مقدمة فى الاقتصاد السياسي للثورة والثورة المضادة في السودان : سبتمبر 2019 – مايو . 2021
• الجزء الاول: إختطاف الثورة والنهج الداعم للراسمالية الطفيلية والكمبرادورية – فى ستة اقسام.
• الجزء الثانى: نقد اللبرالية الجديدة وملامح النهج التنموى البديل – فى قسمين.
• الجزء الثالث: التنمية القائمة على التوجه الداخلى : نحو استراتيجية للتنمية الاقتصادية الاجتماعية -فى سبعة اقسام.
. تم الانتهاء من اعداد هذا البحث فى الاسبوع الاول من يونيو
قائمة المراجع المستخدمة تقدم فى القسم الاخير من كل جزء.
الجزء الثالث – القسم .1/2 نحو تنمية قائمة على التوجه الداخلي: الطلب المحلى والدولة التنموية
مقدمة:
تحقيق المساواة والانصاف هما لب استراتيجية التنمية الاقتصادية الاجتماعية التى يسعى هذا البحث لرسم بعض ملامحها الرئيسية . وفى هذا القسم يطرح النمو القائم على الطلب المحلى كمرتكز للسياسات الاقتصادية والدولة التنموية كمحرك إساسي للدولة.
1.21. لماذا الطلب المحلى والدولة التنموية:
– من المهم التأكيد على أن المستوى المرتفع نسبيًا لمعدلات النمو الاقتصادي خلال عدد من السنوات فى الفترة 2000-2017 ، خاصة أثناء تصدير النفط وقبل انفصال جنوب السودان (2020, World Bank) لم يترجم إلى تحسين معاش ورفاه الناس. إن الثروات التي تراكمت لم تذهب وبشكل غير مشروع لصالح حلفاء النظام فحسب ، بل تم نقلها عبر وسائل مختلفة إلى خارج البلاد (2020, Abdelkarim 2020, GFI,) ، مما أدى إلى تقلص الاستثمار المحلي ، خاصة في القطاع المتعلق بالمعيشة ، وتقلص الدخل المتاح (الدخل الشخصي بعد خصم الضرائب الشخصية) لمعظم السكان. ويؤدي انخفاض الدخل المتاح إلى تقليص الطلب المحلي مما يؤدي بدوره إلى انخفاض إنتاج السلع وتوفير الخدمات للسوق المحلي وزيادة البطالة .
– لا يمكن تغيير وتيرة الدخل المنكمش وانخفاض الطلب المحلي فى ظروف السودان إلا من خلال نظام اقتصادي يكون رافعته الطلب المحلى المتزايد ومحركه الرئيسي الدولة التنموية.
– وجاءت الحكومة الانتقالية لتنفذ العكس تماماً ، حيث ادت معدلات التضخم غير المسبوق الى تآكل القوة الشرائية وانكماش الطلب المحلى على نحو مروع ، كما تم توضيحه فى الجزء الاول.
21..2 النمو القائم على الطلب المحلى:
– تستند نظرية النمو القائم على الطلب المحلى على افتراض أن الزيادة في إجمالي الطلب) الطلب الإجمالي/الكلي هو الطلب على جميع السلع والخدمات في اقتصاد ما ( ستؤدي على المدى الطويل إلى زيادة في الإنتاج ; أي إلى النمو الاقتصادي). تقف هذه النظرية على النقيض من النظرية الكلاسيكية الجديدة التي تدعي أن الطلب يتبع العرض وأن العرض هو الذي يحدد نمو الإنتاج(
– قد تحدث الزيادة في إجمالي الطلب بسبب زيادة حصة الأجور في الدخل القومي (وهي النسبة المئوية للأجور من إجمالي الدخل القومي) ، حيث إن الميل للاستهلاك من الأجور أعلى منه من الأرباح . يمكن أن يزداد الطلب الإجمالي أيضًا دون زيادة مقابلة في حصة الأجور إذا كانت الزيادة في الطلب ناتجة عن الأسواق الخارجية . وعندما يظل السوق الخارجي كما هو ، فإن انخفاض حصة الأجور من شأنه أن يحد من إجمالي الطلب . يتعرض علم الاقتصاد السائد للانتقاد لأنه ينظر إلى الأجور على أنها مجرد تكلفة فقط. وعند تخفيض هذه التكلفة، تتحسن القدرة التنافسية، ويزداد صافي الصادرات، وتؤثر الربحية المتزايدة بشكل إيجابي على الاستثمار.ويتعرض النموذج من النمو القائم على الربح (أو القائم على العرض) للفشل في معرفة الأثر الضار للأجور المنخفضة على الاستهلاك المحلي على المدى الطويل.
– ولكي تؤدي زيادة الأجور إلى النمو الاقتصادي على المدى الطويل، فإن هذه الزيادة يجب أن تتحاشى التأثير السلبي المحتمل على الاستثمارات والصادرات. وبعبارة أخرى، فإن الزيادة في نصيب الأجور يجب الا تؤدي إلى انخفاض نصيب الربح بطريقة تؤثر سلبا على الاستثمار . مرة أخرى، لا تعني الزيادة في الأجور، بالضرورة، التأثير سلبا على القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية . يجادل Stockhammer بأنه كلما كانت حصة الأجور أعلى كلما كانت الإنتاجية أعلى (من خلال أساليب توفير العمالة)، وهذا من شأنه تعويض التأثير السلبي على الاستثمار والقدرة التنافسية. (للاطلاع على المناقشات حول النمو المدفوع بالأجور، انظر ،& Lavoie Stockhammer، 2013؛ Stockhammer،2013 ؛ Blecker، 2016).
– يفترض نظام النمو القائم على الاجور أن معظم العاملين هم عمال بأجر، ويحلل تأثير التغيرات في حصة الأجور على إجمالي الطلب وعلى الإنتاج . يتعين أن يأخذ النمو القائم على الطلب في البلدان التي لا يشكل فيها العمال بأجر الأغلبية في القوى العاملة ، (أي بوجود مكثف للعمل العائلي والتوظيف الذاتي، وخاصة في الأنشطة الريفية، حيث يكون شريحة كبيرة من إجمالي العمالة، كما هو الحال في السودان) ، عوامل وسياسات إضافية غير زيادة حصة الأجور ، نذكر بعضها ادناه.
• حتى بدون زيادة الحصة النسبية للأجور ، لا يزال من الممكن حدوث زيادة في الطلب الكلي عندما يرتفع معدل التوظيف ، عند حصول أشخاص عاطلون على عمل و / أو انضمام أشخاص من خارج القوة العاملة للتوظيف . لم يتم التأكيد على هذه النقطة في الأدبيات التي جرى مسحها ، وهي مهمة في حالة بعض البلدان (بما في ذلك السودان) ، التي تعاني من معدلات بطالة عالية او مشاركة منخفضة في القوى العاملة عند النساء.
• توسيع نطاق الانشطة الاقتصادية ، كما هو مطلوب من الدولة التنموية ، يعزز فرص خلق الوظائف وزيادة القيمة المضافة. ويمكن توسيع الأنشطة الاقتصادية رأسياً (جودة وإنتاجية عالية) وأفقياً (توسيع نطاق النشاطات). أحد اهم هذه الانشطة هو التصنيع ، خاصة في المناطق الريفية ، حيث سيسهم بصورة فعالة ومباشرة في توسيع وتنويع قاعدة الإنتاج وذلك من خلال تصنيع المنتجات الزراعية، إدخال منتجات جديدة وتوسيع قاعدة ما هو موجود أصلا. توسيع الانشطة الاقتصادية تعنى زيادة فى الانتاجية او/و زيادة فى فرص العمل ، وكلا الحالتين تعنيان زياده فى الدخل وعلى الطلب المحلى. ومن المهم ان تاخذ فى الحسبان خطط توسيع الانشطة الزيادة المحتملة فى الدخل والطلب وبالتالى يجب ان تشمل الخطط التوفير المحلى للسلع والخدمات التى سيتضمنها الزيادة فى الطلب.
• إن أي نظام للنمو الاقتصادي قائم على نهج التنمية البشرية سيعتمد بالضرورة على زيادة الطلب المحلى. ولتحقيق المساواة والإنصاف، يسعى مثل هذا النظام إلى دعم الفقراء والمحرومين من خلال قيام الدولة بتوفير مزايا وخدمات اجتماعية. وسيؤدي تمكين الفقراء اقتصاديًا واجتماعيًا إلى تأثير أكبر على النمو الاقتصادي، وفي نفس الوقت من شأنه زيادة الطلب الكلي بطريقتين: بشكل مباشر من خلال الإنفاق على التعليم، والمهارات، والصحة، والغذاء، والسكن، الخ، وبشكل غير مباشر من خلال تيسير فرص العمل والدخل (الأفضل) للمحرومين.
• ومن المعلوم أن أفقر الفقراء في السودان هم الذين يعتمدون على الزراعة التقليدية (انظر القسم6 ) ، وتشكل هذه المجموعة اغلبية القوى العاملة الريفية. لهذا يجب أن تضع الدولة أمر تحسين سبل كسب عيش هؤلاء السكان وتحسين إنتاج الغذاء لهم وبهم في أعلى قائمة أولوياتها. وحيث ينفق الفقراء الكثير من دخلهم على الاستهلاك فسيعزز ذلك ويدعم نمو الانتاج والخدمات الناجم عن زيادة وتيرة الطلب.
• سيتناول القسم (6) من هذا الجزء التحولات الهيكلية والتنمية القطاعية والريفية والتي من شانها ان تعزز الانتاج المحلى والذي بدوره – من خلال الدخول المتزايدة للعاملين ومن توفر سلع وخدمات متنوعة – يسهم فى زيادة الطلب المحلى.
3.1.2الدولة التنموية والتحديات الرئيسية:
– كان لانقلاب 30 يونيو 1989 من قبل حزب الإسلاميين السياسي، باستخدام ذراعهم العسكرية ، هدفً رئيسي واحد، ألا وهو اختطاف الاقتصاد من أجل الإثراء الذاتي. وقد وضعت جميع الإجراءات السياسية والنظم والتشريعات، زيادة على القمع والتصفية والمجازر ، لخدمة هذا الهدف الرئيسي.
– ولأن حلفاء النظام القديم ووكلائه لم يكونوا بالضرورة مشاركين في السوق ، فقد تم اتخاذ تدابير خارج منظومة السوق (أو خارج مظلة الاقتصاد) لضمان سيطرتهم وامتلاكهم وحيازتهم حصة كبيرة من الدخل القومي.
-من المهم التأكيد على انه لا يمكن تغيير النظام الاقتصادي الذي تأسس بعمق من خلال سلطة الدولة دون استخدام سلطة الدولة.
– وكما تم ذكره فى الجزء الاول من هذا المقال كان يتوجب على حكومة جاءت بعد الثورة العمل بقوة على استرداد الاقتصاد المختطف. ولكن جاءت الحكومة وحلفائها بتوجه لتغويض الثورة والعمل على ارتهان السودان للمحاور الخارجية سياسيا وللإمبريالية العالمية اقتصاديا.
– في ظروف بلد مثل السودان ، يجب أن تكون الدولة هي الرافعة الحقيقية التي تحقق التوسع فى التنمية البشرية وذلك للحد من وتيرة عدم المساواة التي تسبب المزيد من الخسائر والمزيد من الهدر في كافة مناحي الحياة.
– تتمثل تحديات الدولة التنموية فى السودان فى: 1- ارساء قاعدة للسياسات والسير فى برامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية لتحقيق مستوى اعلى فى التنمية البشرية 2- حشد الموارد المحلية لتمويل برامج التنمية الاقتصادية الاجتماعي3 – تقوية القطاع الخاص الوطني ليلعب دوره فى التنمية -4الاصلاح المؤسسي اللازم لبناء دولة قوية.
ادناه يتم توضيح كيفية تناول هذا البحث لهذه التحديات الاربعة:
1- إن المتطلبات والموارد اللازمة لتحقيق مستوى أعلى من التنمية البشرية فى السودان، وفقًا لمفهوم هذا البحث ، تماثل وتتطابق مع مفاهيم التقدم والتطور في مجالات التنمية الاقتصادية الاجتماعية: الفقر ، الصحة ، والتعليم ، والتوظيف والتحول الاقتصادي بقيادة الدولة التنموية. وفيم يلي من اقسام فى هذا الجزء من البحث (6,5,4,3 ) سيتم شرح بعض السياسات والتوجهات الرئيسية فى هذه المجالات على نحو مفصل.
2- دور الدولة التنموية فى حشد الموارد المحلية وتوجيهها لتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية يلعب دورا مفصليا فى استقرار الاقتصاد الكلى. والسيطرة على عوائد الصادر ستعنى انهاء العجز فى ميزان المدفوعات ، والسيطرة على مسار التجارة الخارجية ستعنى السيطرة على سعر صرف الجنيه السوداني (كما سنبين فى القسم2 .2 (.
-3القسم2 .2 يشير الى اهمية دعم وتقوية القطاع الخاص الوطني. ان التحولات الهيكلية والتنمية القطاعية التى يتناولها القسم (6) غير ممكنه بدون الدور الفعال الذي يمكن ويجب ان يلعبه القطاع الخاص.
4- في ظل النظام اللصوصى القمعي تحولت المحاباة وعدم الشرعية والفساد إلى القاعدة في المعاملات والإجراءات والقرارات الاقتصادية والإدارية والقانونية ، مما قوض إلى حد كبير عمل القانون والقواعد وأفسد الممارسة المهنية في المؤسسات العامة. وبدون إصلاح شامل للهياكل المؤسسية وأنظمة الإدارة والثقافات ، الأمر الذي سيترتب عليه أيضًا إزالة الفاسدين ، فإن الدولة التنموية لن تكون قادرة على تحقيق أي إصلاح حقيقي ولن تتمكن من احراز التقدم المطلوب فى متطلبات التنمية الاقتصادية الاجتماعية. لن يتم التعرض لأوجه الاصلاح المؤسسي المطلوب لتأسيس دولة تنموية قوية قادرة على قيادة الدولة فى السودان ، حيث ان قضايا الاصلاح المؤسسي ، وخصوصا النواحي المرتبطة بالاقتصاد ، قد تم تناولها على نحو وافر فى الورقة الضافية التي اعدتها اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير فى اكتوبر 2019 وقدمتها للحكومة التنفيذية (قوى الحرية والتغيير ، 2019).
تعريف الدولة التنموية:
مفهوم الدولة التنموية لا يتطابق مع مفهوم رأسمالية الدولة (State Capitalism). يستخدم مفهوم رأسمالية الدولة لوصف الاقتصاد الذي تسيطر فيه الدولة على توجه وادارة والاقتصاد وتلعب فيه مؤسسات/شركات الدولة (State Enterprises) دور رئيسي فى الاقتصاد. ويستخدم المفهوم ايضا لوصف الدولة التي يلعب دور الريادة في انشطتها الاقتصادية القطاع الخاص، ولكن تسيطر الدولة على اتجاهات النشاط الاقتصادي عن طريق السيطرة (غالبا عن طريق التشريعات والمصارف المركزية) على
التمويل والاستثمار. هذا النوع من رأسمالية الدولة أقرب لبعض نماذج الدولة التنموية. تعمل الدولة التنموية وفق نماذج مختلفة من النمو الرأسمالي (انظر Singh واخرون ، 2008 ؛ Kyle، 2017 ؛ Caldentey ، 2006).
وفق ما ورد فى القسم الاول وهذا القسم ، يتم وضع تعريف للدولة التنموية فى هذا البحث كما يلي:
“الدولة التنموية هي مجموع التشريعات و المؤسسات والسياسات والنظم التي تضعها وتوظفها الدولة لضمان استخدام فعال للموارد المحلية لتحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية متسارعة لمصلحة اغلبية السكان”.
– اهمية وضع تعريف للدولة التنموية تنشأ من مركزية هذا المفهوم لاستراتيجية التنمية الاقتصادية الاجتماعية كما هي مطروحة فى هذا البحث.
لاقسام البحث التي تم نشرها سابقا ، رجاء مراجعة موقع سودانايل Sudanile
Abbas Abdelkarim – Dubai
abbas.a.k.ahmed@gmail.com
webpage: www.abbasconsult.com
/////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم