فلندعو الأشياء بمسمياتها .. بقلم: طارق زين العابدين صالح
4 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
62 زيارة
الذي حدث في 30 يونيو 1989م بالسودان لم يكن إنقلاباً عسكرياً ـ كما يُشاع ـ ولم يقم بتنفيذه جنود الجيش السوداني، وإنما كان استلاباً لقيادة الجيش ومن ثم البلاد بكامل مقدراتها، من قبل مليشيا حزب الجبهة الإسلامية التي عاونها على ذلك حفنة من عملائها المندسين وسط ظباط الجيش ولا يعرفون بعضهم بعضا طبقاً لما جاء في شهادة عراب الحزب الدكتور حسن عبد الله الترابي ببرنامج شاهد على العصر الذي أعدته قناة الجزيرة القطرية وقامت بإذاعته عقب وفاته. لقد كان العقيد، آنذاك، عمر حسن أحمد البشير على رأس هؤلاء الظباط المندسين بالجيش يساند المليشيا الحزبية في الاستيلاء على قيادة الجيش لتقويض السلطة الشرعية المنتخبة من قبل الشعب، في حدثٍ أقل ما يوصف به، أنه خيانة عظمى لقادته ورفقائه الظباط وجنود الجيش السوداني وجماهير الأمة بأسرها. ولسخرية الأقدار، فإن العقيد الذي صار مشيراً الآن بما ارتضاه لنفسه من عمالة وارتزاق وممارسة الخيانة العظمى فيما مضى ضد مؤسسته العسكرية وقوض بإسمها الحكم الدستوري الشرعي بالتأمر مع مليشيا حزب أقلية ولصالح عضويته، هو نفسه الذي جاء يتباكى اليوم على صيانة الدستور ويصف جماهير الشعب السوداني التي خرجت هادرة في 19 ديسمبر 2018م لاسترداد الحق المسلوب، بالخيانة والعمالة والإرتزاق وتخريب الممتلكات العامة والخاصة وتعريض أمن البلاد للخطر؛
لقد آن الآوان لتسمية الأشياء بمسمياتها، فالخيانة والعمالة والتخريب والتقويض الحقيقي للسلطة الشرعية هو ما تم في 30 يونيو 1989م على يد المليشيا الحزبية ومعاونها المشير، ولا ينبغي للشعب السوداني وما تبقى له من قوات مسلحة أن ينسوا هذا أو يستغربوا سلوك المشير القابض على السلطة بالحديد والنار ويرفض رد الحق لأهله. فمن غدر وخان وشرد شعبه وقسم وطنه لا يتورع أن يستمر في الغدر والخيانة ويؤثر نفسه على مصلحة بلاده. إن دعاوى التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الإقتراع التي تعالت بها حناجر المشير وعصبته هذه الأيام بعد اندلاع الاحتجاجات السلمية، بحجة أن صناديق الإقتراع هي الوسيلة الدستورية الوحيدة والمشروعة لتبادل السلطة، لن تخيل على أبناء الشعب السوداني ولا على شبابه وقواه الحية العاصرة على جمر القضية. فمن استلب السلطة وقوض الدستور الذي ارتضاه الناس وتعاهدوا عليه، لا ولن يؤمن بأي دستور ولو كان هو كاتبه بيده. وحتى لا يقول البعض أننا نبني أحكامنا وآراءنا على سيرةٍ قد مضت وانتهت، وربما غير القوم بأنفسهم وأنهم يؤمنون اليوم بما يدعون إليه، سنرد بأن بنود الدستور لا تتجزأ ومن لا يحترم بنداً في الدستور فهو بالضرورة لا يحترم كل البنود. إن دستور البلاد الذي تبنته سلطة المشير سنة 2005م بعد اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية تكفل بنوده حق التجمع السلمي وحرية التنظيم والتعبير عن الرأي، ومع ذلك قتلت سلطة المشير قرابة الأربعين نفساً بالرصاص الحي، لا لشئ غير خروجهم في تظاهرات سلمية احتجاجاً على ظروف المعيشة القاسية وشح السيولة بالبنوك التي انتظمت البلاد منذ نهاية ديسمبر 2018م واعترفت السلطة بمسبباتها، وهو ما يثبت عدم احترام المشير وسلطته للدستور الذي وضعوه بأنفسهم وكتبوا بنوده. فإن كان سلوك السلطة وتصديها بالقوة لاحتجاجات سلمية يشهد على عدم احترام القائمين على أمر السلطة لبنود الدستور التي تكفل حق التجمع السلمي وحرية التنظيم والتعبير عن الرأي، فما هو السبب الذي يدعو أبناء الشعب السوداني للثقة في احترام المشير وسلطته لبنود الدستور التي تنظم التدول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع؛
إن القيم لا تتجزأ، فمن كانت شيمته الخانة والغدر والعمالة والارتزاق لا يعيبه الكذب ونقض العهود، وربما أبناء الشعب السوداني يتذكرون تعهد المشير بعدم الترشح في انتخابات 2015م، ولكنه تراجع عن موقفه ونقض العهد وترشح في تلك الإنتخابات التي فاز فيها رغم مقاطعة القوى السياسية المعارضة لها. وبالقطع يتذكر الناس تعهد المشير على رؤوس الأشهاد في القنوات الفضائية داخل وخارج السودان بعدم الترشح في انتخابات 2020م التي لا يسمح له الدستور أصلاً بخوضها، ولكن ما بدر من سلوكيات وأفعال يشير إلى توجه المشير لممارسة عادته في نقض العهود. فقد أجاز مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني تعديلا على المادة 36 من النظام الأساسي للحزب الخاصة بشاغلي المهام التنظيمية والتي تنص على أن التكليف بانتخابهم أو اختيارهم يمكن أن يستمر فترتين فقط، وبناءً على هذا التعديل أودعت الأحزاب المشاركة لسلطة المشير مذكرة لدى رئيس المجلس الوطني قبل اسبوعين فقط من انفجار الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في ديسمبر 2018م تطالب بتعديل دستور البلاد ليتمكن المشير من الترشح في انتخابات 2020م والاستمرار في الحكم مدى الحياة. إن الذين لا يزالون يتعاطفون مع المشير ندعوهم لمقارنة مواقفه مع موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي قال في خطاب انتهاء دورته الرئاسية الأخيرة بأنه يعتقد نفسه رئيساً جيداً وجديراً للحكم ولكن دستور البلاد لا يسمح له بالترشح للرئاسة مرة أخرى، وأنه يحترم ذلك لأن القانون هو القانون، ومجرد التفكير في تعديل القانون ليتمكن الرئيس من ترشيح نفسه مرة ثالثة هو في حد ذاته عدم احترام لسيادة القانون والدستور.
tzain@kadasa.com.sa
/////////////////