بقلم: هشام الحلو
لم تكن زيارتي الأخيرة إلى الخرطوم مجرد استعادة مكانية لجغرافيا شوهتها نيران الحرب، بل كانت مواجهة مع مدينة تُعيد إنتاج حياتها وتفاصيلها من بين الرماد. فالخرطوم اليوم لا تُقرأ عبر عدسات مراسلي النزاعات ولا التغطيات الصحفية العابرة، وإنما عبر تأمل روح هذه المدينة التي تشهد تحولاً فارقاً بين اندثار العمران وصمود الإنسان.
تتراءى المدينة للزائر عبر تناقض بصير ومؤثر؛ حيث تتجاور ندوب الحرب الشاخصة على جدران المعالم والأحياء مع حركة الحياة اليومية التي تستعيد مفاصلها ببطء وثبات. إن الدمار المادي، رغم قسوته البصرية، لم ينجح في تفكيك الروابط الاجتماعية العميقة للمدينة؛ فالأنشطة البسيطة والمستمرة — من بائعات الشاي على أطراف الأرصفة، إلى عودة الباعة واستئناف حركة الأسواق — تُشكل شبكة من التماسك والتضامن الاجتماعي الموروث الذي يُعيد الروح للشوارع والفضاءات العامة.
وقد جاء هذا الخريف بدلالاته الجمالية ليعمق هذا الانبعاث؛ ففي الذاكرة والوجدان السوداني، لا يمثل الخريف مجرد أمطار هاطلة، بل هو موسم تجدد وانبعاث للحياة. لقد أحدث المطر نماءً وغسلاً لآثار الغبار والدخان، واستحضر رائحة “الدعاش” التي تصنع في النفس طمأنينة وألفة ممتدة. إن ظهور الخضرة المفاجئ بين شقوق الأسفلت وركام الأبنية يمنح المشهد جمالاً خاصاً، ويؤكد حتمية انتصار الحياة على الفناء.
من هذا المنظور، يتشكل المشهد الخرطومي الحالي كسيناريو لفيلم سينمائي أضخم من مجرد توثيق عادي؛ حيث أبطال المشهد هم المواطنون العاديون الذين يصنعون الأمل دون تكلف. كل تفصيلة في الشارع — حركة المارة المتحدية، تبادل التحايا المليئة بالحميمية، والتكاتف التلقائي — هي كادر بصري مليء بالمعاني التي تعكس الإصرار والرغبة في البقاء.
وفي قلب هذه التحولات، تجلت اللحظة بأكملها في لقاء عابر على ضفاف النيل. هناك، على شارع النيل العريق الذي استعاد نبضه، التقيتُ بمصورٍ عجوز يحمل كاميرته كأنه حارسٌ وفِيٌّ لذاكرة المدينة. ضبط زوايا الكاميرا، ووجه عدسته نحوي وهو يبتسم بوقار ويقول لي بكل محبة:
«اضحك… اضحك عشان الصورة تطلع حلوة»
تتحول هذه المقولة العفوية من ذلك المصور العجوز إلى درس حقيقي في التفاؤل والأمل؛ فالابتسامة التي طلبها أمام العدسة لم تكن تجاهلاً لحجم المأساة أو هروباً من الحزن، بل كانت إعلاناً شجاعاً لاستعادة الأمل، ورفضاً لأن تُختصر الخرطوم في صور الخراب والدمار. لقد أدرك المصور العجوز بفطرته أن المشهد النهائي الذي ستحفظه الذاكرة لن يكون كادر الركام، بل وجه الإنسان الذي ابتسم في وجه الظروف… لتظل الصورة جميلة، ناصعة، وشاهدة على حب الحياة.
