في الحقد العلماني على الترابي: عنف البادية مرة أخرى؟ .. بقلم: محمود المععتصم


كان عبد الخالق محجوب قد وصف الطرد الشهير للشيوعيين من البرلمان بالعنف، عنف البادية، ذلك العنف الذي، و إن كان مصدره التفاهة الشخصية الشخيفة للناس، تفاهة إتباعهم لأسهل طرق الكراهية في أكثر أشكالها بساطة و وضوحا، إلا أنه عنف ندفع ثمنه إلى الآن. سأحاول في هذا المقال أن أعيد قراءة تلك الحالة في الهذيان الإجتماعي على ضوء هجمة مجموعات العلمانيين الأخيرة على الترابي و هو ميتا. ربما علينا أن نقرأ التاريخ بأكثر مما فيه ظاهريا حتى نتعلم منه فعلا.
يفترض أن الموت هو إحدى أكثر تجارب الحياة سموا. شيء يقف أمامه الإنسان متعجبا بأكثر معاني هذه الكلمة روحانيةً. يصعب على المرأ أن يكره شخصا و هو ميت، فحقيقة الموت هي من الثقل مما يجعلها أكثر حضورا من كل أفعال الإنسان و هو حي. ذلك الشخص، الفرد، قد قضى عشرات السنين بيننا و تحول في لحظة ما من الوجود إلى العدم. حتى أنك لا تستطيع أن تفتقد شخصا قد رحل، أن تفتقده كما نفتقد بعضنا عادة، فهو قد ذهب لمكان لا تعمل فيه القوانين التي تعودنا عليها، حتى قوانينُ أكثرِ تجاربنا النفسية حميميةً. و تذهب التجربة الدينية لوصف هذه اللحظة على أنها المكان الذي تختفي فيه النسبية، فرحيل شخص واحد مساو لرحيل الإنسانية جمعاء. و لذلك فإن هذه الحساسية هي ليست مما يسهل تجاوزه. هذه الحساسية هي في مستوى حساسيتنا تجاه أشياء كالحرية و الحقيقة.
صحيحٌ أنه لا يعني ذلك أن نذوب في حالة من الرومانسية التي تجعلنا نرى كل شيء جميلا و إن لم يكن كذلك. إن تاريخ بعض الثوريين كجيفارا و فانون يشير لحقيقة أن هذه الحساسية بالذات يمكنها أن تدفع الإنسان لرفض الإنسانوية البسيطة و تبني توجه عنيف تجاه العالم. لكن حتى في هذه الحالة فإن العنف لا يتم هضمه كشيء محبب، أو التسامح معه بصورة كوميدية سطحية. ما تخبرنا به هذه التجربة هو أن القالب الوحيد الممكن للعنف هو التراجيديا. ألا يكون هنالك أي خيار آخر. لذلك فإن إختيار القفز فوق قدسية الموت لا يمكن بأي حال أن يكون خيارا سهلا إلا لأشخاص مثل هيتلر أو أستالين. يحق لنا أن نتساءل هنا إذن، هل هنالك أسباب مشروعة في حالة الترابي لتجاوز كل هذه الإعتبارات؟
هذا السؤال يعيدنا لحالة العنف الأساسية في التاريخ السوداني. إحدى صفات حالة العنف الإجتماعي هو غياب مساحة التفكير الموضوعي. عندما ينقاد الفرد وراء أكثر نزعاته النفسية تفاهة تحت غطاء من الجماعة، تحت شعارات و جمل تبسيطية ترفض تلقائيا أي محاولة للتساؤل الجدي حول أسسها و إدعاءاتها. في حالة طرد الشيوعيين، كان من الطبيعي أن يرفض منظموا تلك الظاهرة و المنقادون خلفها أن يناقشوا لا الحقائق التاريخية (حقيقة أن الحزب قد تبرأ من الطالب) و لا الحقائق التجريدية (فكرة مشروعية موقفهم السلبي تجاه شيء كالحرية أو الديمقراطية كوسيلة تعاقد إجتماعي إرتضوها إبتداءا). بجانب فكرة متابعة الجماعة، فإن المصدر الآخر للعنف الإجتماعي هو تبني حالة من الطهرية الزائفة: أدركت الجماهير الداعية لطرد الشيوعيين من البرلمان فعلها كحالة تسامي روحي. ربما لا تستطيع النزعة النفسية للتسلط أو التشفي أو الكراهية إلا أن تتخفى خلف قناع من الطهرية الجذرية. عندما يقدم الإنسان على فعل وضيع فإنه، بالضرورة، يقنع نفسه أنه “يجبر نفسه” على هذه الشناعة لأنه مضطر أو لأنه يؤدي واجبا أخلاقيا.
بنفس ضيق الصدر من الموضوعية، سيرفض كارهوا الترابي إدخال خصومتهم معه لمساحة العقل، و ستكون عملية شيطنة الرجل جزءا من حالة دوغمائية تفسر نفسها بنفسها. لكن ضد هذه النزعة أعتقد أن كل من يريد للسودان أن يتجاوز فعلا “مشكلة الترابي” عليه أولا أن يرفض الإدعاءات السطحية لهؤلاء الكارهين. علينا أولا أن ننهي الكراهية “العملياء” للمشكلة علنا نتمكن يوما من إنهاء المشكلة فعلا.
أول تبريرات الإحتفالية المقيتة كان مسألة دارفور. و ربما في هذا التبرير تظهر فكرة الغياب الكامل للموضوعية داخل غوغائية التكرار، فإحدى أسباب إفتراق البشير و الترابي كان السياسات تجاه الأقاليم و أولها إقليم دارفور، حتى أن أحد أكبر الفصائل التي حاربت الحكومة و ما زالت تحاربها معروف أنه يوالي، إن لم يكن يتبع مباشرة، للشيخ. التبرير الثاني كان قيامه بدور العقل المدبر لإنقلاب الإنقاذ، هذه المسألة بجانب أنها تدل على إزدواجية في المعايير (نفس الأشخاص الذين يكرهون علاقة الترابي مع الإنقاذ يتجاوزون عن علاقة أشخاص كمنصور خالد مع مايو مثلا، هذا بخلاف أن بيننا حزب آخر متورط في مسألة الإنقلابات العسكرية) فهي تشير كذلك لمشكلة إستبدال التحليل الإجتماعي لظاهرة الإنقلابات العسكرية بالقراءة الفردية الأخلاقية. بالتأكيد لا أقترح هنا تحييد المعيار الأخلاقي الفردي، و لكن لا يمكننا أمام ظاهرة إجتماعية تعيد تكرار نفسها في حقب تاريخية مختلفة أن نستمر في تحويلها لظاهرة فردية، إلا إن كنا بالطبع نود أن نستثمر في أخطاء ذلك الفرد بالذات في دعايتنا السياسية.
و حتى نلاحظ مدى تجذر مشكلة الديمقراطية عندنا يكفي أن نتذكر ردة فعل أغلب معارضينا على إنقلاب السيسي على الإخوان المسلمين في مصر، حيث لم تمنعهم كل أهوال الإنقاذ من التشفي في خصومهم الفكريين. أُفضل في بيئة سلطوية غير ديمقراطية كهذه ( في اليمين و اليسار) أن أتبع منهج شخص كعبد الله علي إبراهيم يقول بأن لهذه الظاهرة جذر إجتماعي يتجاوز الأفراد و السبيل الوحيد لكسر حلقته هو مواجهته بمشروع إجتماعي سياسي مضاد. لأن الخيار الآخر هو الإنشغال بتجريم الجميع و ليس الترابي فقط.
حتى نتمكن فعلا من تجاوز الترابي علينا أولا أن نتحلى بالشجاعة لنعترف له بأفضاله، و أن نتحلى كذلك بشجاعة الإعتراف بتلك الأشياء التي لم نرتق نحن، حتى الآن، لمرتبته فيها. للترابي إسهام لا يمكن إغفاله في عملية تحديث الفكر الديني، و في فكرة المصالحة بين الدين و الدولة الحديثة. لا يمكن التفكير في مسألة رفع القدسية عن التراث بدون تذكر حسن الترابي. و عندما ظهر الترابي على الساحة السودانية كان مشروعه المعلن هو إدخال جمهور المسلمين في السياسة، ذلك الجمهور الذي يراد إستثناؤه منها حسب وجهة نظره، ما السيء في هذه الدعوة؟ أعتقد أننا جميعا نسعى لنفس هدف الترابي و إن كان بطرق و نظريات مختلفة جذريا. و يمكن أخيرا أن نتذكر للترابي أن لم يخن أهدافه الخاصة ليتصالح مع السلطة، و دفع بذلك ثمنا غاليا بالخروج من الحكم لمعارضة لا تستطيع في ما يبدو إلا أن تكره فيه هزائمه السابقة لها في كل معركة.
في الجانب الآخر، ألا يمكننا أن نعترف بأن للترابي قدرة عجيبة على الإيمان بشيء ما ثم تحقيقه؟ إيمان بشيء خارج إطار مصلحته الشخصية. خرج الشيخ في بداية نشاطه السياسي من أحد أهم المناصب الأكاديمية في الدولة ليقود مجموعة سياسية صغيرة، ثم ما لبث أن دحرج الكرة الصغيرة لعشرات السنين حتى إبتلعت الجميع. ماذا فعلنا نحن، و ماذا حققت الحركات الشبابية و غير الشبابية، علمانية كانت أم يسارية، غير التهريج و التمسك بأخلاقوية و بعض من شعبوية رخيصة، حتى نسخر بدل أن نتعلم من شخص كالترابي؟
كل ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن موت الترابي يجب أن ينسينا أن لنا خلاف جذري معه، لكن ما يجب تذكره دائما أن ذلك الخلاف لن يحل بإنتاج غوغائية أخرى بنكهة علمانية هذه المرة. في الحقيقة فإن أول تساؤل خطر على بالي و أنا أرى موجة الهرج ضد المتوفى في وسائل التواصل الإجتماعي هو أين كانت كل هذه المشاعر كل هذه الفترة؟ يبدو أن الطهريين الجدد بيننا لا يجيدون التعبير عن كرههم للأنظمة التسلطية إلا عبر الحشد للمظاهرات و السخرية من الشيوخ المسنيين بعد موتهم. كان الأفضل لو إستثمرنا هذه النزعة، لو كانت صادقة، في عمل فكري و سياسي جاد. إن هذا الإنحسار، نحو تبني رؤية أخلاقية بسيطة جدا تجاه العالم و أخذ الموقف المريح في الحكم على الناس، هو الوجه الآخر لحالة الفساد الشخصي حيث لا يقوم الإنسان بتطبيق نفس المعيار الأخلاقي على نفسه.
إن كان الترابي قد سعى لإدخال جمهرة المسلمين في السياسة، فإن مشروعه قد سلط قادة هؤلاء الجماهير عليهم. يمكننا إذن أن نتعلم من الترابي كيفية بناء الأحزاب و خلط الفكر بالسياسة. لكن هذه المرة بوعي حقيقة أن جمهور المسلمين نفسه منقسم على نفسه لأغلبية لا تملك شيئا و أقلية تملك كل شيء. أن نكمل مشروع الترابي محسنين الظن في نيته متفادين مشاعر الكره التي تغبّش الرؤية و تقعد عن المسير. يمكننا أن نرد على الترابي بتأسيس دولة ديمقراطية تنحاز لكادحي المسلمين و لا تكون لهم فيها حوجة لتحالف مع أي قوة سلطوية، و أن نتخيل أنه كان سيسعد بذلك لو كان معنا، و لم لا؟
يبدو أنه سيصبح أكثر سهولة مع مرور الأيام وضع الحدود الفاضلة بين نوعين مختلفين من المعارضة. ذلك شيء جيد.

mahmoud.elmutasim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً