في تقديري نعم. دعنا نبدا باحد تعريفات الديمقراطية وهو انها حوار متصل يشارك فيه المجتمع والمواطن من اجل التوافق علي استخدام افضل الوسائل لتحقيق القيم الديمقراطية.
القيم الديمقراطية المراد تحقيقها وتجويد تحقيقها باستمرار تشمل :
(١) الحقوق والواجبات الدستورية للمواطن والمواطنة.
(٢) المصلحة العامة تعلو علي المصالح الخاصة.
(٣) سيادة حكم القانون.
(٤) العدالة.
(٥) المساواة.
(٦)احترام التنوع.
(٧) اعلاء شأن الحقيقة
(٨) الوطنية
(٩) الفيدرالية
(١٠) فصل وتقسيم السلطات.
(١١) التنمية المستمرة
الديمقراطية مبنية في تصميمها علي خلاصة التجربة الانسانية عبر الاف السنين التي بينت بما لايدع مجالا للشك ان هذا الانسان ظلوم وجهول وان السلطة المطلقة مفسدة مطلقة لذلك لايجوز منح السلطات كلها( والثقة) و ( ومنح الامانة) في ادارة الدولة لشخص واحد. الشعب هوفقط المؤتمن علي السلطة والحكم. يمارس الشعب سلطته والحكم عبر مناديبه المنتخبين ( النواب) واحيانا مباشرة عبر صندوق الاقتراع.
فمثلا انتخاب الرئيس يكون مباشرة عبر صندوق الاقتراع.
والعكس صحيح فمن الخطر العظيم ان يمتلك شخص واحد مثل البشير او البرهان كل السلطات في تحريك الامن والشرطة والجيش وهكذا لان في ذلك مفسدة عظيمة.
لذلك في تقديري السؤال الصحيح هل نحن نملك الادراك والعلم والارادة والصبر والثبات اللازم للتغلب علي التحديات التي تعيق الديمقراطية وادارة الدولة بصورة افضل ؟؟
لاحظ ياصديقي ان الديمقراطية خيار ولكنه الافضل. نحن فيالسودان جربنا مرارا وتكرارا ( الحزب الواحد والحاكم العسكري) وفي كل مرة تنتقص السيادة وتسفك الدماء ويكثر المتسلقون وتتدهور المؤسسات ويصيب الخراب الاقتصاد وينتشر الفساد.
الحكم العسكري والحزب الواحد احيانا يوفر امنا وسلاما وتنمية ( مؤقتة) خاصة اذا وجدت موارد بالدولة كالبترول وغيره مثل عراق صدام. ولكن لحظة موت صدام انهارت الدولة وانهار الامن والنظام وغيره ( اسميها فقاعة الحزب الواحد والحاكم العسكري) . التنمية المستدامة الان علميا اي بناء علي بحوث وتجارب مرتبطة ارتباط وثيق بالحوكمة الرشيدة والنظام الديمقراطي.
التحديات التي تواجه ترسيخ الديمقراطية كثيرة ومنها علي سبيلالمثال
(١) ان النظام الدكتاتوري القديم به شبكة مصالح او سميهم ( سماسرة او متسلقون) لديهم مصلحة ( مالية ) من استمرار النظام القديم . هؤلاء سيكونون عقبة في وجود نظام ديمقراطي. وهم طبعا ضد ازالة التمكين.
لنتفق ان ازالة وتفكيك التمكين مصلحة عامة. انها العدالة . وهي الفعل الصحيح لتصحيح جزء صغير من العوج والتشوهات التي لحقتبالدولة السودانية من جراء تمكين دام لثلاثون عاما ادي لخراب ومفاسد عظيمة ستستمر معنا لاجيال. ان مفاسد ومظالم ثلاثون عاما لن تمحيفي عام او عامين.
لا تنسي ياصديقي ان سياسة التمكين رفعت ناس كتار لمناصب وامتيازات ووفرت لهم اموال واراضي لم يكونوا ليحصلوا عليها في ظل نظام فيه تنافس شريف. هؤلاء لن يقبلوا بالتغيير ووجود نظام ( فيه تنافس شريف).
نعم ازالة التمكين ارتكبت اخطاءا وهذا طبيعي لانها منتج بشري والمطلوب منا العمل والضغط من اجل تصحيح الاخطاء والتجويد المستمر والسماح بالاستئناف لمن تضرروا منها.
(٢) كذلك من التحديات امام الانتقال العقلية البائدة التي تري ان (اراقة الدماء) في الدولة مهم لاعادة مجد الدين تذكر معي الهتاف البائد ( فلترق منهم دماء او ترق منا الدماء او ترق كل الدماء). هذا بالطبع جهل بالدين وانفصام عن الواقع المعاش. فمجد الدين يعود بانيمارس كل فرد منا القيم الدينية في حياته وعمله يوميا من شعائر تعبدية وخلق قويم وصدق وامانة وبر ووفاء بالعقود وعدم انتهاك الحرمات والابتعاد عن الظلم. ترك لنا الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ارثا عظيما منه ان الجنة هي دار (السلام ) وان افشاء (السلام )واطعام الطعام والصلاة باليل هي ما يدخل الجنة بسلام . وان المسلم اخ المسلم وهكذا . هذا يناقض تلك العقلية المنفصمة عن الواقع والتي اتخذت منكل السودانيين ماعدا ( اعضاء التنظيم) امييين يجوز في حقهم التعذيب والفصل والتجسس والظلم والكبت وانتهاك الحرمات وحتي اراقة الدماء. استغرب من بعض الاسلاميين تجدهم يتحدثون عن التقوي وهم كانوايحملون السيخ والسياط لتاديبنا رجالا ونساء وشبابا وكهولا ولم يعتذروا لنا ابدا . هذه العقلية البائدة انتجت ( فض الاعتصام) بدم بارد في ليلة من اقدس الليالي في ديننا الحنيف وانتجت ( حميدتي) الذي سمعته حديثا يقول ( نحن ماعندنا الا اتنين النصر او الشهادة) في رسالةوجهها لخصومه السياسيين وللشباب.
لا ادري هل الشهادة صارت تمنح لطالبي السلطة بالعنف والسلاح ومنتهكي الحرمات وسارقي الاموال . ونفس العقلية البائدة تمارسضغوطا علي المجلس العسكري الان تحثه علي الانقلاب ولا بأس منسفك المزيد من الدماء لاستتباب الامن والسلطة والمال في يد اشخاص.
(٣) التحدي الثالث والمهم حقيقة ان الجيش السوداني ولد من رحم المستعمر الثنائي ( بمال الحكومة المصرية ) وهذا لا ينفي الوطنية عنه هنالك امثلة كثيرة لاتحصي علي وطنية الجيش السوداني . ولكن هذا الميلاد من رحم المستعمر جعل ثقافة الولاء للشرعية الدستورية والدستور ضعيفة جدا او غائبة.
لا ادري ان كان في منهج كلية القيادة والاركان مقرر ( module) عنالواجبات الدستورية. كل مؤسسات الخدمة العامة التي انشئت بمالالشعب وادرج في دستور الشعب قانونها وشكلها وتنظيمها وادارتها والانفاق عليها وهكذا يجب علي قادتها ان يتدربوا علي الواجبات الدستورية والتزام القانون الاعلي ( الدستور) .فقط وهكذا فقط تبني دولة القانون داخل تلك المؤسسات.
لقد ذهب البشير بعيدا في تشويه الجيش كمؤسسة اذ ربط قياداته بمصالح ( مالية) مما يجعل التغيير نحو الديمقراطية صعبا عليهم. لان الديمقراطية تجعل المصلحة العامة تعلو علي المصالح الشخصية . وتجعل الشعب رقيبا وحسيبا وقيما علي المال العام واوجه صرفه. وتجعل وزارة المالية والية علي كل المال توجهه حيث المصلحة العامة.
(٤) التحدي الرابع وهو يواجه المجتمع السوداني وكل فرد منا وهو ضرورة استبدال عقلية التناحر الي التعاون وعقلية التخوين الي عقليةتفهم اختلاف وجهات النظر. وعقلية ذم الاختلاف الي تفهم ان الاختلافسعة ونعمة وعقلية الاحتفاء بشرعية الغاب الي الاحتفاء بالشرعيةالدستورية.
فمثلا بعض الناس يتهم جبريل ابراهيم بالخيانة لانه شارك في مؤتمرالحرية والتغيير الضرار . ليس هذا صحيحا. نعم هو مخطئ في قرارهلاسباب كثيرة منها ان حق التجمع والتحالف حق دستوري ولكن ليسمن الاخلاق ان تسرق الاسم وتنتحل المنظومة الام. لهولاء المجتمعين انيتحالفوا وينتظموا ويشكلوا رافدا للحركة الوطنية من اجل استدامةالديمقراطية.
ومثال اخر طرفي الوثيقة الدستورية كلاهما مقصر في واجباته فمثلا الامام الراحل الصادق المهدي في العقد الاجتماعي وضع مجموعة منالمطلوبات لاتزال تراوح مكانها كالاتي :
(1) الإسراع في تكوين المفوضيات القومية
(2) الإسراع بتكوين المجلس التشريعي بصورة متوازنة تعكس حجمالقوى السياسية وتعبر عن تمثيل حقيقي للشعب باتخاذ معاييرموضوعية
(3) وضع إستراتيجية لعملية السلام تضمن شموليتها والتزامها بأجندةالسلام بعيداً عن أية طموحات وبرامج حزبية او شخصية.
(4) جدولة انتخابات التحول الديمقراطي بدءاً بالاتفاق على قانونالانتخابات المحلية وإجرائها فوراً، ثم انتخابات المجالس التشريعيةالولائية وانتخاب الولاة، انتهاء بقانون الانتخابات العامة لتجري في نهايةالفترة الانتقالية.
(5) عقد المؤتمر الاقتصادي .
(6) التوافق على كتابة دستور انتقالي للفترة الانتقالية.
وكذلك المكون العسكري مقصر في واجباته واهمها الامن والسلامة والعدالة وهيكلة القوات النظامية ودمج الجيوش وتنفيذ اتفاقية السلامواستحقاقاتها كما انه يعيق عمل السلطة القضائية والتنفيذية ويضعالعراقيل امام المكون المدني واخر هذه التصرفات الغير مسئولة ممارسةسياسة البشير بتبديد اموال الشعب في شراء الحشود وممارسةالسياسة ( القذرة).
(٥) التحدي الخامس توجيه المؤسسة الدينية للعب دورا ايجابيا يسهمفي بناء وتقدم المجتمع وانسانه . كلنا يعلم الدور السلبي الذي لعبتهوتلعبه المؤسسة الدينية والوعاظ وتدخلهم في العمل العام واستخدامهمبواسطة النظم الدكتاتورية لتاصيل الاستبداد والدكتاتورية . هؤلاءالوعاظ مبلغ علمهم في الحكم والسياسة ممارسات عفي عليها الدهرمارسها معاوية والحجاج وغيرهم وماورد في الاحكام السلطانية وهمفي الغالب يفتقرون الي المعرفة بالدولة الحديثة ونظم الادارة العامةواليات عملها ومؤسساتها . يقول مهاتير في ذلك (قيادة المجتمعات لايجب أن تخضع للوعاظ بل لعلماء النهضة الاقتصادية والتكنولوجية). نعمحديث مهاتير فيه حدة ما ولكنه في الغالب الاعم صحيح في حق كثيرمن الوعاظ.
عموما التحديات عظيمة والدول التي اقامت انظمة ديمقراطية راسخةوصلتها بعد مشوار طويل من الحروب وتجريب النظم البائدةوالانتكاسات حتي وصلت الي شواطئ الديمقراطية الراسخة.
ويقيني ان الديمقراطية حسناتها تتفوق كثيرا علي سيئاتها وهي افضلالنظم لادارة الدولة وحفظ الحقوق والحريات.
شريف محمد شريف علي
١٠/١/٢٠٢١
sshereef2014@gmail.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم