاسم [15]. ومنه أرسل مارشان ضابطَه بارتييه (Baratier) والمترجم لاندرون (Landeroin) ليستكشفا الممرّات الصالحة للملاحة وراء مشرع الرق (Mechra el Rek)، فعادا بالخرائط في 28 مارس 1898. و«المشرع» في العربية موضعُ ورود الماء ومرسى المراكب على النهر؛ وليس «الرقُّ» هنا العبوديةَ، بل، الاسمُ نسبةٌ إلى بلاد «الرِّك» (Rek)، وهم فرعٌ من الدينكا. وقد قام المشرع على نهر بحر الغزال قبل مصبّه في بحيرة نو (Lake No)، وكان المشرعَ الوحيد في تلك الأرض ذات المستنقعات القصبية. ثم استأنفت البعثةُ سيرَها في النهر في 4 يونيو 1898 فبلغت فشودة في العاشر من يوليو بنحو مئةٍ وخمسين رمّاحًا يقودهم الضباطُ المذكورون، فرفع مارشان العلمَ وأعاد بناء الحصن، وردَّ في أغسطس هجومَين مهديَّين. أما البعثة الفرنسية الأخرى القادمة من جيبوتي عبر إثيوبيا لتمدّه بالعون، فتعثّرت وعادت أدراجها، فبقي مارشان في مستنقعه بلا نجدة.
فالحاصل أنَّ فرنسا سبقت ميدانيًّا، إذ وصلت في يوليو، لكنَّ بريطانيا وصلت بعد شهرين بجيشٍ لا يُقاس، وقد فرغت لتوّها من تحطيم دولةٍ سودانيةٍ بأكملها في طريقها. سباقٌ ربحه الأسرعُ نظريًّا، وحسمه الأقوى عمليًّا.
الأوامرُ المختومة وحسابُ الزمن، شاهدان على الهدف الحقيقيّ
ولعلَّ أبلغَ دليلٍ على أنَّ فشودة كانت الغايةَ لا العَرَض، ما كشفه كتشنر نفسُه حين بلغ الخرطوم. فقد كان يحمل أوامرَ مختومةً من رئيس الوزراء سالزبري شخصيًّا، لم يؤذَن له بفضّها إلا بعد حسم المعركة الكبرى؛ فظلّت وجهتُه الحقيقية طيَّ الختم، مخفيّةً حتى عن حاملها القائد، حتى إذا سقطت أم درمان فضَّ الختمَ فإذا المهمّةُ الحقيقية مكتوبةٌ سَلفًا في لندن: التوجّهُ إلى فشودة وإخراجُ الفرنسيين من السودان [5]. أي إنَّ الحكومة لم تنتظر نتيجةَ الحرب لتقرّر وجهتَها، بل، كتبت خاتمةَ القصة قبل أن تُفتَح فصولُها الأخيرة، وجعلت «استعادةَ السودان» بابًا تدخل منه إلى غرفةٍ اسمها فشودة.
ثم انظر إلى حساب الزمن، فهو أفصحُ من أيِّ خطبة. استغرق «فتحُ السودان» من يوم أذنت الحكومةُ بالحملة في مارس 1896 إلى النصر في كرري في الثاني من سبتمبر 1898 نحوَ عامين ونصف من الزحف البطيء المدروس: سكةُ حديدٍ تُمَدّ قضيبًا قضيبًا، ومعاركُ تُخاض في فركة وعطبرة، وصبرٌ محسوب [8]. فلمّا زال العائقُ الوحيد، أي جيشُ الخليفة، لم يستَرِح كتشنر ولم يَقفل عائدًا مكتفيًا بثأر غردون والخرطوم، بل، اندفع بعد النصر بسبعة أيام، في التاسع من سبتمبر، جنوبًا نحو فشودة على بُعد نحو ستّمئة كيلومتر، فقطعها بنفسه على رأس قوةٍ ضخمة: خمسُ بوارج، ونحو ألفٍ وخمسمئة جنديٍّ بالمدافع والرشّاشات، عشرةُ أضعاف قوة مارشان، فبلغ فشودة في الثامن عشر من سبتمبر، أي بعد ستةَ عشرَ يومًا من يوم كرري.
فما معنى هذا التباين الصارخ؟ عامان ونصفٌ من التمهّل في الهدف المُعلَن، وستةَ عشرَ يومًا من العَدْو، أي الجري نحو الهدف المسكوت عنه. لو كان فتحُ السودان غايةً في ذاته لتوقّف الرجلُ عند الخرطوم يرتّب مُلكَه الجديد؛ لكنه بدل ذلك طوى ستّمئة كيلومترٍ من المستنقعات مسرعًا، بقيادته شخصيًّا، نحو حصنٍ طينيٍّ لا قيمة له إلا موقعُه. ومَن يُسابق الزمنَ إلى خرابةٍ على هذا النحو، فورَ فراغه من حربٍ كبرى، إنما يكشف أنَّ تلك الخرابة كانت هي الجائزةَ المقصودةَ من البداية [5]. وهكذا تلتقي شهادةُ الختم مع شهادة الساعة على حكمٍ واحد: أنَّ السودان فُتِح في الطريق إلى فشودة، لا أنَّ فشودة زُحِف إليها في أثناء فتح السودان.
الخطُّ الفرنسيُّ، من داكار إلى جيبوتي بين الطموح والواقع
طموحُ فرنسا كان شريطًا متّصلًا يشطر أفريقيا عرضًا: من داكار على المحيط الأطلسي في السنغال، مرورًا بالسودان الفرنسي (دولة مالي اليوم) وحوض النيجر، نحو بحيرة تشاد، ثم عبورًا للمنطقة الفاصلة إلى النيل الأبيض عند فشودة، ثم انطلاقًا عبر إثيوبيا إلى جيبوتي على البحر الأحمر. خطٌّ عرضيٌّ يوازي خطَّ بريطانيا الطوليّ ويقطعه.
أما ما سيطرت عليه فرنسا فعلًا، فكان كتلتين متباعدتين لا خطًّا متّصلًا. في الغرب أحكمت قبضتَها على كتلةٍ ضخمة: السنغال، والسودان الفرنسي، وغينيا، وأعالي النيجر، وكانت تزحف نحو تشاد التي لم تُخضَع إلا مع مطلع القرن. وفي أقصى الشرق لم تملك سوى موطئ قدمٍ صغير هو الصومال الفرنسي (جيبوتي) الذي نُظِّم سنة 1896. لكنَّ القلب، أي مديرية بحر الغزال، وهي بابُ الدخول الفرنسي إلى السودان، ومنطقة أعالي النيل، هو بالضبط ما حاولت حملةُ مارشان الصغيرة أن تحوّله إلى وجودٍ فرنسيٍّ حقيقيٍّ فأخفقت؛ وإثيوبيا الواقعة بين جيبوتي والنيل كانت إمبراطوريةً مستقلّة لا مُلكًا فرنسيًّا، بل، مجردَ شريكٍ مأمول. فالخطُّ العرضيُّ كان كتلةً غربيةً كبيرة ونقطةً شرقيةً صغيرة بينهما فجوةٌ شاسعة غيرُ محكومة وإمبراطوريةٌ ذاتُ سيادة؛ وكانت فشودةُ محاولةَ ردم الفجوة، فلمّا سقطت سقط الحلمُ العرضيُّ كلُّه.
وهل جيبوتي موازيةٌ لخط العرض العاشر؟ ليست عليه تمامًا. جيبوتي تقع عند نحو إحدى عشرةَ درجةً ونصفٍ إلى اثنتَي عشرةَ درجةً شمالًا، أي شمالَ الخط العاشر بقليل، بينما فشودةُ تحته بقليل. فالحلمُ الفرنسيُّ امتدّ تقريبًا في حزام العرض بين العاشرة والثانيةَ عشرةَ شمالًا، وطرفاه في هذا الحزام نفسه تقريبًا، لكنَّ جيبوتي أعلى من خط العشرة، لا موازيةً له بدقّة.
اللاعبون، مَن فعل ماذا حول الطين
فرنسا، صاحبةُ الحلم العرضيّ ومحرّكةُ الأزمة. وقف خلفها وزيرُ خارجيتها غابرييل هانوتو (Gabriel Hanotaux) بسياسته الأفريقية، وأرسلت مارشان، ثم لمّا انفجرت الأزمة تولّى إطفاءها وزيرُ الخارجية الجديد تيوفيل دلكاسيه (Théophile Delcassé)، الذي خلف هانوتو في يونيو 1898. وجدت نفسها معزولةً بلا سندٍ من حليفتها روسيا، ومثقلةً بأزماتها الداخلية، فاختارت الانسحاب على الحرب [1].
بلجيكا (ليوبولد)، أداةٌ ومنافسٌ في آنٍ واحد. فالملك ليوبولد استخدمته بريطانيا حاجزًا في وجه فرنسا عبر معاهدة 1894، فظنّ نفسه لاعبًا وهو بيدقٌ في لعبة غيره، لكنَّه كان يطمع هو الآخر في النيل، فتشبّث بجيبة لادو منفذًا إلى النهر حتى وفاته سنة 1909، فآلت الجيبةُ بعد وفاته إلى السودان الأنجلو-مصري سنة 1910 [9].
ألمانيا، الطرفُ الذي تودّده الجميع، فجلست تتفرّج والجميعُ يتزلّف إليها. بقيت على الحياد في الأزمة، بعد أن كانت بريطانيا قد حيّدتها باتفاقاتٍ سابقة. وكان الخوفُ الفرنسيُّ من ألمانيا أحدَ أسباب تراجع دلكاسيه ورغبته في صداقة لندن. حتى إنَّ القيصر فيلهلم الثاني كتب إلى جدّته الملكة فيكتوريا في العشرين من ديسمبر 1898، أي بعد انتهاء الأزمة تقريبًا، يؤكّد أنَّ بوسع بريطانيا الاعتمادَ على ألمانيا إن نشب نزاعٌ بينها وبين فرنسا [16].
إيطاليا، الحلقةُ الأضعف. هزيمتُها في معركة عدوة سنة 1896 وحصارُ كسلا كانا المناسبةَ التي أطلقت حملةَ دنقلا، إذ طلبت روما من لندن «إلهاءً عسكريًّا» يخفّف الضغطَ عن حاميتها المعزولة في كسلا [8]. وظلّت بعد ذلك طرفًا مُدارًا، أي طرفًا تجامله بريطانيا وتتعامل معه بالترضية لا بالإقصاء، ضمن منظومة إبعاد المنافسين عن النيل: فقد تقدّمت بريطانيا نحو دنقلا بحجّة نصرتها، ثم تسلّمت القواتُ الأنجلو-مصرية منها كسلا في ديسمبر 1897 سلمًا لا حربًا، فخرجت إيطاليا من شرق السودان دون أن تزاحم أحدًا على النيل.
إثيوبيا (منليك)، الورقةُ المراوغة. هزم الطليانَ في عدوة بسلاحٍ فرنسيٍّ وروسيّ، ثم لعب على كلّ الحبال: غازل فرنسا ببعثةٍ تلتقي مارشان، ووقّع مع بريطانيا حيادًا، وفاوض الخليفةَ في الوقت نفسه. وإخفاقُ بعثته الغربية هو ما ترك مارشان بلا نجدة.
السودان (الدولة المهدية)، صاحبُ الأرض الذي كان لا بدَّ من سحقه لتمرّ أيُّ خطةٍ أوروبية. الخليفةُ عبد الله أدرك ببداهةٍ ما عمي عنه الدبلوماسيون: أنَّ كلَّ هؤلاء أعداء. لكنَّ رشّاشَ المكسيم في كرري لم يكن يحاور البداهة [4].
مصر، السيادةُ الاسمية التي دفعت الثمن. مُوِّلت الحملةُ من خزينتها، وتمنّى خديويها عباس الثاني استغلالَ الطموح الفرنسي لإخراج البريطانيين من القاهرة، لكنَّ مصر ظلّت في الواقع أداةً بريطانية، وجاء الحكمُ الثنائي لاحقًا ليكسو القبضةَ البريطانية بورقة توتٍ مصرية.
مياهُ النيل ومستعمراتُ الجنوب والهند، العمودُ الفقريُّ للقصة كلها. النيلُ هو الغاية، وجنوبُ أفريقيا والقاهرة طرفا الخط الأحمر، والهندُ هي الجوهرةُ التي تحرسها السويس. فحين تسأل: لماذا يهتمّ رجلٌ في لندن بمستنقعٍ في جنوب السودان؟ فالجوابُ معلّقٌ في نهاية سلسلةٍ تبدأ عند فشودة وتنتهي عند بومباي.
موقفُ الخليفة عبد الله، سيادةٌ على الورق لغيره وحربٌ على كلّ الجبهات
من موقع الخليفة عبد الله، كان كلُّ هذا الورق الأوروبيّ، من إيجارٍ، وخطِّ عرضٍ عاشرٍ، وموادَّ أنجلو-بلجيكية، لغوًا لا معنى له. فالسودانُ كلُّه، بما فيه مديريتا بحر الغزال والاستوائية، وحصن فشودة، دارُ إسلامٍ تحت الدولة المهدية بحقّ دعوة المهدي وبحقّ الفتح؛ ولم يكن الخليفةُ يعلم بهذه الصفقات ولا يعترف بها، وكان يرى ليوبولد والبريطانيين سواءً: غزاةً كفّارًا يجب قتلُهم وكفى.
فهل كان يمسك فعلًا بالجنوب المتنازَع عليه؟ مسكًا واهيًا وقصيرًا. حكمت المهديةُ مديرية بحر الغزال نحو سنة 1885 و1886، بعد أن استسلم حاكمُها المصريُّ للمهديين سنة 1884، وتهاوت مديرية الاستوائية من يد مصر سنة 1889، لكنَّ قبضة المهدية على ذلك الجنوب النائي الموبوء ظلّت رخوة دائمًا [17]. وحيث تسلّل الأوروبيون فعلًا قاومهم المهديون بالسلاح: اصطدموا بالبلجيكيين قرب الرجّاف سنة 1897، وطاردت بوارجُ الخليفة قافلةَ مارشان سنة 1898. لكنَّ الخليفة لم يُجرِّد حملةً كبرى لإعادة إحكام قبضته على منطقة أعالي النيل.
فما الذي شغله عن ذلك؟ البقاءُ على كلّ جبهةٍ أخرى. حربٌ منهِكة دامت أربع سنواتٍ مع إثيوبيا المسيحية، غزا فيها وأحرق غندار سنة 1887، وفي القلابات (متمّة) في مارس 1889 قُتل الإمبراطور يوحنس الرابع، لكنَّ الحرب لم تُثمر للخليفة مكسبًا دائمًا وكلّفته كثيرًا. ومحاولةٌ لغزو مصر سُحقت عند توشكي في أغسطس 1889. وفتنٌ داخليةٌ متكرّرة، أخطرُها معارضةُ الأشراف من أهل بيت المهدي، بلغت ذروتها في ثورتهم المسحوقة سنة 1891، وتوتّرٌ دائمٌ بين عصبيّته التعايشية البقّارية وأهل النهر. ثم مجاعةٌ وأوبئةٌ مدمّرة بين سنتَي 1889 و1892 أكلت رجالَ الدولة وخزينتَها [17].
فبينما كان الأوروبيون يقتسمون أطرافه الجنوبية على الورق في منتصف التسعينيات، كان الخليفةُ منشغلًا بلملمة دولةٍ أنهكتها المجاعةُ والفتنة، ومستنفَرًا أمام الخطرين الوجوديّين على جبهتَيه الشمالية (مصر وبريطانيا) والشرقية (إثيوبيا). كان الجنوبُ البعيد آخرَ همومه، ولم تكن لديه الوسائلُ ولا الالتفاتُ لتحويله إلى ثغرٍ مُحصَّن. وحين تقارب كتشنر ومارشان عند فشودة، كان جيشُ الخليفة يُحشَد لا لمديرية بحر الغزال، بل، للدفاع عن أم درمان نفسها، حيث أُبيد. وتلك مفارقةٌ مُرّة: صاحبُ الأرض الوحيد، الذي أصاب في الحكم بأنَّ الغرباء جميعًا أعداء، كان محاصَرًا من كلّ صوبٍ أعجزَ من أن ينازع على الورق الذي كان ينقل جنوبَه خفيةً من أوروبيٍّ إلى آخر.
البرلمانُ، ومجلسُ الوزراء، ودورُ الملكة فيكتوريا
كانت يدُ البرلمان في الملفّ قديمةً قِدَمَ الصفقة نفسها. ففي السادس عشر من أغسطس 1894، بعد يومين من توقيع المعاهدة الفرنسية-الكونغولية، انهالت على وكيل وزارة الخارجية غراي في مجلس العموم أسئلةُ النوّاب. فسأل السير تشارلز ديلك (Sir Charles Dilke) عن مصير الأرض شمالَ بلدة لادو على النيل، وسأل السير إليس أشميد-بارتليت (Sir Ellis Ashmead-Bartlett) أتنازل ملكُ البلجيكيين عن معظم ما أُجِّر له، وكم ستقترب الحدودُ الفرنسية من النيل، وألحّ عليه: أتبلغ أربعين ميلًا من النهر نفسه؟ [12].
وأجاب غراي في شقّ التنازل بدقّة. فقد قال إنَّ دولة الكونغو تتنازل بهذا الاتفاق عن كلّ نفوذٍ واحتلالٍ إلى الغرب والشمال من خطٍّ يبدأ من التقاء مياه حوضَي الكونغو والنيل ويسير على خط الطول 30 شرقًا حتى خط العرض 5°30′ شمالًا، ثم يمضي على هذا العرض إلى نهر النيل، ولا قيدَ على ليوبولد جنوبَ هذا الخط وشرقَه. أي إنَّ الملك تخلّى عن مديرية بحر الغزال كلّها وعن كلّ ما يقع غربَ خط الطول الثلاثين، وأبقى لنفسه ما شرقَه وجنوبَ ذلك العرض، وهو الذي سيُعرف بجيبة لادو. وأضاف أنَّ بريطانيا عَلِمت بالترتيب بين فرنسا وملك البلجيكيين ولم تعارض توقيعه، لكنها ليست طرفًا فيه، وأنَّ الأرض شمالَ لادو وفي الجانب الغربي من حوض النيل تبقى في دائرة النفوذ البريطاني، مع مراعاة حقوق تركيا ومصر [12].
أما الجواب عن السؤال الأهمّ، أي كم سيقترب الفرنسيون من مجرى النيل، فلم يكن عددًا. قال غراي إنَّ فرنسا لم تقطع بموجب هذا الاتفاق أيَّ تعهّد، وإنَّ الاتفاق لا ينقل حدودَها إلى حوض النيل، ثم رفض أن يدلي بأيّ بيانٍ عن التعهدات الفرنسية ما دامت المفاوضات جارية، وكان اللورد دفرين (Lord Dufferin) قد عاد إلى باريس ليواصل المحادثات مع وزير الخارجية الفرنسي هانوتو [12]. فأجابت الحكومةُ عن «كم؟» بـ«لا أستطيع أن أقول»، وهو جوابٌ كالخريطة بلا مقياس رسم: يُرى منه الاتجاه ولا يُعرف البُعد.
وبعد أربع سنواتٍ أدار سالزبري أزمةَ 1898 بصفتيه رئيسًا للوزراء ووزيرًا للخارجية معًا، فجمع القرار في يده، واتّخذ موقفًا حديديًّا: لا مفاوضاتِ ما دام مارشان في فشودة. ونشر مراسلاتِه الرسمية ليُظهر للفرنسيين أنَّ الأمةَ كلَّها خلف حكومته، وتصاعدت في البرلمان والصحافة نبرةُ الحرب حتى بدت وشيكة. ومع ذلك كان الطرفان يريدان تجنّبَ الاشتباك فعليًّا؛ فالجائزةُ عند لندن كانت مضمونةً بلا حرب.
أما الملكة فيكتوريا، فكان دورُها دورَ العاهل الدستوريِّ المُطّلِع لا صانعَ القرار. كانت تصلها تقاريرُ مجلس الوزراء عن سير الأزمة عبر سالزبري، ومنها تقريرُه في السابع والعشرين من أكتوبر 1898 ورسالتُه في التاسع والعشرين منه، وتموّجت الأزمةُ داخل مراسلات العائلة المالكة نفسها حين كتب إليها حفيدُها القيصر الألماني فيلهلم الثاني في العشرين من ديسمبر 1898 [16]. وكانت قد احتفلت قبل الأزمة بنحو خمسة عشر شهرًا باليوبيل الماسيّ، وهو الاحتفال بمرور ستين سنة على اعتلائها العرش في العشرين من يونيو 1837، لا بعمرها الذي كان نحو ثمانٍ وسبعين سنة؛ وكانت أولَ ملكٍ بريطانيٍّ يبلغ هذا اليوبيل، بعد يوبيلها الذهبي سنة 1887. وكان احتفالًا بالملكة في ظاهره، لكنَّ وزير المستعمرات جوزيف تشمبرلين (Joseph Chamberlain) حوّله إلى «مهرجان الإمبراطورية البريطانية»، فجاب موكبُ الثاني والعشرين من يونيو 1897 شوارعَ لندن بممثّلي أقطار الإمبراطورية، وحضره أحدَ عشرَ رئيسَ وزراءٍ من المستعمرات. فكان عرضَ عضلاتٍ إمبراطوريًّا في ثوب عيد جلوس، وكتشنر في تلك الأثناء يمدّ سكة الحديد جنوبًا في الصحراء. لكنَّ القرارَ في جوهره ظلَّ للحكومة لا للتاج؛ فالملكةُ ملكت ولم تحكم في هذه المسألة، وكانت رمزَ الإمبراطورية التي وُضعت هيبتُها على المحكّ، لا يدَها التي حرّكت البوارج.
ولرسالة القيصر إلى جدّته دلالةٌ تستحقّ الوقوف، لكنها أضيقُ مما يُظنّ: فهي لا تفسّر نشوبَ السباق إلى فشودة ولا نهايتَه، وإنما تكشف موقفَ ألمانيا بعد الأزمة، وكيف كانت القرابةُ تحمل الرسائل السياسية إلى جانب القنوات الرسمية. فحين يكتب إمبراطورُ ألمانيا فيلهلم الثاني (Wilhelm II) إلى ملكة بريطانيا، فهو حفيدٌ يكتب إلى جدّته قبل أن يكون رأسَ دولةٍ يخاطب رأسَ دولة. فأمُّه الأميرةُ فيكتوريا، البِكرُ من بنات الملكة، تزوّجت وليَّ عهد بروسيا الذي صار الإمبراطور فريدريك الثالث، فكان فيلهلم أولَ أحفاد الملكة ميلادًا سنة 1859. وهكذا يُفتح إلى جانب قنوات الديبلوماسية الرسمية، التي يديرها الوزراء بالبروتوكول والتحفّظ، بابٌ عائلي لا يحرسه بروتوكول.
فهل طلب القيصر من جدّته شيئًا؟ لا يُعرف أنه طلب. فهوامش دراسة جيمي كوكفيلد (Jamie Cockfield) عن ألمانيا وأزمة فشودة تذكر أنَّ فيلهلم لم يكن يفوّت فرصةً ليُعلم البريطانيين أنَّ بوسعهم الاعتماد على ألمانيا إن نشب نزاعٌ أنجلو-فرنسي، وأنَّ السفير البريطاني في برلين لاسلز (Lascelles) نقل هذا الموقف إلى سالزبري في العاشر من ديسمبر 1898، وأنَّ القيصر كرّره في رسالته إلى الملكة في العشرين منه [16]. فهي، على ما يبدو، رسالةُ تطمين لا رسالةُ استعطاف: قيصرٌ يعد جدّته بالنجدة، ولا يسألها المعونة.
ولصالح مَن؟ أولُ ما يُلحظ أنَّ هذا التعهّد لم يكلّف صاحبه شيئًا، فقد أمرت باريس مارشان بالانسحاب في الثالث من نوفمبر، أي قبل الرسالة بنحو سبعة أسابيع؛ فهو كرمُ مَن يَعِد بالنجدة بعد انتهاء المعركة. وتذكر دراسةُ كوكفيلد أنَّ الأزمة فتحت أمام برلين خيارين: أن تشجّع الحربَ بين بريطانيا وفرنسا، أو أن تقترب من فرنسا ضدّ بريطانيا [16]. وفي هذا الضوء يبدو التعهّدُ الذي لا يكلّف شيئًا طريقةً للإبقاء على علاقةٍ طيبة مع لندن دون التخلّي عن الخيار الآخر. أما المكسبُ الألمانيُّ الملموس فجاء من الأزمة نفسها لا من الرسالة: فروحُ الثأر الفرنسية تجاه ألمانيا (revanche) تراجعت بحدّةٍ أثناء الأزمة وبعدها، بحسب المؤرخ لانغر (Langer) الذي تنقل عنه الدراسة [16]. فالرسالةُ ورقةٌ في ميزان المصلحة الألمانية قبل أن تكون حنانًا على الجدّة.
ولا ينبغي تحميل الرسالة أكثرَ مما تحتمل. فهي لم تغيّر مجرى الأزمة التي كانت قد انتهت عمليًّا، وأما الرابطُ بين علاقة الحفيد بجدّته وسباق فشودة فرابطٌ في القناة لا في المضمون: فالسباقُ حسمته الحكوماتُ، والجيوشُ، والبوارج، لا الرسائلُ العائلية، وكلُّ ما فعلته القرابةُ أنها أتاحت لقيصر ألمانيا أن يوصل إلى لندن تطميناتٍ بلا بروتوكول. وإنما تفيد الرسالةُ في ثلاثة أمور: الأول أنَّ ألمانيا بقيت رسميًّا على الحياد لكنها لم تُخفِ ميلَها إلى كفّة بريطانيا، فقد كان القيصر لا يفوّت فرصةً ليُعلم البريطانيين أنَّ بوسعهم الاعتماد عليه؛ والثاني أنَّ فرنسا كانت معزولة لا يجد لها الأقوياءُ، ومنهم حليفتُها روسيا، سندًا؛ والثالث أنَّ السياسة والقرابة كانتا تتداخلان في نسيج أوروبا على نحوٍ يصعب فصلُه، وهو ما نراه في الفقرات التالية.
غير أنَّ القرابة لم تمنع القيصر من أن يكون نِدًّا مشاكسًا. فقد أرسل في الثالث من يناير 1896 برقيةً إلى الرئيس بول كروجر (Paul Kruger) رئيس جمهورية جنوب أفريقيا (الترانسفال) يهنّئه فيها على صدّ غارةٍ بريطانية، فأثارت أولَ موجةٍ من العداء الشعبي لألمانيا في بريطانيا. فحفيدٌ يهنّئ الخصمَ على صدّ غارةٍ بريطانية، ثم يكتب بعد نحو ثلاث سنواتٍ إلى جدّته، هو إمبراطورٌ أراد أن يكون حفيدًا في الصالون وخصمًا في الميدان؛ يراسل جدّتَه بلهجة الحفيد، ويبني أسطولًا بلهجة الإمبراطور.
وهنا مكمنُ الطرافة الكبرى؛ فالقيصر لم يكن وحده في هذه العائلة. ولتتّضح للقارئ شبكةُ القرابة هذه نبدأ بالجيل الأول. فالملكة فيكتوريا أنجبت تسعةَ أبناءٍ، خمسَ بناتٍ وأربعةَ أبناء، وتركت اثنين وأربعين حفيدًا، زوّجت معظمَهم بنفسها في بيوت أوروبا المالكة، حتى لقّبها الناسُ «جدّةَ أوروبا» [18]. فأما بناتُها فبِكرُهنّ فيكتوريا، وتزوجت وليَّ عهد بروسيا الذي صار الإمبراطور الألماني فريدريك الثالث؛ وأليس، وتزوجت لويس الرابع الدوق الأكبر لهيسن (Hesse)، وهي إمارةٌ ألمانية؛ وهيلينا، وتزوجت الأمير كريستيان من شلزفيغ-هولشتاين؛ وبياتريس، وتزوجت الأمير هنري باتنبرغ؛ ولويز، وتزوجت جون كامبل دوق أرغيل التاسع، وهو نبيلٌ اسكتلنديٌّ لا أميرٌ أجنبي. وأما أبناؤها الأربعة فأكبرُهم ألبرت إدوارد، ملكُ بريطانيا لاحقًا باسم إدوارد السابع، وتزوج ألكسندرا أميرةَ الدنمارك؛ ثم ألفريد، وتزوج ماريا ألكسندروفنا الدوقةَ الكبرى الروسية؛ ثم آرثر، وتزوج لويز مارغريت أميرةَ بروسيا؛ ثم ليوبولد دوق ألباني، وهو غيرُ ملك البلجيكيين، وتزوج هيلين أميرةَ فالديك-بيرمونت. فمن التسعة تزوّج ستةٌ في بيوتٍ ألمانية، وواحدٌ في الدنمارك، وآخرُ في روسيا، وواحدةٌ في الأرستقراطية الأسكتلندية. وكان ذلك كلُّه بالمصاهرة لا بالحرب: لم تغزُ بريطانيا عروشَ أوروبا، بل، زوّجت أبناءَها وبناتِها إليها.
ثم جاء جيلُ الأحفاد، وبعضُهم تولّى العرش بالوراثة وبعضُهم بالزواج. فجورج الخامس (George V)، ابن إدوارد السابع، ورث العرش البريطاني سنة 1910؛ وفيلهلم الثاني (Wilhelm II)، ابن فيكتوريا الكبرى، تولّى العرش الألماني سنة 1888. وأما بقيةُ الأحفاد فصرن ملكاتٍ قرينات، أي زوجاتِ ملوكٍ لا حاكمات: ألكسندرا فيودوروفنا (Alexandra Feodorovna)، ابنةُ أليس، زوجةُ نيقولا الثاني قيصر روسيا منذ سنة 1894؛ وماود، ابنةُ إدوارد السابع، زوجةُ هاكون السابع ملك النرويج، الذي تولّى العرش سنة 1905؛ وصوفيا، ابنةُ فيكتوريا الكبرى، زوجةُ قسطنطين الأول ملك اليونان، الذي تولّى العرش سنة 1913؛ وماري، ابنةُ ألفريد، زوجةُ فرديناند الأول ملك رومانيا، الذي تولّى العرش سنة 1914؛ وفيكتوريا أوجيني المعروفة بإينا، ابنةُ بياتريس، زوجةُ ألفونسو الثالث عشر ملك إسبانيا منذ زواجها سنة 1906. أما الدنمارك فلم يتولَّ عرشَها أحدٌ من نسل فيكتوريا؛ والصلةُ بها آتيةٌ من الجهة الأخرى: فألكسندرا، قرينةُ إدوارد السابع، جاءت من الدنمارك، ومن شقيقتها أمُّ نيقولا الثاني.
فإذا أردنا أن نعرف مَن ابنُ عمِّ مَن ومَن ابنُ خالةِ مَن، فالقاعدة أنَّ أبناء الإخوة أبناءُ عمّ، وأبناءَ الأخوات أبناءُ خالة، وابنَ الأخ وابنةَ الأخت ابنُ عمّةٍ وابنُ خال. فجورج الخامس ابنُ إدوارد السابع، وفيلهلم الثاني ابنُ أخته فيكتوريا الكبرى، أي إنَّ فيلهلم ابنُ عمّةِ جورج، وجورج ابنُ خالِ فيلهلم. وألكسندرا فيودوروفنا ابنةُ أليس، فهي ابنةُ خالةِ فيلهلم لأنَّ أمَّها أليس وأمَّه فيكتوريا أختان، وهي ابنةُ عمّةِ جورج لأنَّ أمَّها أختُ أبيه.
أما نيقولا الثاني (Nicholas II) فليس من نسل فيكتوريا، بل، زوجُ حفيدتها ألكسندرا، وهو ابنُ خالةِ جورج الخامس لأنَّ أمَّيهما شقيقتان دنماركيّتان. وهو روسيُّ الجنسية، من أسرة رومانوف الحاكمة، حكم روسيا قيصرًا من سنة 1894 إلى سنة 1917، وحليفُ فرنسا؛ فقد صدّقت روسيا وفرنسا، بين ديسمبر 1893 ويناير 1894، على اتفاقيةٍ عسكرية تنصّ على المعونة المتبادلة إن هاجمت ألمانيا إحداهما. فهو في معسكر فرنسا لا في معسكر ألمانيا، وإن كان فيلهلم قريبَه بالمصاهرة؛ وفي الحرب العالمية الأولى قاتلت روسيا إلى جانب فرنسا ضد ألمانيا. أي إنَّ الإمبراطوريات الثلاث، البريطانيةَ، والألمانيةَ، والروسيةَ، كان يحكمها في ذلك العهد أقاربُ تجمعهم أسرةٌ واحدة: الجدّةُ فيكتوريا في بريطانيا، وحفيدُها فيلهلم الثاني في ألمانيا، وحفيدتُها ألكسندرا إلى جانب زوجها نيقولا الثاني في روسيا. فكأنها تُحكم بمعنى ما من مائدة عائلةٍ واحدة، وإن لم تمنع القرابةُ تضاربَ المصالح بينها.
ثم جاءت المفارقة المُرّة. فقد أرادت الجدّةُ بزيجاتها أن تنسج شبكةَ تحالفاتٍ تُبقي أوروبا آمنة، وهي استراتيجيةٌ لم تصمد أمام تضارب المصالح. فبعد نحو ستةَ عشرَ عامًا من رسالة القيصر في أزمة فشودة، وجد فيلهلم، وجورج، ونيقولا أنفسَهم سنة 1914 في معسكرين متقابلين: فيلهلم في جهة، وجورج ونيقولا في الجهة الأخرى. وكان فيلهلم قد أرسل إلى نيقولا وحده خمسًا وسبعين رسالةً شخصيةً بين نوفمبر 1894 ومارس 1914، عُرفت برسائل «ويلي-نيكي» [19]. فالدمُ الذي قيل إنه لا يصير ماءً، صار في تلك العائلة حبرًا للبرقيات وفولاذًا للمدافع.
ولم تنقطع الصلةُ حتى الرمق الأخير؛ فحين أشرفت الجدّةُ على الموت سنة 1901 هرع حفيدُها القيصر من ألمانيا إلى جانبها. ولعلّ موتها قبل الحرب بثلاثةَ عشرَ عامًا كان أرحمَ بها من أن ترى مائدتَها العائلية تتحوّل ساحةَ قتال. ولعلَّ هذه القرابة بين العروش كانت كذلك أحدَ أسرار أزمة فشودة؛ فقد كانت فرنسا جمهوريةً بلا عرش، فلم يكن لها في هذه العائلة جدّةٌ تُكاتبها: لا قرابةَ بين باريس ولندن ولا عرشًا يتراسل، بل، سفراءُ، ومذكّرات، وبوارج.
ما بعد الأزمة، من الطين إلى المعاهدة
في الثالث من نوفمبر 1898 أمر دلكاسيه، وهو وزيرُ خارجية فرنسا الذي خلف هانوتو في يونيو 1898، أي المسؤولُ عن علاقات بلاده بالدول الأخرى، مارشان، وهو الضابط الفرنسيُّ الذي قاد بعثة فشودة، بالانسحاب. وكان دلكاسيه يريد سندَ بريطانيا في وجه ألمانيا، فقدّم ذلك على غضب الرأي العام الفرنسي [1][5]. فطوى مارشان علمَه وغادر مُصرًّا على العودة عبر إثيوبيا لا عبر النيل البريطاني، فمرّ بأديس أبابا في مارس 1899 وبلغ جيبوتي، ميناء الصومال الفرنسي على البحر الأحمر، في السادس عشر من مايو 1899، بعد نحو ثلاث سنواتٍ من مغادرة فرنسا. ومن جيبوتي ركب البحرَ إلى فرنسا لا إلى غرب أفريقيا: فقد أرسلت حكومتُه الطرّادَ «داساس» (d’Assas) ليقلّه ورفاقَه إلى ميناء طولون (Toulon) على البحر المتوسط، وكان وصولُهم إليه مقدَّرًا في نحو التاسع والعشرين أو الثلاثين من مايو [15].
ثم جاءت التسويةُ على الورق: ففي الحادي والعشرين من مارس 1899 وقّعت بريطانيا وفرنسا في لندن إعلانًا جعل «خطَّ تقسيم المياه» بين النيل والكونغو حدًّا بين نفوذَيهما [1]. وخطُّ تقسيم المياه خطٌّ على الأرض تفترق عنده الأودية: ما انحدر ماؤه إلى شرقه وشماله صبّ في النيل، وما انحدر إلى غربه وجنوبه صبّ في نهر الكونغو؛ والكونغو هنا النهرُ وحوضُه لا الدولةُ المسمّاة به. وقد رأينا مارشان يحمل باخرته على الأكتاف عبر هذا الخط نفسه ليهبط من حوض الكونغو إلى حوض النيل. ويمضي الخطُّ شمالًا مارًّا بدارفور، وتقع غربَه اليوم جمهوريةُ أفريقيا الوسطى، التي يجري فيها نهرُ مبومو رافدُ الكونغو، ثم تشاد في الشمال الغربي من دارفور؛ فتخلّت فرنسا نهائيًّا عن حوض النيل واكتفت بما غربَ الخط.
ومن سخرية التاريخ أنَّ هذه المواجهة التي كادت تُشعل حربًا انتهت إلى تقاربٍ تُوّج بـ«الوفاق الودّي» (Entente Cordiale) الموقَّع في الثامن من أبريل 1904. وهو ليس حلفًا عسكريًّا رسميًّا، ولم يُقصد به ألمانيا نصًّا؛ وإنما سوّى الخلافات الاستعمارية بين البلدين: اعترفت فرنسا ببريطانيا في مصر واعترفت بريطانيا بفرنسا في المغرب، وسُوّي نزاعُ مصايد نيوفاوندلاند (Newfoundland)، وحدودٌ في غرب أفريقيا، والخلافاتُ في سيام (Siam) [20]. غير أنَّ ألمانيا، التي قامت سياستُها طويلًا على العداء بين لندن وباريس، رأت فيه تهديدًا؛ فلمّا حاولت كبحَ فرنسا في المغرب سنة 1905 لم تزده إلا قوةً، وتلت ذلك محادثاتٌ بين هيئتَي أركان الجيشين [20]. وبهذا المعنى فقط صار الوفاقُ سدًّا في وجه ألمانيا، لا بنصّه؛ وهو ما تنبّأ به دلكاسيه حين التمس صداقة لندن تحسُّبًا لألمانيا.
تداعياتُ فشودة على السودان، حين رُسِمَ وطنٌ في مكاتب الغرباء
أما الوريثُ الأكبر لكلّ هذا الصخب فكان السودان، الذي لم يُدعَ أصلًا إلى المائدة التي قُسِّم عليها. فمن الناحية السياسية، وُلد نظامُ الحكم الثنائي الأنجلو-مصريّ باتفاقيةٍ وُقّعت في يناير 1899 بين الحكومة البريطانية وحكومة خديوي مصر، عنوانُها «الإدارة المقبلة للسودان». ونصّت على أن تُناط «القيادةُ العسكريةُ والمدنيةُ العليا» في السودان بضابطٍ واحد يُسمّى الحاكمَ العام، يُعيَّن بمرسومٍ خديويٍّ بتوصيةٍ من الحكومة البريطانية [21]. فالسلطتان اللتان جمعهما الحاكمُ العام هما العسكريةُ والمدنية، أي قيادةُ الجيش وإدارةُ البلاد معًا. وصار السودانُ في الظاهر شراكةً بين لندن والقاهرة، وفي الباطن مستعمرةً بريطانيةً بامتياز [22].
ومن ناحية الحدود، رُسِم جسدُ السودان الحديث في العواصم الأوروبية لا في الخرطوم: عرّفت اتفاقيةُ 1899 السودانَ بأنه الأرضُ جنوبَ خط عرض 22، وضبطت الاتفاقيةُ الأنجلو-فرنسية حدَّه الغربيّ، واقتُطعت جيبةُ لادو للكونغو حتى سنة 1910 [21][9]. وهذه الخطوطُ نفسها، التي لم يُستشَر فيها شِلُّكٌ، ولا دينكا، ولا تاجرٌ في أم درمان، هي التي ما زالت تُحيط بالبلاد إلى اليوم، والتي انشطر أحدُها إلى دولتين سنة 2011.
ومن ناحية السلطة والدين، انتهت الدولةُ المهدية إلى غير رجعة: فرّ الخليفةُ عبد الله بعد كرري وقُتل في أم دبيكرات في نوفمبر 1899 [17]، وسُحق المهديّون، ونُبش قبرُ المهدي وهُدم ضريحُه في فعلٍ بقي وصمةً في سيرة كتشنر. وحلّت محلَّ الدولة السودانية إدارةٌ أجنبيةٌ حاكمُها العامُّ في الخرطوم يستمدّ شرعيتَه من لندن لا من أهل البلاد.
لكنَّ أعمقَ الجراح كان سياسةَ الفصل بين الشمال والجنوب. فقد عزلت الإدارةُ البريطانيةُ الجنوبَ، وجلُّ أهله يومئذٍ من أصحاب الديانات المحلية والمسيحيين، عن الشمال المسلم، واكتفت فيه بحفظ الأمن دون التحديث، فتُرك معزولًا متخلّفًا عن الشمال [22]، وزُرعت في تربته بذورُ حروبٍ أهليةٍ ستحصدها البلاد طوال القرن العشرين حتى الانفصال. بل، ما زالت مستمرة بعد الانفصال.
ومن ناحية البناء والاقتصاد، جاءت الإدارةُ الجديدة بحزمةٍ مزدوجة الوجه: قمعُ تجارة الرقيق، ثم مشروعُ الجزيرة للقطن، وسككُ الحديد، وكلية غردون التذكارية سنة 1902 التي خرّجت طبقةً موظّفةً محدودة [22]. لكنَّ منطقَ الدولة الذي رسّخته بريطانيا كان منطقَ المركز والهامش: خرطومٌ ينهض على حساب أطرافٍ مُهمَلة، وبنيةُ دولةٍ صُمّمت أصلًا لخدمة أمن مصر، والنيل، والطريق إلى الهند، لا لخدمة السودانيين.
فالخلاصةُ المُرّة أنَّ السودان دخل القرنَ العشرين مستعمَرًا لا لخطيئةٍ اقترفها، بل، لأنه كان يقع، بمحض الجغرافيا، على مفصل مياه النيل عند نقطةٍ اسمها فشودة. صار وطنًا كاملًا رهينةَ قلقِ لندن على قناةٍ في مصر وجوهرةٍ في الهند، ودُفعت فاتورةُ ذلك القلق من سيادته، ومن دماء أهله، ومن وحدته التي لم تصمد بعدُ لأكثر من قرن.
إيطاليا في القرن الأفريقي، من كسلا وعدوة إلى موسوليني
قبل أن نصل إلى موسوليني، لا بدَّ من فهم ما الذي جاء بإيطاليا إلى هذه المنطقة أصلًا. فإيطاليا دولةٌ تأخّر توحّدها إلى سنة 1861، فجاءت إلى مائدة الاستعمار متأخّرةً تبحث عن «مكانٍ تحت الشمس». وبدأ الأمر تجارةً لا جيشًا: فبُعيد افتتاح قناة السويس سنة 1869 اشترت شركةُ روباتّينو (Rubattino) للملاحة، بسفارة القسّ جوزيبي سابيتو (Giuseppe Sapeto)، أرضًا حول خليج عَصَب (Assab) على ساحل البحر الأحمر لتجعلها محطةً لسفنها المارّة بالقناة نحو الهند، ثم تسلّمتها الدولةُ الإيطالية سنة 1882 [23][24]. ثم احتلّ الطليانُ ميناء مصوّع (Massawa) سنة 1885. وكان الميناء يتبع يومئذٍ خديويةَ مصر، التي كانت تحت السيادة العثمانية الاسمية، وقد انهارت قوّتُها بهزائمها في الحبشة وبثورة المهدية في السودان؛ وشجّعت بريطانيا إيطاليا على ذلك، فتخلّت لها عن ادّعاءاتها وادّعاءات مصر في الميناء [24]. وجاء الطليانُ بحرًا لا برًّا، عبر البحر المتوسط فقناة السويس فالبحر الأحمر، فنزلت قواتُهم في مصوّع سنة 1885 ولم تُبدِ مصرُ مقاومة [23]. ثم أعلنت إيطاليا مستعمرة إريتريا في الأول من يناير 1890، واتّخذتها قاعدةً تتطلّع منها إلى الداخل. وكان دافعُها مركّبًا: هيبةُ الدولة الفتية، ومحطةُ فحمٍ وميناءٌ تجاريٌّ على الطريق إلى الهند، وتشجيعٌ بريطانيٌّ أرادت به لندن أن تسبق فرنسا إلى تلك السواحل. ثم اصطدمت وهي تتوسّع من إريتريا بالدولة المهدية على حدودها الغربية، وبالأحباش جنوبًا.
وفي مواجهة المهدية حقّقت إيطاليا انتصاراتٍ حقيقية. فأغوردات (Agordat)، وهي بلدةٌ في غرب إريتريا اليوم غربَ أسمرة، شهدت في الحادي والعشرين من ديسمبر 1893 معركةً هزم فيها العقيدُ جوزيبي أريموندي (Giuseppe Arimondi) جيشًا مهديًّا يفوق قوتَه عددًا بكثير، كان قد غزا إريتريا بقيادة الأمير أحمد علي (Ahmed Ali) [25]. ثم جاء النصرُ الحاسم في كسلا في يوليو 1894، حين استولت عليها القواتُ الإيطالية بقيادة الحاكم أوريستي باراتييري (Oreste Baratieri) [25]. وباراتييري إيطاليٌّ، وُلد في كوندينو (Condino) بإقليم تيرول الذي كان يومئذٍ تابعًا للإمبراطورية النمساوية، وحكم إريتريا من 1893 إلى 1896. وبالاستيلاء على كسلا غرس الطليانُ علمَهم في تربة شرق السودان. وهي كسلا نفسُها التي كان «تخفيف الضغط» عنها الذريعةَ التي بُرِّرت بها حملةُ كتشنر على دنقلا سنة 1896. بل، في الأمر مفارقةٌ تستحقّ التسجيل: أنَّ ضرباتِ إيطاليا في أغوردات وكسلا أنهكت الدولةَ المهدية وأسهمت في تمهيد الطريق لتحطيمها على يد كتشنر في أم درمان؛ فإيطاليا، الخاسرةُ في نهاية المطاف، أضعفت المهديةَ لحساب بريطانيا دون أن تقصد.
لكنَّ إيطاليا أفرطت في الطموح، فمدّت يدها إلى إثيوبيا فلقيت الكارثة. ففي الأول من مارس 1896 سحق الإمبراطور منليك الثاني جيشَ باراتييري في معركة عدوة، في أشهر انتصارٍ أفريقيٍّ على قوةٍ أوروبية، فانتهت الحربُ الإيطالية-الإثيوبية الأولى وأُرغمت روما على الاعتراف باستقلال إثيوبيا بمعاهدة أديس أبابا سنة 1896. وإذ هُزمت وأُذِلّت، لم تعد قادرةً على الاحتفاظ بغنيمتها السودانية، فسلّمت كسلا في ديسمبر 1897 إلى القوات الأنجلو-مصرية، وانسحبت قواتُها إلى إريتريا. فخلال ثلاث سنواتٍ لا غير تأرجحت مغامرةُ إيطاليا الإقليمية من نشوة كسلا إلى خسارتَي عدوة وكسلا معًا، فلم يبقَ بيدها إلا إريتريا، وجرحٌ قوميٌّ اسمه عدوة.
وبعد أربعين عامًا عاد الطمعُ نفسُه في ثوبٍ فاشيّ. فجعل بنيتو موسوليني (Benito Mussolini) من هزيمة عدوة جرحًا يطلب الثأر، ومن الإمبراطورية عقيدةً للدولة. فاتّخذ من حادثة ولول (Walwal) سنة 1934 ذريعة، وغزا إثيوبيا في الثالث من أكتوبر 1935 بنحو مئة ألف جنديٍّ، منهم عسكرٌ إريتريون، تسندهم الدباباتُ والطائرات، بل، استعمل غازَ الخردل على المقاتلين والمدنيين معًا [24]، فسقطت أديس أبابا في الخامس من مايو 1936، وفرّ الإمبراطور هيلا سيلاسي إلى المنفى، وأعلن موسوليني «الإمبراطورية الإيطالية» [26]. ثم ضمّ إثيوبيا إلى إريتريا والصومال الإيطالي في كيانٍ واحدٍ سمّاه «شرق أفريقيا الإيطالي» في يونيو 1936، ولم تُجدِ إداناتُ عصبة الأمم وعقوباتُها الرخوة شيئًا [24][26].
وحادثةُ ولول مواجهةٌ مسلّحة وقعت بين نوفمبر وديسمبر 1934 عند واحةٍ بهذا الاسم في إقليم أوغادين (Ogaden)، وهو أرضٌ داخل إثيوبيا كانت ترابط فيها يومئذٍ حاميةٌ إيطالية، فاشتبكت معها دوريةٌ إثيوبية [27]. فاتّخذ موسوليني الحادثةَ ذريعةً للتدخّل، ورفضت إيطاليا كلَّ عروض التحكيم، ثم غزت إثيوبيا بعد أقل من عام [26].
والصومال الإيطالي (Italian Somaliland) هو جنوبُ الصومال اليوم، وعاصمتُه مقديشو (Mogadishu). أنشأت إيطاليا فيه محمياتٍ سنة 1889 ثم صار مستعمرة، واحتلّته بريطانيا سنة 1941، ثم أُعيد في 1950 إلى الإدارة الإيطالية وصايةً من الأمم المتحدة حتى 1960، فاتّحد في الأول من يوليو 1960 مع الصومال البريطاني فقامت الجمهوريةُ الصومالية. وليس هناك صومالان فحسب: فالصومال الفرنسي هو جيبوتي اليوم، والصومال البريطاني في الشمال، والصومال الإيطالي في الجنوب، ثم إقليم أوغادين الذي ضمّته إثيوبيا ويراه موسوليني أرضًا صومالية.
وكم حكمت إيطاليا إثيوبيا؟ نحو خمس سنواتٍ لا غير: من سقوط أديس أبابا في الخامس من مايو 1936 إلى دخول القوات البريطانية إليها في أبريل 1941، وإلى هزيمة آخر معاقل الطليان في غندار في نوفمبر 1941 [28]. ولهذا يقول الإثيوبيون إنهم لم يُستعمَروا قط: فقد صانوا استقلالهم بنصر عدوة سنة 1896؛ ثم لم تكن إيطاليا في 1936–1941 سيدةَ البلاد حقًّا، إذ أمسكت المدنَ والطرقَ الرئيسية وبقيت الجبالُ وجلُّ الريف بيد المقاتلين الإثيوبيين (الأربغنوش Arbegnoch، أي «الوطنيين»)، وعاد هيلا سيلاسي إلى عاصمته في الخامس من مايو 1941 [27][28]. ولذلك تتردّد في المراجع كلمتا «احتلال» و«مستعمرة» معًا؛ والتعبيرُ الأدقُّ عند الإثيوبيين أنَّ ما جرى احتلالٌ عسكريٌّ عابر لا استعمارٌ مستقرّ.
ثم جاء دورُ السودان ثانيةً. فلمّا دخلت إيطاليا الحربَ العالمية الثانية في العاشر من يونيو 1940 إلى جانب ألمانيا في معسكر دول المحور، وأعلن موسوليني الحربَ على بريطانيا وفرنسا [28]، صار السودانُ، الذي تحكمه بريطانيا، هدفًا قريبًا؛ فاندفعت جيوشُها من إريتريا وإثيوبيا تغزو شرقَ السودان، فاستعادت كسلا نفسَها التي ربحتها سنة 1894 وخسرتها سنة 1897، فاستولت عليها في الأسبوع الأول من يوليو 1940 مع القلابات والكُرمك، بغرض جعلها بوابةً نحو الخرطوم وبورتسودان وقطعِ العون الذي كانت بريطانيا تمدّ به ثوّارَ إثيوبيا، بتنسيق «المهمة 101» (Mission 101) التي أدارها العقيد دانيال سانفورد (Daniel Sandford)؛ لكنَّ الاندفاعة توقّفت بعد أن كبّدها المدافعون خسائرَ ثقيلة [29]. ثم انقلب الميزان، فشنّت بريطانيا من السودان هجومَها المضادَّ مطلع 1941: أخلى الطليانُ كسلا، واجتاحت القواتُ البريطانية إريتريا فحسمت معركةَ كِرِن الطاحنة واستولت على مصوّع، وعاد هيلا سيلاسي إلى أديس أبابا في الخامس من مايو 1941، وانهار «شرق أفريقيا الإيطالي» بسقوط آخر معاقله في غندار في نوفمبر 1941 [28][30]. فكانت حصيلةُ موسوليني إمبراطوريةً لم تعش إلا خمس سنوات، وقضمةً ثانيةً عابرةً من شرق السودان لم تدم أشهرًا، مقابلَ خسارة مستعمراته الثلاث دفعةً واحدة. والعبرةُ في هذا التواصل: فكسلا التي ربحتها إيطاليا سنة 1894 وسلّمتها سنة 1897، استعادها موسوليني سنة 1940 وخسرها سنة 1941؛ وعدوة، جرحُ 1896، كانت ما خرج يثأر له، وكانت رمزَ طموحٍ انتهى إلى الخراب مرّتين. ومن المفارقات الخاتمة أنَّ السودان الذي استعمرته بريطانيا في أعقاب فشودة صار هو القاعدةَ التي انطلق منها تحطيمُ الإمبراطورية الإيطالية في شرق أفريقيا.
وكرن (Keren) بلدةٌ في إريتريا، وكانت يومئذٍ مستعمرةً إيطالية، دارت عندها معركةٌ طاحنة من مطلع فبراير إلى السادس والعشرين من مارس 1941، ذاد فيها عن البلدة نخبةُ القوات الإيطالية بقيادة الجنرال نيكولانجيلو كارنيميو (Nicolangelo Carnimeo). وقد جاءت القواتُ المهاجمة من السودان بقيادة الفريق وليام بلات (William Platt)، فدخلت إريتريا في التاسع عشر من يناير 1941 بعد أن أخلى الطليانُ كسلا، ثم تقدّمت نحو كرن فأوقفها الدفاعُ الإيطاليُّ عندها في الخامس من فبراير، حتى سقطت البلدة في السادس والعشرين من مارس. وكان عمادُ الهجوم الفرقَ الهنديةَ إلى جانب القوات البريطانية [30][28]؛ ولا تنشر المصادر التي رجعنا إليها نسبةً دقيقة بين الجنود السودانيين والبريطانيين في هذه المعركة.
خاتمة
يمكن القول باطمئنانٍ إنَّ فشودة كانت السببَ الأكبر لاستعمار السودان: هي التي تفسّر لماذا وقع الفتحُ في ذلك التوقيت بالذات، ولماذا لم يتوقف كتشنر عند دنقلا أو الخرطوم، بل، ركض حتى مستنقعٍ نائٍ في أقصى الجنوب. أما بقيةُ الأسباب، من هيبةٍ، وثأرٍ، ومناصرةِ الطليان، وطمعٍ اقتصاديّ، فكانت أخواتٍ صغرى لسببٍ كبيرٍ واحد: أنَّ بريطانيا لم تكن تحتمل يدًا أوروبيةً أخرى على حنفية النيل. وهكذا قرّرت خرابةٌ طينيةٌ لا يريدها أحدٌ مصيرَ بلدٍ بأكمله؛ ودخل السودانُ التاريخَ الحديث لا بوصفه لاعبًا، بل، بوصفه الجائزةَ التي رُبِحت والثمنَ الذي دُفع في آنٍ معًا.
المراجع
[1] The Editors of Encyclopaedia Britannica، «Fashoda Incident»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (الحصن المصري المهجور، وبلوغ مارشان فشودة في 10 يوليو 1898، ورغبة دلكاسيه في سند بريطانيا ضد ألمانيا، وإعلان 21 مارس 1899 الذي جعل خطَّ تقسيم المياه بين النيل والكونغو حدًّا).
https://www.britannica.com/event/Fashoda-Incident
[2] R. Lobban, Jr.، «Shilluk»، Worldmark Encyclopedia of Cultures and Daily Life، Gale، Detroit، عبر Encyclopedia.com (فشودة عاصمةُ الشِّلُّك المركزية ومقرُّ إقامة الرِّث على الضفة الغربية للنيل الأبيض).
https://www.encyclopedia.com/history/asia-and-africa/middle-eastern-history/shilluk
[3] Ahmed S. Al-Shahi، «Sudan — The British conquest»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (قلق بريطانيا من قوةٍ أوروبية في أعالي النيل، وعطبرة وأم درمان وفشودة).
https://www.britannica.com/place/Sudan/The-British-conquest
[4] John P. Dunn، «Battle of Omdurman»، EBSCO Research Starters، EBSCO Information Services، Ipswich، 2019 (قوام الجيشين وخسائرهما).
https://www.ebsco.com/research-starters/history/battle-omdurman
[5] Mike Klein، «When Pride Mattered»، Worlds Revealed: Geography & Maps at the Library of Congress، مكتبة الكونغرس، واشنطن، 15 أبريل 2020 (الأوامر المختومة وكشفها مهمّة كتشنر الحقيقية في فشودة، وبلوغه فشودة في 18 سبتمبر 1898 بنحو 1,500 جندي وخمس بوارج، وأمر انسحاب مارشان في 3 نوفمبر).
https://blogs.loc.gov/maps/2020/04/when-pride-mattered/
[6] «Canal History»، Suez Canal Authority، الإسماعيلية (بيع الخديوي إسماعيل 176,602 سهمًا لبريطانيا سنة 1875 بـ3,976,580 جنيهًا؛ 44% لبريطانيا و56% لفرنسا؛ والحصة تُدِرّ 31% من الأرباح).
https://www.suezcanal.gov.eg/English/About/SuezCanal/Pages/CanalHistory.aspx
[7] «England and France in Africa»، Hansard، مجلس العموم البريطاني، لندن، HC Deb 28 March 1895، المجلد 32، الأعمدة 405–406 (تصريح غراي بأنَّ دخول حملةٍ فرنسية وادي النيل «عملٌ غير ودّي»).
https://api.parliament.uk/historic-hansard/commons/1895/mar/28/england-and-france-in-africa
[8] Edward M. Spiers، «Reconquest of the Sudan, 1896–1898»، في: Stephen M. Miller (محرّر)، Queen Victoria’s Wars: British Military Campaigns, 1857–1902، Cambridge University Press، كامبريدج، 2021، ص 260–280، DOI: 10.1017/9781108785020.013 (تخفيف الضغط عن حامية كسلا الإيطالية، وحملة دنقلا، ودور السكة الحديدية).
https://www.cambridge.org/core/books/queen-victorias-wars/reconquest-of-the-sudan-18961898/9650CB3C986A4B32AA5424976C5C689C
[9] The Editors of Encyclopaedia Britannica، «Lado Enclave»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (ادّعاء بريطانيا أعالي النيل في فبراير 1894، وتأجيرها بحر الغزال وفشودة لليوبولد في مايو، وحدود الجيبة شرق خط الطول 30 وجنوب خط العرض 5°30′، وضمّها إلى السودان سنة 1910).
https://www.britannica.com/place/Lado-Enclave
[10] «Africa»، The Encyclopaedia Britannica، الطبعة الحادية عشرة، المجلد الأول، Cambridge University Press، كامبريدج، 1911، ص 378 (إيجار بحر الغزال لدولة الكونغو مدى حياة ملكها، والممرّ البريطاني بعرض 15.5 ميلًا بين بحيرتَي تنجانيقا وألبرت إدوارد، وسحب المادة في 22 يونيو 1894، وحقّ الأفضلية الفرنسي 1884).
https://en.wikisource.org/wiki/Page:EB1911_-_Volume_01.djvu/378
[11] «The Cape to Cairo Railway Dream»، The Heritage Portal، جنوب أفريقيا (بلوغ القضبان مافيكينغ في أكتوبر 1894، والمشروع لم يكتمل).
https://www.theheritageportal.co.za/article/cape-cairo-railway-dream
[12] «The Anglo-Congolese Agreement»، Hansard، مجلس العموم البريطاني، لندن، HC Deb 16 August 1894، المجلد 28، الأعمدة 1251–1253 (أسئلة ديلك وأشميد-بارتليت، وجواب غراي).
https://api.parliament.uk/historic-hansard/commons/1894/aug/16/the-anglo-congolese-agreement
[13] L. Lotar و M. Coosemans، «Chaltin (Louis-Napoléon)»، Biographie Coloniale Belge، المجلد الأول، Institut Royal Colonial Belge، بروكسل، 1948 (انطلاق قوات شالتان من دونغو في 14 ديسمبر 1896، وأمرُه بالزحف إلى النيل، وبلوغُه الرجّاف في 17 فبراير 1897).
https://www.kaowarsom.be/documents/bbom/Tome_I/Chaltin.Louis_Napoleon.pdf
[14] «Tanzania — German East Africa»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago («عقود» كارل بيترز مع الزعماء 1884، وإعلان الحماية الألمانية 1891، والعاصمة دار السلام، واقتسام المستعمرة بعد فيرساي: تنجانيقا لبريطانيا، ورواندا-أوروندي لبلجيكا، ومثلّث كيونغا للبرتغال).
https://www.britannica.com/place/Tanzania/German-East-Africa
[15] «Marchand, Jean-Baptiste»، Biographie Belge d’Outre-Mer، المجلد الثالث، الأكاديمية الملكية للعلوم ما وراء البحار، بروكسل (تكوين البعثة، وإبحارها من بوردو 20 يونيو 1896 ونزولها في لوانغو 23 يوليو، وطريقها عبر الأوبانغي ومبومو وخط تقسيم المياه، وإنشاء حصن ديزيه، ورجوعها عبر إثيوبيا إلى جيبوتي في 16 مايو 1899).
https://www.kaowarsom.be/documents/bbom/Tome_III/Marchand.Jean_Baptiste.pdf
[16] Jamie Cockfield، «Germany and the Fashoda Crisis, 1898–99»، Central European History، المجلد 16، العدد 3، Cambridge University Press، كامبريدج، سبتمبر 1983، ص 256–275 (تقرير سالزبري للملكة في 27 أكتوبر 1898، ورسالة القيصر إليها في 20 ديسمبر 1898، وخيارا ألمانيا في الأزمة).
https://www.cambridge.org/core/journals/central-european-history/article/abs/germany-and-the-fashoda-crisis-189899/2B4912D77D38CF2137D98BB1AD6A21F9
[17] Ann M. Lesch، «Mahdist State»، Encyclopedia of the Modern Middle East and North Africa، Macmillan Reference USA، نيويورك، عبر Encyclopedia.com (حكم المهدية لمديرية بحر الغزال 1885/86، وفتنة الأشراف في نوفمبر 1891، ومقتل الخليفة في أم دبيكرات في 24 نوفمبر 1899).
https://www.encyclopedia.com/humanities/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/mahdist-state
[18] «Queen Victoria»، Historic Royal Palaces، Kensington Palace، لندن (أبناؤها التسعة وأحفادها الاثنان والأربعون الذين تزوّجوا في بيوت أوروبا المالكة، ولقبُ «جدّة أوروبا»، وزواج ابنتها البكر من وليّ عهد بروسيا).
https://www.hrp.org.uk/kensington-palace/history-and-stories/queen-victoria/
[19] Isaac Don Levine (محرّر)، Letters from the Kaiser to the Czar، Frederick A. Stokes Company، نيويورك، 1920 (الرسائل الخمس والسبعون من فيلهلم الثاني إلى نيقولا الثاني بين 8 نوفمبر 1894 و26 مارس 1914).
https://net.lib.byu.edu/~rdh7/wwi/1914m/willnick/wilnicka.htm
[20] Edward P. Keleher و James J. Cooke، «Entente Cordiale»، EBSCO Research Starters، EBSCO Information Services، Ipswich، 2021 (توقيع 8 أبريل 1904، ومصر مقابل المغرب، ونيوفاوندلاند وغرب أفريقيا وسيام، وليس حلفًا عسكريًّا، وأزمة المغرب 1905، ومحادثات هيئتَي الأركان).
https://www.ebsco.com/research-starters/history/entente-cordiale
[21] Helen Chapin Metz (محرّرة)، Sudan: A Country Study، Federal Research Division، Library of Congress، واشنطن، 1992، فصل «The Anglo-Egyptian Condominium, 1899–1955» (نصّ المادة الثانية من اتفاقية 1899 في الحاكم العام، وخط العرض 22).
https://countrystudies.us/sudan/15.htm
[22] Robert O. Collins، «History of Sudan — The Sudan under the Anglo-Egyptian Condominium»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (هيمنة بريطانيا على الحكم الثنائي، وعزل الجنوب عن الشمال، ومشروع الجزيرة، وكلية غردون 1902).
https://www.britannica.com/topic/history-of-Sudan/The-Sudan-under-the-Anglo-Egyptian-Condominium
[23] John Markakis، «Eritrea — Contesting for the coastlands and beyond»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (شراء روباتّينو أرض عصب، وتسلّم الدولة لها 1882، ونزول القوات في مصوّع 1885 بلا مقاومة مصرية، وإعلان المستعمرة في 1 يناير 1890).
https://www.britannica.com/place/Eritrea/Contesting-for-the-coastlands-and-beyond
[24] «Empire, Italian»، في: Thomas Benjamin (محرّر)، Encyclopedia of Western Colonialism since 1450، Macmillan Reference USA، ديترويت، 2007، عبر Encyclopedia.com (سابيتو وعصب، وتخلّي بريطانيا عن ادّعاءاتها في مصوّع لإيطاليا، وقوة الغزو سنة 1935، وغاز الخردل، وإعلان شرق أفريقيا الإيطالي 1936).
https://www.encyclopedia.com/history/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/empire-italian
[25] Ernesto Pellegrini، «Arimondi, Giuseppe Edoardo»، Dizionario Biografico degli Italiani، المجلد 4، Istituto della Enciclopedia Italiana، روما، 1962 (نصر أغوردات في 21 ديسمبر 1893 على قوةٍ مهديةٍ أكبر بقيادة أحمد علي، والاستيلاء على كسلا في يوليو 1894 بقيادة باراتييري).
https://www.treccani.it/enciclopedia/giuseppe-edoardo-arimondi_(Dizionario-Biografico)/
[26] The Editors of Encyclopaedia Britannica، «Italo-Ethiopian War (1935–1936)»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (حادثة الحدود في ديسمبر 1934، ورفض إيطاليا التحكيم، والغزو في 3 أكتوبر 1935، وسقوط أديس أبابا في 5 مايو 1936، وعقوبات عصبة الأمم).
https://www.britannica.com/event/Italo-Ethiopian-War-1935-1936
[27] «History of Ethiopia — The rise and reign of Haile Selassie I (1916–74)»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (اشتباك واحة ولول في أوغادين، والغاز السامّ، ومقاومة الوطنيين، وعودة الإمبراطور إلى عاصمته في 5 مايو 1941).
https://www.britannica.com/topic/history-of-Ethiopia/The-rise-and-reign-of-Haile-Selassie-I-1916-74
[28] «How Italy Was Defeated in East Africa in 1941»، Imperial War Museums، لندن (إعلان الحرب في يونيو 1940، وتقدّم بلات من السودان في يناير 1941، وكرن، ودخول أديس أبابا في أبريل، وعودة هيلا سيلاسي في 5 مايو 1941، ومعركة غندار في نوفمبر 1941).
https://www.iwm.org.uk/history/second-world-war/north-africa-campaign/how-italy-was-defeated-in-east-africa-in-1941
[29] Bisheshwar Prasad (المحرّر العام)، East African Campaign, 1940–41، سلسلة Official History of the Indian Armed Forces in the Second World War، Combined Inter-Services Historical Section (India & Pakistan)، نيودلهي، 1963، الفصل الثالث (استيلاء الطليان على كسلا والقلابات والكرمك في الأسبوع الأول من يوليو 1940، وبعثة 101 بقيادة العقيد ساندفورد).
https://www.ibiblio.org/hyperwar/UN/India/EAfrica/EAfrica-3.html
[30] «World War II — East Africa»، Encyclopaedia Britannica، Encyclopaedia Britannica, Inc.، Chicago (دخول بلات والفرق الهندية إريتريا في 19 يناير 1941 بعد إخلاء كسلا، والتوقّف عند كرن في 5 فبراير، وسقوطها في 26 مارس، وقيادة كارنيميو).
https://www.britannica.com/event/World-War-II/East-Africa

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
عندما كفّت البنوك عن العياط … بقلم: عزيزة عبد الفتاح محمود
منشورات غير مصنفة
الترابي وابتلاءات الفرنسيس .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
الذكرى 139 لتحرير الخرطوم (2/ 2) أسباب وعوامل نجاح الثورة المهدية
منبر الرأي
موازنة وداع التنمية والصحة والتعليم .. بقلم: معتصم الأقرع
منبر الرأي
الألفاظ والتعابير الفرنسية في العامية السودانية

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أنا و الوتد و الحمار .. بقلم: د. عمر بادي

د. عمر بادي
منبر الرأي

لقيمات أمبيكي! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي
منبر الرأي

اليوم العالمي للتواليت (المرحاض أو دورة المياه) .. بقلم: بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربي/لندن – المملكة المتحدة

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
منبر الرأي

إنهُ الفشل بعينهِ يا دكتور حسن مكي ؟ .. بقلم: بابكر فيصل بابكر

بابكر فيصل بابكر
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss