في التعليق على مقولة د. محمد المرتضى مصطفى “انهيار الدولة السودانية بدأ منذ مطلع السبعينات” .. بقلم: محمد جلال أحمد هاشم
25 أبريل, 2021
المزيد من المقالات
33 زيارة
الخرطوم. – 24 أبريل 2021م
هذا الاستعراض يلخِّص افتراضا آراء الدكتور محمد المرتضى مصطفى (وهو شخص لا معرفة شخصية لي به) الواردة في ندوة جرت في منبر الصحافة، حيث لا يرد هل هو منبر خاص بصحيفة الصحافة الغراء بصورة محددة، أم هو منبر خاص بمهنة الصحافة، كما لا يرد أي توريخ لزمان انعقاد هذه الندوة. وعلى هذا سوف ينصب ردُّنا على ما يرد من كلام منسوب افتراضيا إلى الشخص المشار إليه دون أن نجزم بأن ما ورد هو صميم آرائه.
في رأينا أن نقطة الضعف القاتلة فيما يرد في استعراض هذه الندوة هي العقلية الإسلاموعروبية التي يُنسب إليها الحديث الذي ينقله الاستعراض، وهو الدكتور محمد المرتضى مصطفى، هذا في مقابل قضايا بلد أفريقي أسود، ما يعني ضرورة أن تكون الآفروعمومية هي المدخل لحل مشاكله وقضاياه هذه. وهذا له علاقة مباشرة بما يتباكى عليه بخصوص فقدان مؤسسة الدولة لبوصلتها الوطنية. فالسودان كبلد أفريقي أسود لا يزال معتقلا داخل الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، ما يعني فقدان مؤسسة الدولة لهويتها الوطنية. وعند تنزيل هذا التنظير إلى أرض الواقع، نجده يتجلى في تهميش العناصر الأفريقية، بصرف النظر أكانت في الأطراف وغيرها. فكل مناصب الدولة وامتيازاتها تصبح حكرا للخاضعين للأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وكل المجموعات الإثنية بادية التأفرق تصبح هدفا للدولة بغرض السيطرة عليها والتحكم فيها، بدلا من التوجه نحو تطويرها. وحتى الخدمات الأساسية يتم النظر إليها بوصفها رشوة تخدم هدف التحكم والسيطرة على هذه المجموعات، وليس حقوقا أساسية تمليها قيم المواطنة التي تحرسها الدولة الوطنية التي يتساوى عندها جميع مواطنيها بصرف النظر عن السلالة أو المعتقد أو الوضعية الاجتماعية.
في وضع كهذا، لا محالة ستنحصر امتيازات الدولة في المراكز الحضرية بنفس القدر الذي سوف تنخر الأيديولوجيا الإسلاموعروبية في جسد الخدمة المدنية، كونها سيتم تجييرها للمجموعات الخاضعة للأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وهذا هو أوسع مدخل لإفساد الخدمة المدنية كمقدمة لإفساد دولاب الدولة ككل. فما حدث في الإنقاذ ليس سوى نتيجة طبيعية لتيار غير وطني تم تدشينه بصورة رسمية داخل بنية الدولة بعد الاستقلال مباشرةً، هذا بالرغم من تورط الاستعمار في هذه العملية، كونه تصالح مع مجمل حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. ولم تكن فترة الإنقاذ إلا تراكما طبيعيا لهذه الأيديولوجيا التي تجلت عبر عنف الدولة وانعدام وطنيتها، ذلك عندما شرعت في إغراء وترغيب مجموعات أفريقية سوداء لكنها ليست فقط كاملة الاستعراب، بل خاضعة للأيديولوجيا الإسلاموعروبية بصورة كاملة، للهجرة والاستقرار في البلاد على حساب مجموعات وطنية محلية بادية التأفرق ولا تزال تستشعر هويتها الأفريقية. وقد بلغ الأمر حد تسليح القادمين وتوفير الغطاء الحكومي والعسكري والسياسي للقاديمن الأجانب كيما يطردوا المجموعات الإثنية الأفريقية من قراهم عبر قتلهم وسحلهم وحرق قراهم، مع ما تشمله هذه العمليات المجرمة من اغتصاب منهجي، كل هذا في وضح النهار. لقد بلغ عملية الأيديولوجيا الإسلاموعروبية حد أن أصبحت سياسة رسمية للدولة، الأمر الذي جعلها تعلن عن قراراتها وسياساتها الخاصة بإعادة هندسة الخريطة الديوقرافية لشعبها، تكريسا للاستعراب والأسلحة بوصفها حرائك أيديولوجية لا علاقة لها بالثقافتين العربية والاسلامية. والنتيجة هي هذا الانهيار العام الذي نرى أن مؤسّسة الدولة مقبلة عليه الآن.
صحيح أن قوى الإمبريالية تعمل الآن عبر أذرع لها، دولية وإقليمية ووطنية، على رأسها الأمم المتحدة الخاضعة تماما لمخططات مجلس الأمن ومصالح أعضائه دائمي العضوية. إلا أن قوى الإمبريالية العالمية، مهما بلغت من قوة، لا يمكنها أن تدمر بلدا لا يشتمل على عوامل التدمير الذاتي، إلا عبر التدخل العسكري والاحتلال.
MJH
الخرطوم – 24 أبريل 2021م