في الإضمار الإحتيالي أو تسويق الضلال السياسي ! .. بقلم: إبراهيم عثمان

هشاشة المنطق ( الثوري ) لدى الحركة الشعبية -قطاع الشمال أظهر من أن يُدلّل عليها ، فالحركة لا تلزم نفسها بأي معايير أو قيود تتحرك تحت سقفها ، ولهذا فهي تطلق العنان لألسنة قادتها ليحطموا كل المعايير وليخوضوا المعارك خلف خطوط المنطق ، ووراء حصون المبادئ فتصيبها صواريخ الحركة وهي في طريقها إلى العدو الأول ، فالمبدأ والمنطق هما بعض من أعداء الحركة طالما كانا من ضمن القيود التي قد تعطّل فكرةً أو تلجم رصاصةً لا ترتضيان بالتحرك تحت السقوف ، فأفكار قادة الحركة وأفعالهم هي علة ذاتها ، وهي معيار المعايير ، بها يُقاس ولا تخضع لأي قياس . فمجال القول والفعل العسكري والسياسي مفتوح أمام الحركة ولا توجد نقطة قصوى تحده . ولا توجد قواعد إن تخطاها وقع في دائرة اللحن السياسي . ولأن الحركة لا تتحرك في عالمها هذا دون مراقبة ، ولأنها بالتأكيد ترغب في الكسب الجماهيري ، فإنها كثيراً ما تضطر إلى إعادة تفسير أفعالها بما يوهم بأنها وقعت تحت سقف المعيار الجمعي للصواب السياسي ، ولها في ذلك عدة حيل لا تبدو مقررة مسبقاً لكنها وليدة لحظتها ، لأن الحركة على قناعة بأن العمل السياسي المعارض العادي – حتى لو كان عملاً من أجل إسقاط النظام – تحده ليس فقط ضوابط الممكن والمتاح تحت سقف القانون ، لكن أيضاً ضوابط المزاج الشعبي الذي لا يستسيغ الفاولات واللعب خلف خطوط الثوابت الوطنية ، لذلك تركز الحركة على عمليات الإيذاء المنفلتة من أي عقال ، على أن تُترٓك مهمة شرعنتها وعقلنتها وإدخالها تحت السقوف إلى مرحلة لاحقة ، وذلك عبر أدبيات إحتيالية فجة ، من بينها ترك مهمة تسويغ الباطل إلى ما بين سطور أدبياتها من المضمر و أنصاف المعاني ، والجمل التي تقف عند حواف المحظور فتوحي ولا تقطع .

إذا كان الإضمار هو حيلة من يريد أن يترك لظلال المعنى وامتداداته أن تحمل بعض ما لا يجرؤ على وضعه فوق السطور ، فإن المضمر في أدبيات الحركة أكثر سفوراً من المعتاد لدى من يكثرون من اللجوء إلى هذه الحيلة ، لأن تقنيات الإضمار لدى الحركة غاية في السذاجة ، فهي فضيحة إضافية فوق فضيحة الصريح ، لأن صريح الحركة نفسه كثيراً ما يكون مما يُخجِل ، وربما استحى بعض الفاعلين في الساحة السياسية منه وعافوه ولم يقتربوا منه وتحاشوه حتى في مضمراتهم وما بين سطور كلماتهم ، فالمسافة بين قبح أفعال الحركة وبين المبادئ التي يُراد الإحتيال للإيهام بوقوعها تحت سقفها أكبر من أن تتكفل بها كلمات مهما كان صاحبها متمكناً من صنعة الكلام ، ولهذا السبب سيكون المتصدي لهذه المهمة متنازعاً بين الإنكار والتبرير ، والإنكار قد يضعه تحت تهمة الكذب إن كان الفعل أوضح وأشهر من أن يُستر ، فضلاً عن أن ذلك يعتبر نوع من الخضوع لسلطة المعايير والمبادئ السائدة مما يشكل قيداً مستقبلياً أمام أي أعمال مشابهة . والتبرير مهما تذاكى صاحبه ، فهو سيؤثر سلباً على محاولات منافقة الرأي العام والإيحاء بأن ما تم كان تحت سقف ثوابته.
إن حاول أحدنا أن يمسك بالمعيار الذي تعتمده الحركة المتمردة للصواب السياسي فسيعييه البحث عن ملامح هذا المعيار ، إذ تذهب الحركة إلى الحد الأقصى في مخالفة كل المعايير في كل المجالات ، بل يمكن الجزم دون مخافة المبالغة بأن المعيار الوحيد للحركة الذي يحدد سقف مواقفها وأفعالها السياسية والحربية هو تحقيق أكبر قدر من الأذى للخصوم دون قيد أو شرط من أي معيار أخلاقي وضعي أو ديني ، ودون مراعاة لأي آثار جانبية تؤذي الوطن بكامله . الأمر الذي يجعل الأفق أمامها مفتوحاً لكل أنواع القول والفعل ، فالمعيار هو معيار الأذى والإيلام والتدمير ، وذلك بالضرورة يعفيها من كثير من الأثقال الأخلاقية والتنظيمية الأدائية .
احتلت جوبا هجليج فكتب ياسر عرمان بيانا يصلح معياراً ومثالاً نموذجياً للإحتيال والتلاعب بالوعي و تسويق الضلال السياسي الخام ، فالجريمة كانت أكبر وأظهر من أن تسترها كلمات بيان ، لذلك كان البيان مليئاً بالتناقضات منذ العنوان وحتى آخر جملة فيه . فالعنوان ( لا للحرب بين السودانيين ، هجليج حرب للمؤتمر الوطني حول البترول ) يناقض أوله آخره ، فشعار لا للحرب في أول العنوان تم إلغاؤه تماماً في بقية العنوان الذي جاء يحمل مغالطتين : احداهما حول الذي قام بالحرب وبالتالي ينبغي أن يزعجه شعار لا للحرب بحسبانه اعتراضاً على فعله ، و الأخرى حول أهدافه من الحرب . فأن يتحرك جيش جوبا ويدخل أراضي السودان وبمساعدة الحركات المتمردة يحتل منطقة بترولية ، هذا الفعل عندما يتم قياسه إلى معايير الفرع الشمالي للحركة ، لا يجتازها بنجاح كصواب سياسي فحسب ، بل ويزيد على ذلك بكثير فيتحمّل الآخر مسؤولية فعل الغازي ، وأيضاً مسؤولية أهدافه من الغزو ! .. إذن هو معيار مدهش إذا تمت محاكمة أي فعل إليه سيأتي بالأعاجيب ، يكفي أنه عندما تم قياس فعل جوبا إليه ، خرجت معتدى عليها في هجليج ، وعندما اختارت أن تحتل منطقة بترولية تحديداً، لم يكن في ذلك أدنى شبهة حول أنها تخوض حرباً حول البترول ! . بل كانت الدولة مالكة البترول هي صاحبة الأجندة البترولية المشبوهة في حرب هجليج !
و إدهاش المعيار العرماني لا يتوقف عند هذا الحد ، إذ ذهب مباشرةً بعد رفض الحرب إلى إحصاء خسائر الحكومة السودانية من حرب التي شنها الجنوب والحركات التي تأتمر بأمره على هجليج ،في القوات والعتاد والبترول ،متباهياً بضخامتها ، ومعدداً للآثار الإيجابية التي تعود عليهم بسبب ذلك ، والآثار السلبية على النظام ، ومبشراً الشعب السوداني بأن ( هجليج لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة ) .. وبأن الجبهة الثورية ( ستقضي على ماتبقى له – للنظام – من بترول حتى يتمكن الشعب السوداني من أسقاط النظام ويتم اصلاح العلاقات مع كل دول الجوار… ) كل ذلك تحت عنوان : لا للحرب بين السودانيين !!
ملاحظة أخرى متعلقة بمماهاة عرمان بين أفعال جوبا وأفعالهم ، فهو يتوعد بأن هجليج – التي اعتبر احتلالها ذروة من ذرى الفعل الثوري الجسور – لن تكون الأخيرة وأن الجبهة الثورية ستقضي على ما تبقى من بترول ، وكأن أعمالهم الحربية التي يخططون لها هي امتداد طبيعي واستمرار نوعي للفعل الذي قامت به حكومة الجنوب ، يُراكٓم عليه ويُبنٓى فوقه ، الأمر الذي يجعل العنوان ( لا للحرب بين السودانيين ) مجرد احتيال ، فالبيان بجملته عبارة عن دفاع عن الحرب وتبشير بالمزيد منها . ولا للحرب كشعار يُفترٓض أن يتحسس منه مبتدر الحرب في هجليج ، تم كبحه لكي لا يرسل أي إيحاء سلبي يثير غضب أو تحسس نظام جوبا ، لذلك تم قطع الطريق منذ العنوان على أي إمتدادات سلبية للشعار قد تصيب جوبا ببعض رشاشها .
يقول عرمان تعليقاً على ما تباهى به وادعاه من خسائر ضخمة للنظام في هجليج ( النظام لايهتم بالضحايا ولا بالارض بل يهتم بالبترول ) ! ، بالله عليكم ما هو المعيار الذي يجعل الذي تجاهل احتلال هجليج كفعل قامت
به جوبا و جنّب جوبا أي لوم ، بل وأخرج عامداً قاصداً وبإلحاح شديد ذلك الفعل من دائرة الفعل الحربي الذي يقول له لا ، ما هو المعيار الذي يستند إليه ويجعله يظن أن كلماته الركيكة هذه يمكن أن تجعل الذي يشيد بفعل من حرّك القوات واحتل الأرض وقتل “الضحايا” محاضراً للآخرين في حرمة الأرض والأرواح ؟! إذ ما هو المطلوب من النظام لكي يثبت حرصه على الأرض والأرواح ؟ هل هو عدم إعتراض المحتل في أول مبادرته بالإحتلال ، وعدم طرده بعد احتلالها وتخريبها ؟! من هو الذي لا يهتم بحرمة الأرواح : أهو ذلك الذي ساق جنوده إلى حرب غير عادلة بشهادة العالم كله ولا يسندها أي مسوِّغ من أي نوع فقتلوا وقُتِلوا؟ أم هو الذي وقع عليه فعل الإحتلال فكانت مقاومته واجباً ملزماً ؟! ومن هو الذي لا يهتم بالأرض : أهو الذي يشجع ويبارك إحتلالها ، أم هو الذي يقف مدافعاً عنها ؟! ومن هو المهتم تحديداً بأمر البترول : أهو الذي يهدد بأن ما تبقى من مناطق البترول ستكون هدفاً لعمل مماثل مما يجعل مناطق البترول هي ساحة الحروب أم هو الذي يتصدى للإحتلال ؟! حيلة اتهام الحكومة بأن دافعها لإسترداد الأرض هو فقط البترول عدا عن تهافتها و سذاجتها التي لا تصمد أمام المنطق السياسي الرصين ، فمن حق النظام أن يسترد الأرض التي تم احتلالها ، ذلك مبدأ ثابت ومعترف به ، والخوض في دوافع من مارس حقه الطبيعي سيكون مجرد جدل عقيم لا طائل منه . عدا عن تهافتها فهي لا تكفي لتغطية عرمان وتبريره للإحتلال ، كان لمنطق عرمان أن يكون -نسبيا- أكثر إقناعا على الأقل لبعض الجمهور لو أنه جادل بأن هجليج فعلا أرض جنوبية كما أدعت حكومة جوبا ، لأنه على صحة هذا الزعم سينهض منطقه عن (حرب المؤتمر الوطني في هجليج) لكن عرمان -كعادته في المحكات- لم يغامر بالمصادقة على هذا الزعم فوق السطور بصورة صريحة ، وتركه مضمرا ينتظم البيان من أوله لآخره ، يبني عليه ويجادل على مقتضاه . تعالوا نسلم -جدلا- للحركة وأمينها العام ً بأن النظام لم يتحرك لإسترداد الأرض إلا من أجل البترول – لنصل بحجة عرمان وحركته إلى نهايتها المنطقية – مما يعني أنه يقول بأن النظام لولا البترول لما اهتم بالأرض ولما قاتل جوبا ليطردها منها ، ومما يعني أن النظام – حسب حجة عرمان – ليس عدوانياً ولا غاوياً للحروب ولا صانعاً للمشاكل بدليل أنه كان سيصمت على احتلال أرضه لولا البترول ! فكيف يُتّهٓم من كان سيصمت على احتلال أرضه بإفتعال المشاكل والحروب ؟! أرأيتم كيف أن الحيلة التي لجأ إليها عرمان قد ارتدت إليه وقوضت كل المنطق الذي أسس بيانه عليه ! ، هذا فيما يخص النظام من هذه الحيلة الغبية ، أما ما يخص الحركة ، فإن استرداد النظام للأرض لو كان فقط من أجل البترول كما يقول عرمان ، فإنه بلا شك سيكون إذا حاكمناه إلى المبادئ والأخلاق أفضل بكثير من موقف الحركة الشعبية-فرع الشمال التي أيدت احتلال الأرض وإزهاق الأرواح والإستيلاء على البترول .
تجاهل عرمان في بيانه تماماً الإقتراب من مناقشة إدعاء جوبا ملكيتها للأرض ببترولها ، وهذا حال الحركة في كل القضايا الخلافية مع جوبا ، وبالذات قضايا الحدود ، فالحركة لا تريد ولا تستطيع أن تناقش هذه الدعاوى مجرد مناقشة ناهيك من أن يكون لها موقف كحركة شمالية فيما يخص الأرض وقضايا الحدود .
وهكذا نجد أن كل مضمرات خطاب الحركة وامتداداته و دلالاته الحافة والمحيطة مكشوفة واحتيالية تحاول تسويق الحرام والضلال السياسي الصريح ، وهي إذا تم الأخذ بها و استنطاقها لتكشف عن كل محمولاتها وطاقتها الدلالية ، فإنها ستعري الحركة تماما ، والأعجب أنها بالتداعي ستشكل مرافعة عن خصمها . لأن الإنشغال بتكتيكات الإغاظة الساذجة بعيدا عن الحجج الرصينة ، حتما سيوقع صاحبها في مثل هذه المطبات ، وما ذلك إلا لأن الإحتيال الركيك قد تم تكليفه بما لا طاقة له به من المهام : التغطية والهروب من التعبير الصريح عن الموقف من فعل يفترض أنه مدان بالبديهة ، و محاولة مشاغبة الطرف الآخر و إدانته بما وقع عليه من عدوان ، فتضيع الحيلة بين المهمتين وتقصر طاقتها عن القيام بهما، ولا تفعل شيئا سوى وضع صاحبها أمام الجميع وهو متلبس بتبرير احتلال الأرض ، و تبرئة خصومه من تهمة إشعال الحروب من حيث أراد العكس ، وهذه نتيجة طبيعية مؤكدة الحدوث كلما حاول أحدهم تغطية كبائر الضلال السياسي بصغار الحيل والتلاعبات ، وكما لاحظ المفكر مالك بن نبي بأن ( الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتفم لنفسها ) يمكن القول بأن المبادئ والمعايير تنتقم لنفسها عندما تحدث محاولات للتلاعب بها بحيل خفيفة الوزن يراد منها أن تهدم المبدأ وفي نفس الوقت أن توحي بأنها ما كانت إلا في خدمته وتحت سقفه .
حاشية : عنوان المقال يحتمل أمثلة كثيرة قديمة ومعاصرة لكني اقتصرت على بيان هجليج لأنه الأكثر كشفا لحيل الحركة و حتى لا يطول المقال أكثر . وحتى هذا لم أوفيه حقه كاملاً. .

salaby2013@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً