في الترحيب بصدور ديوان علي ود حليب .. بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.com
صدر في بحر هذا العام 2013م ، الذي تؤذن الآن شمسه بالأفول ، سفرٌ نفيس طال انتظار الناس له ، ألا وهو ديوان الشاعر والمادح للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، الشيخ ” علي ود حليب ” الشايقي الشلوفابي ، الذي وُلد ببلدة ” مساوي ” بديار الشايقية في عام 1719م ، وتوفي ودفن ببلدة ” المقل ” في عام 1784م.
قامت بجمع هذا الديوان وتحقيقه ، الأستاذة: ” فاطمة أحمد علي عمر ” ، وهي سيدة مثقفة وباحثة جادة ومثابرة ، صدرتا لها خلال الأعوام القليلة الماضية ، بضعة أعمال تدور كلها حول التوثيق والاستعراض والشرح لملامح من الموروث الاجتماعي والثقافي لمنطقة الشايقية التي تنتمي إليها ، وهذا مما يُحمد لها. ذلك بأن الأقربين هم أولى بالمعروف ، علاوة على أن في صنيعها المحمود هذا بكل تأكيد ، خدمة للمعرفة وللثقافة السودانية الجامعة والمتكاملة بصفة عامة. ولعل في ذلك أيضاً ،  دعوة للباحثين من كل صقع من أصقاع السودان ، أن يحذوا حذوها في التوثيق والتأليف والنشر عن موروثات مناطقهم المختلفة ، ولا يفوتنا أن نشير كذلك ، إلى أن هذا الكتاب قد تمت طباعته على نفقة أحد رجال البر والإحسان ، ألا وهو ” الخليفة عبد الكريم الطاهر ” ، ولعله هو نفسه من أبناء تلك المنطقة ، الذي نأمل أن يفتح الباب أمام أمثاله من الموسرين من مختلف مناطق السودان ، لكي يقوموا بتمويل طباعة مثل هذه المصنفات المفيدة والنادرة ، كل في منطقته.
جاء كتاب الأستاذة فاطمة أحمد علي تحت عنوان: ” ديوان ود حليب وآله ” ، ذلك بانها قد عمدت إلى جمع ما قد وقفت عليه من قصائد علي ود حليب ، ثم أضافت إليها قصائد أخرى من تأليف أبناء هذا الشاعر وأحفاده كذلك. وقد صدر الديوان عن مطبعة التمدن المحدودة بالخرطوم في 247 صفحة من القطع المتوسط ، مصدرا بثلاث مقدمات في التعريف بالشاعر علي ود حليب ، والتنويه بمكانته في سجل شعراء المديح النبوي التقليدي في السودان ، فضلاً عن تقريظ السيدة التي جمعت الديوان وحققته ، والإشادة بالجهد الكبير الذي بذلته من أجل إخراج هذا الديوان للقراء والباحثين المهتمين بهذا اللون من ألوان المعرفة. وقد جاءت تلك المقدمات الثلاث بأقلام كل من الأستاذ الدكتور ” علي أحمد محمد بابكر ” ، رئيس مجمع اللغة العربية بالخرطوم ، والستاذ الباحث ” محمد عمر باتوري ” ، والأستاذ الباحث ” علي عثمان علي الشيخ “.
هذا ، ويجمع الباحثون على أن الشيخ علي ود حليب ، هو من الرعيل الأول من رواد فن المديح النبوي التقليدي في السودان الذين أرسوا أسسه وتقاليده ، ووضعوا مصطلحاته ، إذ أنه كما تقدم ، قد عاش في القرن الثامن عشر الميلادي ، الموافق للقرن الثاني عشر الهجري. وقد عاصر من مادحي زمانه كلاً من: الشيخ ” النقر ” في منطقة الجعليين ، والشيخ ” قدورة ” في الجزيرة.
على أن من المدهش حقاً ، الاّ يذكر الشيخ محمد النور بن ضيف الله ، مؤلف كتاب ” الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان ” على سبيل المثال ، أياً من هؤلاء الأعلام الثلاثة ، وهم معاصرون له بكل تأكيد ، من ضمن طبقة الشعراء الذين ترجم لهم. إذ لا بد أن أخبارهم ، وعلى الأقل بعض أماديحهم وأشعارهم قد بلغته ، خصوصاً وأن علي ود حليب ، يكبر ود ضيف الله سناً بنحو ثماني سنوات ، لأنه وُلد في عام 1719ن ، في حين أن ود ضيف الله قد ولد في عام 1727م.
وعلاوة على ذلك ، فإن أشعار هؤلاء الرواد الثلاثة ، هي أرفع مستوى ، وأجود سبكاً من الناحية الفنية قطعاً ، من النماذج الركيكة  – حتى بالعامية – التي أثبتها ود ضيف الله في كتابه ، المومى إليه ، على خطره وجلال قدره في السياق الثقافي والمعرفي الخاص به. فهل كانت تلك هفوة من جانب ود ضيف الله ، بسبب المعاصرة التي كثيراً ما توصف بأنها حجاب ؟.
أول ما استوقفني في سيرة الشيخ علي ود حليب المثبتة في هذا الكتاب ، أنه بدأ حياته مغنياً في شبابه ، قبل أن يغير مساره ، ويتجه إلى نظم المديح النبوي. ولعل هذا الملمح من ملامح حياة هذا المادح الرائد ، تذكرنا بما حدث لشاعر ومادح آخر ، ينتمي – للمصادفة العجيبة – إلى ذات المنطقة التي ينتمي إليها ود حليب ، ألا وهو الشيخ ” حاج الماحي ”  الذي تفيد سيرته ، بأن والده كان من ” زُمّال ” المادح ” علي ود حليب ” ، أي أنه كان أحد أعضاء الجوقة (الكورس) المصاحب له ، والذي بدأ هو الآخر حياته مغنياً ، ثم ما عتّم أن تخلى عن الغناء والطرب ، وصار مادحاً لجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وذلك على إثر حدث عجيب ، أو كرامة حدثت له مع بعض الأولياء الصالحين كما جاء في حكاية شائعة ومتواترة  يتداولها الناس.
تتجلى لهجة الشايقية بسمتها المميز بكل تأكيد في لغة هذا الديوان ، وذلك أمر بديهي. ولكن ليس في كلمات وألفاظ مثل ” أكاكيل ” وأشباهها كما يذهب إلى ذلك الأستاذ باتوري مثلاً في معرض تقديمه للديوان ، وذلك حين يقول:
” ومثال آخر للعامية والشايقية واللغة العربية:
الجنة ام نعيماً خيرها ما بزيلو
لا بنقص ولا بيعبروا يكيلو
أب كثرة أب قليل كل زول حوى الليلو
إن شاء الله نضوق طعاما ونبقى أكاكيلو
ومن يستمع كلمة أكاكيلو يظن أنها نوبية (رطانة) ولكنها كلمة عربية فصيحة تعني: الأكل الكثير أو صيغة المبالغة لكثرة الأكل ” أ.هـ من صفحة 12 من الكتاب.
والذي نراه هو أن ” أكاكيلو ” هنا هي مجرد اسم فاعل للجماعة ومعناها ببساطة ” آكلوه ” ، أي الذين يأكلونه ، فهي جمع آكل لا غير. وليست صغية مبالغة تدل على كثرة الأكل. ذلك بأن الصيغة ” فعاعيل ” للدلالة على الجمع مطلقاً ، هي صيغة شائعة جداً في العامية السودانية ، ويستخدمها الناطقون بها في شتى أنحاء البلاد. ومنها قولهم: جزازير: جمع جزار ، وحداحيد: جمع حدادا ، وشحاحيد: جمع شحاد وهلم جرا.
وإنما يجسد الديوان خصائص لهجة الشايقة المتميزة ، وخصوصاً على المستوى الصوتي ، عندما يثثبت الإمالة ، أو كسر أواخر الكلم في مثل قول الشاعر في قصيدة ” يا محادي الجِمال “:
مجموعة النفوس كالمعزى مزروبة    من هول الحساب “شقياني” مرعوبا
وقتين إنت جيت يا سيد مقيل طوبا   لى أجلك عفوها أدوها  مطلوبا
حتى اهل الكباير الليها مسبوبا         فدّاد ” المريسي ” والجاني مرقوبا
فنراه قد قال: شفقاني بالكسر لشفقانة ، والمريسي بالكسر أيضاً للمريسة بالفتح ، وهي الجعة السودانية المسكرة التي تصنع من الذرة.
كذلك تتجلى لهجة الشايقية في الديوان ، في إبدال حرف التاء في بنية سائر الأفعال بحرف النون ، بخلاف سائر السودانيين الذين لا يفعلون ذلك إلا مع أفعال قليلة بعينها. فمثلاً يقال في اللهجة السودانية العامة ( لهجة ام درمان ): اتغديت واتغدينا بالتاء ، وقد يقول بعض بدو كردفان: ” تغديت ” بدون همزة في أوله ، ولكن الشايقي القح لا يقول إلا ” انغديت ” بالنون. ومن ذلك قول الشايقية الشائع ” مندلي كريمة “: أي أنا نازل أو مسافر إلى كريمة. عللاى أن العامية السودانية العامة أو المعيارية نفسها قد تثبت هذه النون في أفعل بعينها كما أسلفنا ، وذلك مثل قولهم: انجميت وانجمينا ، وانفكيت وانفكينا ، وانحليت وانحلينا الخ.
وفي هذا الخصوص يقول ود حليب في قصيدته ” شوقي على الزاربو الحديد مشبوك ” في معرض الهجاء لأبي جهل والتشنيع عليه والسخرية منه:
غصباً ما حناسة جنزروك جابوك    تنطرطش براك متل النعام خلوك
والشاهد هو قوله: ” تنطرطش ” أي: ” تتطرطش” بتائين متعاقبتين ، يعني: تجهل ويطيش عقلك ويخفّ.
وكذلك في قوله في قصيدة ” الشوق ليهو “:
نبي الله الشوق ليهو    الفي طيبة السلام ليهو
العرج واندلى دوب ليهو    الجاب خبر الله دوب ليهو
فقوله: (اندلى) بالنون هاهنا ، هو بمعنى: تدلى الفصيحة ، أو: ” اتدلى ” العامية ، وفي البيت إشارة للآية الكريمة ” ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى “.
لاحظنا كذلك ، أن لغة هذا الديوان ، وهي بلا شك نموذج لكلام اهل السودان القديم ، لاحظنا أنها تحتفي بشدة بلفظة ” كيف ” كأداة تشبيه ، وقد استخدمها الشاعر بهذه الدلالة في مواضع كثيرة ، منها قوله في وصف المشركين والكفار وانهزامهم امام جيوش الصحابة عليهم رضوان الله:
انهزموا النجوس ولوا بانكساري    كيف كوم العويش الجابو العصاري
يعني أن المشركين الأنجاس قد صاروا مثل كوم القش الذي اقتلعه إعصار وطوح به بعيدا. ومن كثرة استخدام ” كيف ” كأداة تشبيه في قصائد هذا الديوان ، يجوز لنا ان نستنتج بأنها كانت شائعة الاستخدام في لهجة الشاعر في ذلك الزمان ، ولكن يبدو انها لم تعد كذلك الآن في تلك المنطقة ، فقد حلت محلها اداوت تشبيه اخرى مثل: ” متل .. وزي ” الخ.
والراجح عندنا ان استخدام لفظة ” كيف ” كأداة تشبيه ، قد كان شائعاً في جميع مناطق وسط وشمال السودان قديماً ، ولكنها قد هُجرت الآن وانزوت ، وصارت كانها محصورة في لهجات عرب كردفان خاصة. يدلك على ذلك ورودها في شعر مادح آخر من أهل الوسط هو الشيخ احمد ود تميم الذي قال:
يا مولاي سألتك مدحي ينزل كيف وبال الخريف    مو رش بطين الصيف
لاحظنا كذلك أن إحدى قصائد ديوان ود حليب قد جاءت على أبياتها في وزنها العروضي ، على وزن الدوبيت السوداني ومساديره ، مما يشي بأهميتها المرجعية في الدلالة على تطور هذا الضرب من النظم الشعري في السودان وتاريخه ، خصوصاً ، وأنها قد جادت بها قريحة شاعر ينتمي إلى منطقة غير مرتبطة تقليدياً بنظم الدوبيت.
تلك القصيدة هي مدحة: ” يا عشاق متين نحدى الجِمال الروكا ” التي يقول فيها ود حليب:
يا عشاق متين نحدى الجمال الروكا     لى حجرة نبينا البى الرخام مدلوكا
باسم الله اللبيب جاب القصيد مسبوكا    بالغايث الدواب لا سوق ولا سلّوكا
علام الغيوب الكلنا بندعوكا            نحن المذنبين يا ربي نرجو عفوكا
وبعد ، فهذه مجرد خواطر أولية عنّت لي من خلال قراءتي في هذا الديوان ، وكنت قد دونت أيضاً جملة صالحة من التعليقات والخواطر الأخرى بقلم الرصاص على حواف صفحات الكتاب ، وتوقفت بصفة خاصة عند شروح المحققة لبعض الألفاظ الواردة في الديوان ، وهو ما أرجو ان أتمكن من جمعه وإعادة تحريره في سياق متسق ، ونشره منفردا في مقال لا حق إن شاء الله.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً