في الاحتفاء بالعدد الثاني من مجلة المرأة والإسلام .. كتب: الأستاذ عالم عباس
جدتي الحاجة كلتوم إبراهيم، عمة أمي، شقيقة والدها الإمام عبد الماجد إبراهيم، إمام السلطان علي دينار، كانت امرأة برزة. كانت ذات علم وذات ثروة. وكان الرجال يحضرون مجلسها لتلقي العلم. وحينما نتحدث عن العلم ، وفي مدينة الفاشر تحديداً، أوائل القرن الماضي، فمن الخير أن نعرف مقام العلم في هذه المدينة، وذلك بذكر الأمثال الدارجة عنها وعندها. فقد راجت مقولة(من لم يحفظ متن ابن عاشر، ما يقدل في الفاشر) و(من لا يحفظ الصفتي، في العلم ما يفتي)، و(المادرس الخليل، علمه قليل). وأهل دارفور من أتباع المذهب المالكي، وكتاب الصفتي وابن عاشر ومختصر الخليل من أئمة كتب علماء المذهب لديهم. وهو الحد الأدنى من العلم الذي يجعل المرء جديراً بالانتساب إلى هذه المدينة، و(يقدل) في أرجائها!
إن تاريخ المرأة المسلمة، وفي دارفور تحديداً، هي حالة سودانية متفردة بذاتها تستوجب دراستها والتعلم منها، فهي ليست حالة طارئة، وإنما متجذرة من قديم. إذ نعلم من تاريخً دارفور أن للمرأة مكانة متميزة ولها سطوتها وهيبتها وحدود مسئولياتها الضاربة في جذور التاريخ منذ نشأة السلطنة، في تناغم وانسجام، لها ثروتها المستقلة وإرادتها غير المسلوبة، وصلت بها إلى بلاط السلطنة إلى درجة أن كان لأخت السلطان جيشاً خاصاً بها، وفي يوم العرضة تبرز على فرسها متقدمة الصفوف على يمين السلطان وسط حاشيتها وأبهتها، وهي، وإن لم تتوج سلطانة مطلقة فنفوذها وأثرها ليكاد يتساوى مع نفوذ السلطان نفسه في البلاط.
سلطنة الفور هي سلطنة أسلامية بامتياز، واسطة عقد الممالك الإسلامية التي انتظمت الحزام الأفريقي الممتد من ساحل غانا في المحيط الأطلسي إلى الصومال في المحيط الهندي، هذه الممالك الإسلامية شملت، مملكة الهوسا والفلان وسكتو والباقرمي والبرنو ووداي والمساليت ودارفور وسنار، وعبر كل هذه الممالك والسلطنات الإسلامية كان للمرأة وضع يتميز بالخصوصية، والمشاركة الفعالة، يبقى السؤال الحائر هو ما التغير الذي حدث للمرأة المسلمة اليوم حتى صارت، رغم الكثير مما اكتسبتها في مجال العلم، في مرتبة اجتماعية أقل؟ بل لماذا هذا التباين في وضع المرأة في الأقاليم المختلفة في الوطن الواحد،(السودان)، والذي يتأرجح بين الكبت والانطلاق النسبي، وببن ضمان حقوقها المكتسبة وبين النضال من أجل استردادها؟ لماذا في المناطق الحضرية، ومراكز الوعي تبدو المعركة أشرس والقمع أكثر حدة من تلك التي في الأرياف، في حين أن وسائل المعرفة والتعليم متيسرة ومتاحة بصورة أكبر في مناطق الحضر ؟
إن الدور التنويري والذي تقوم به المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي (صيحة)، وجرأة التناول في مجلتها والتي تبحث عميقاً في دور المرأة في الإسلام، بذكاء علمي يثير الإعجاب، ويفتح الملفات الحساسة بوعي واقتدار والإبحار بحنكة وسط موج متلاطم من الصراع الأيدولوجي والتزمت والإقصاء، والفتاوى التي تبرر أكثر مما تبادر في اجتراح منهج تنويري يفجر طاقات المجتمع ويمضي به نحو الرقي والكمال، إننا بحاجة ملحة لمثل هذه المبادرات التي تحفر عميقاً في مجتمعاتنا المسلمة، تنقِّب وتحفِّز وتستفز العقول والأذهان، وتشكل حلقة فكرية واسعة تضم المجتمع المسلم كله، رجاله ونساءه، نحو تكامل يمكن أن يخرجنا جميعاً من ركن التلقي، إلى أفق الإسهام والمبادرة.
لا توجد تعليقات
