في الدولة: نحو منظور آخر لجدل الهويات .. بقلم: عزالدين صغيرون
30 يناير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
26 زيارة
izzeddin9@gmail.com
لقد تم طرح سؤال الدولة غداة الاستقلال على النحو الخاطئ، بل تم طرح السؤال الخطأ. ولذا كان من الطبيعي أن تكون الإجابة خاطئة وذات نتائج كارثية. وتأتي كارثية التأسيس على الإجابة الخطأ من أن الوعي سيتحرك بعد الإجابة الخاطئة إلى السؤال الذي يليه حول بناء الدولة، ولكنه سيفعل ذلك منطلقاً من نقطة الإجابة الخاطئة، ما سيقود الوعي إلى الدوران في حلقة مفرغة لا تقود إلى أي مكان.
فقد سبق سؤال الدولة وهويتها، سؤال الاجتماع البشري. وبالتالي تم تحديد هوية الجنين وتسميته في رحم الغيب، قبل أن يولد. وشرع المؤسسون في بناء الدولة على شفا هذا الجرف الهار.
لذا يمكنك التأكيد بثقة بأنه ثمة خلل وتناقض لازم قيام هذه الدول العربية، بما فيها الدولة السودانية الحديثة. حيث قامت الدولة ككيان سياسي سلطوي أولاً، دون أن تتحرر من عيبها الخلقي الذي أشرنا إليه، وقبل أن تقطع في بنيتها بين ما هو أيديولوجي (ديني، إثني، ثقافي، جهوي ..الخ)، وما هو سياسي.
ومما زاد الطين بلة أنها قامت وأعلن استقلالها، وغدت كيانًا سياسيًا قبل أن يتشكل وعي مواطنيها بوصفهم أمة وشعبًا أو مجتمعًا مدنيًا. على الرغم من أن ذلك – نظريَّاً وعمليّاً – هو الشرط الأول لقيام الدولة. ولذا اشتعلت نار الفتنة حول هويتها حتى قبل أن تنال استقلالها.
وظل سؤال الهوية، هوية الدولة وهوية مجتمعاتها منذ ما قبل الاستقلال وبعده، دائماً هو “شوكة الحوت” العالقة في حلق الدولة التي لا تستطيع أن تبلعها أو أن تخرجها. أو هي بكلمة أخرى، عقدة المنشار التي ظلت تحول دون إكمال دولنتها.
(2)
في غير هذا المكان انتهينا في تشخيصنا لحالة الدولة العربية إلى أنها تعاني من خلل تكويني وقصور بنيوي جنيني مزمن يحول دون اكتمال دولنتها، فهي دولة “خديج”، ولدت قبل أن يكتمل نموها. وإن خداجتها ترجع إلى عيب جنيني خلقي.
والخَدج لغةً هو النقصان. يقال خَدَجَت الحاملُ: يعني ألقت ولدَها قبل تمام أيامه، وإن كان تامَ الخلْقِ. والوَلَدُ مَخدوجٌ، وخَدُوج، وخَدِيج ،وخِدْج. ويقال: خَدَجَ الزَّنْدُ: يعني لم يُخرجْ نارًا. وفي الحديث: (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاجٌ) أي نقصان.
والخُدّجُ في البشر هم الأطفال الذين يولدون قبيل موعد ولادتهم، والنقصان يكون في فترة الحمل – فيولد الطفل قبل إنهاء 37 أسبوعاً من الحمل – قبل دخول الأم شهرها التاسع في الحمل. ويقال عنه في السودان “جنى سبعة”، وهذه صفة تطلق على الصبي الضعيف. وطبيَّاً، يولد الأطفال الخدج بوزن اقل من الوزن الطبيعي لنظرائهم في مثل فترة ولادتهم، وغالباً ما تكون أوزانهم اقل من 2.5 كيلوغرام واحياناً يتسبب نقص الوزن الشديد – اقل من 1.5 كيلو غرام – بوفاة الطفل بعد ساعات من ولادته بسبب الضعف الشديد . وهناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى الولادة المبكرة ترجع في مجملها إلى الجينات والعوامل الوراثية، وإلى الأم وصحتها، إضافةً إلى الأمراض ورحم الأم. وهي كما ترى أسباب ترجع إلى المراحل التكوينيَّة الأولى.
ومثلما ترجع عوامل خداجة الطفل المولود لأسباب نطفية ورحمية، وللعديد من الأسباب التي قد تؤدي إلى الولادة المبكرة. كذلك يمكننا أن نُرجع عوامل وأسباب خداجة الدولة التي تعاني من قصور في دولنتها، إلى ظروف تكونها الرحمي التاريخي ، أي لحظات ما قبل نشأتها.
لا تولد الدولة خديجاً خبط عشواء بلا أسباب ومقدمات، وإنما تصبح في مرحلتها الجنينية خديجاً بسبب خلل أو قصور في ظروف ما قبل دولنتها، أي في مرحلتها السابقة لجنينيتها، أي مرحلتها المنوية/ البيضوية والرحمية. وهو خلل له أسبابه الموضوعية التاريخية، السياسية والاقتصادية والثقافية، التي يمكن تشخيصها وتحليلها ومعرفة مصادرها، والوقوف بالتالي على علاجها.
فعبر مسار تطورها، تتكون وتتشكل الدولة مثل الإنسان تماماً عبر ثلاث مراحل رئيسية كبرى:
* في مرحلتها الجنينية الرحمية الأولى تتشكل بتلاقح وتفاعل الإنسان/ ورحمه.
وفي هذه المرحلة يكون انتماء الإنسان قرابياً، لا يتجاوز روابط العائلة/ الدم/ المجتمع/ القبيلة والجهة. والكيان الجامع للمجتمعات في هذه المرحلة يصفه بيار كلاستر بـ”مجتمع اللادولة”. ولكنه يحمل بذرة الدولة كـ”إمكان”.
* في المرحلة الثانية تتسع قاعدة الانتماء لتشمل الروابط العقدية الدينية والطائفية. وهي علاقات عابرة بطبيعتها للعلاقات القبلية والجهوية، وتبلغ قمة اتساع دائرتها في الأديان التوحيدية، خاصة مع المسيحية والإسلام، اللذان فوق تجاوزهما أطر الانتماء العرقي والجهوي، بشرتا فوق ذلك بالأخوة الإنسانية العابرة للجنسيات والحدود والأوطان، إلا أنها قصرت أواصر الأخوة تلك على اتباع نفس الديانة، في مواجهة من يدينون بأديان أخرى، حتى ولو كانوا ينتمون لنفس الوطن.
* وفي المرحلة الثالثة من مراحل تطور مسارات الانتماء تتسع الدائرة لتصير علاقة تلاقح جدلية أوسع بين ثوابت الجغرافية ووقائع التاريخ، لتتبلور في الدولة القومية، حيث يذوب التناقض والتضاد وتتلاشى الفوارق بين الأديان والإثنيات.
(3)
ويلخص المفكر الراحل سمير أمين مسار القطع التاريخي الذي اتخذته ما يسمى بالدولة القومية الحديثة للانتقال من الطور الديني الثاني، وصولاً إلى دولة الأمة/ القومية الحديثة بقوله: “”إن الثورة البرجوازية طرحت مفهوماً جديداً تمثل فلسفة الأنوار نقطة انطلاقه التي بلغت ذروتها في الثورة الفرنسية. فقد طرحت فلسفة الأنوار مضموناً جديداً للقومية. حيث كانت الشعوب قبل ذلك التاريخ تعيش واقعها على ضوء الوعي بالانتماء الى إحدى الديانات أو الفلسفات الإقليمية الكبرى. فنستطيع أن نتحدث بالنسبة لتلك العصور السابقة على الرأسمالية، عن أمم مسيحية وإسلامية وهندوكية وكونفوشيوسية… الخ، فقد كان لهذه الأمم وجود فعلي، سواء أكانت المنطقة المعينة موحدة نسبياً من حيث نظام الحكم السياسي – وهذه الحالة هي الاستثناء – أم كانت متفتتة سياسياً، وهي القاعدة العامة.
ولكن فلسفة الأنوار جددت الوعي، كي يستجيب الإطار المجتمعي الذي أخذ في التكون في الربع الشمالي الغربي للقارة الأوربية انطلاقاً من عصر النهضة وفتح أمريكا (القرن السادس عشر)، أي الرأسمالية بتعبير أصح. فتبلورت أولى القوميات الحديثة في هذه الأطر المناسبة لنشأة الرأسمالية، وهي إنكلترا وفرنسا بالتحديد. أقول القوميات الحديثة، بمعنى أنها قوميات ازدهرت في ظل إطار الدولة – الأمة البرجوازية التي لا سابق لها في التاريخ.
أضفت فلسفة الأنوار مشروعية لهذه القطيعة في التاريخ. لذلك لم تتطلع الى تكوين الدولة – الأمة البرجوازية الجديدة على أنه ناتج طبيعي للتطور، ولم تؤسس مشروعية القومية على ميثولوجيا بيولوجية مثلاً، بل اتخذت موقفاً مبدئياً معادياً تماماً، وأنمت خطاباً آخر. فأعلنت أن الدولة – المجتمع هذا هو ناتج قطيعة وانعتاق من (الطبيعة). فالمجتمع في منظورها ناتج (عقد اجتماعي) يربط الأفراد بعضهم ببعض. والعقد – كما هو معروف في القانون – هو صلة تربط أحراراً بفعل إرادتهم الحرة. فالقومية، من هذا المنظور، هي فعل عقد اجتماعي، والدولة – الأمة – القالب الذي تتكون القومية من ضمنه – لا وجود لها في غياب هذا العقد، أي دون القرار الواعي من قبل (مواطنين)، وليست ناتج تطور (طبيعي) يفرض نفسه بدون عمل الوعي (1).
هكذا الدولة الحديثة في مراحل تكونها، وهكذا يتطور وعي الأفراد والمجتمعات بهوايتهم، وهكذا يترقى الوعي بالانتماء عبر مراحله، ليستوي الوعي بالمواطنة.
ومن هذا المنظور تنتفي علاقة التضاد والتناقض والنفي التي يفترضها البعض ضربة لازب بين الهويات الصغرى والكبرى، أو بين دوائر الفرد الانتمائية.
فلا تناقض بين يكون الفرد منتمياً إلى قبيلة البرتا أو التعايشة على سبيل المثال وبين أن يكون سودانياً، وتذوب هوياتهما الإثنين في هوية كبرى تجمعهما.
(4)
* ذلك أن تطور الجنين، رغم انبثاقه من التلاقح المنوي/ البويضوي، يُعتبر، على نحو مؤكد، انقطاعاً عنه، ولكنه وصل بذات الوقت…
* كأن تقول: أن الجنين انبثاق من اتحاد البويضة والحيوان المنوي. ولكنه انقطاع عنه بذات الوقت.
* كذلك هو الطفل انبثاق من الجنين، وانقطاع عنه في الوقت نفسه.
والاختلاف بين الجنين والنطفة، والطفل والجنين. مثل الاختلاف بين الشعور بالانتماء الوطني والشعور بالانتماء القبلي.
رغم أن الأول في كل منهما، هو انبثاق عن الثاني. ولكنه بذات الوقت انقطاع عنه.
* فالطفل لا يصير طفلاً مكتملاً، إلا بقطع حبله السري الذي يربطه برحم أمه، وقطع كل علاقة فيزيائية به، حتى لا تبقى سوى العلاقة الرمزية.
* كذلك لا يكتمل الشعور بالمواطنة، إلا بقطع الحبل السري بين الإنسان والرحم القبلي أو الطائفي، ليبقى الأخير راسباً في قاع اللاشعور الرمزي.
* والاختلاف بين الجنين والطفل إنما هو اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع.
* فالطفل هو ذات الجنين … وليس هو.
* والوطني هو ذات القبلي والديني … وليس هو أيضاً.
إلا أن ذلك ليس هو خاتمة المطاف…
إذ حين يتسع الوعي أكثر، ينبثق الانتماء الإنساني الجامع، من الانتماء الوطني، وذلك بأن يقطع الفرد حبله السري بالانتماء الوطني الضيِّق، ليصير انتماءه للإنسانية الأوسع والأشمل.
ولا تقف أو تنتهي دوائر الانتماء هنا، بل تتسع الدائرة ويتحقق لاحقاً الانتماء للحياة والأحياء – في مرحلة تطورية أعلى – منبثقاً من الانتماء للإنسانية، وقاطعاً له بذات الوقت.
وتتحقق بعدها رؤيا محي الدين بن عربي بـ “وحدة الوجود”، وما بعدها.
ولكن فلندع الآن جانباً المراحل الأخيرة لأنها مقامات ممعنة في الفردية، ولنعد إلى الدولة، لنقارب وجودها الفلسفي. ولا بأس أن نتوقف قليلاً عند فكرة هيجل، التي رغم مثاليتها التي تدمغها بعض التيارات المادية بها. إذ أنها تعطي فكرة متماسكة عن ماهية الدولة.
(5)
فالدولة على ما يرى هيجل هي المقام الأقرب والأكثر عينية الذي تتحقق فيه “الروح” أو “ماهية العقل”.
فما هي طبيعة الروح أو ماهية العقل؟
إنها عكس طبيعة المادة.
فإذا كانت ماهية المادة الثقل، فإن ماهية العقل هي الحرية.
” فعلى المسرح الذي نشاهد الروح عليه، وأعني به: التاريخ الكلي، تكشف الروح عن نفسها في حقيقتها الأكثر عينية” (3).
وتاريخ العالم هو مسار تكافح فيه الروح لكي تصل إلى الوعي بذاتها، أعني لكي تكون حرة، ومن هنا فإن التاريخ هو ليس إلا تقدم الوعي بالحرية.
* فما هي الوسائل التي تستخدمها الروح لكي تتحقق بالفعل في العالم؟
يقول: إن الروح تكون في الأصل أشبه بالبذرة، يعني “جوانية” غير متطورة، ثم تبدأ بالنمو وتطوير نفسها شيئا فشيئا مستخدمة في ذلك وسائل، هي على العكس، “خارجية” وظاهرة، تتمثل في التاريخ أمام أنظارنا.
يعتقد هيجل أن الدوافع الجزئية والاهتمامات والرغبات الشخصية، وهو ما ينظر إليه أحياناً نظرة احتقار باعتباره الجانب السيئ القبيح من الشخصية الإنسانية، هي محرك سلوك الأفراد بالطبع. وهي كما يعتقد هيجل، جانب أساسي في وجود الفرد، وهو يطلق عليه اسم الجانب “الذاتي” أو الصوري أو الشكلي، على اعتبار أنه الجانب الداخلي في الفرد الذي لا يُعرف إلا إذا ظهر وتحقق بالفعل. ويقول هيجل إنه لو اتحد هذا الجانب الذاتي، مع الغاية العامة للدولة بحيث يجد كل منهما في الآخر اشباعه وتحققه الفعلي، فإن الدولة في هذه الحالة تكون قد أُسست تأسيساً قوياّ متيناً. واللحظة التي تصل فيها الدولة إلى هذا الانسجام – بين المصلحة الخاصة للمواطن والمصلحة العامة للدولة – هي فترة ازدهارها وقوتها واكتمالها.
ولكي يتحقق هذا الانسجام فإنه يحتاج إلى صراع طويل وشاق يقوم به العقل لكي يكشف عن النظم السياسية التي يتحقق فيها هذا الانسجام المنشود، كما يحتاج إلى تربية وترويض للحاجات الأنانية والمصالح والانفعالات الجزئية.
وهي مشقة ومعاناة محفوفة بالألم، تشبه صدمة الولادة معاناة الجنين حين يخرج من ضيق الرحم وظلامه إلى اتساع العالم وأنواره.
أو معاناة الطفل حين يمر عابراً جسر المراهقة وتجاربها الفسيولوجية والوجدانية والنفسية المضطربة الحادة، إلى مرحلة الرجولة والأنوثة الكاملتين .. فالنضج.
وعلى هذا النحو تتشكل الدولة جنينيَّاً بشكل صحي سليم ومكتمل. ذلك لأن الإرادة التي تطيع القانون وتخضع له هي وحدها الإرادة الحرة، لأنها تطيع نفسها، حين تخضع إرادة الإنسان الذاتية للقوانين، فيتلاشى التعارض بين: الحرية والضرورة الخارجية المتمثلة في القوانين كما يرى هيجل.
هما جانبان أساسيان إذن: الجانب الجزئي ثم الجانب الكلي المجرد، ومنهما يتألف نسيج التاريخ وتقوم الدولة.
وهذا هو العنصر الثالث، وهو الشكل الذي تتحقق فيه الروح.
وهذا الشكل لا بد أن يكون وحدة للإرادة الذاتية والإرادة الموضوعية..
وهذه الوحدة لا تتجلى إلا في الكل الأخلاقي أو الدولة: فهي الحقيقة الواقعية التي يجد فيها الفرد حريته الخاصة، بشرط أن يعرف ما هو مشترك للكل.
ومن هنا كانت الدولة هي وحدة الأخلاق الذاتية والأخلاق الموضوعية أو التحقق الفعلي للحرية… إذ فيها تبلغ الحرية مرتبة الموضوعية. (4)
(6)
وبالطبع فإن السير لتحقيق هذه الدولة التي يتحقق فيها هذا الانسجام المنشود بين المصلحة الخاصة للمواطن والمصلحة العامة للدولة هو سير سرمدي ، ليس له نهاية إلا في الرؤى الدينية المتفائلة بنهاية سعيدة على الأرض، حيث يرعى الذئب والشياه ويلعب الطفل والثعبان. إلا أن سيزيف سيظل لتحقيقها، مثابراً بعناد بطولي، أن يرفع الصخرة لقمة الجبل، وليس في الأفق المنظور ما يشير إلى أنه سيكفّ عن المحاولة !.
وإذن فالدولة ليست كياناً طبيعياً جاهزاً معطى. ولكن يصنعها الناس الذين يقطنون رقعة جغرافية محددة ويتوافقون على إقامتها لتحقيق مصالحهم المشتركة.
ولكي يصنعونها فإن هذا يحتاج جهداً جهيداً ومشقة وتضحيات جسام تستدعي أن يتنازلوا لأجلها من هوياتهم الصغرى (الدينية، القبلية، الإثنية، الطائفية) لتحل الدولة مكانها. كما تستدعي أن يخضعوا رغباتهم الشخصية لإرادة القانون.
ولا تستطيع الدولة أن تتبوأ هذه المكانة في نفوس من ينتسبون إليها كشركاء متساوون دون أن تحقق لهم مصالحهم على قدم المساواة. وبالتالي، ولكي تحقق الدولة ذلك فإنها يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع مكوناتها/ مواطنيها. متعالية على الهويات الصغرى (دينية، عرقية، قبلية، طائفية، ثقافية، جهوية ..الخ) لمواطنيها.
نزعتان تعترضان مسار الدولة للمضي قدماً في هذا الاتجاه واستكمال دولنتها:
– الجشع والرغبة في السيطرة من مكون ديني أو عرقي أو ثقافي ..الخ، على الدولة. للسيطرة، وفرض سلطته على بقية مكونات الدولة.
– الخوف من أن تجرد الدولة بهيمنتها وسطوتها وسلطتها الكلية بقية المكونات الأخرى من هوياتها، وتجعلهم مجرد تابعين بلا هوية وخصوصية ثقافية.
ويفوت على هؤلاء الأخيرين أن الدولة ليست تسلطية لدرجة أن تطالب مواطنيها بسلخ جلودهم والتخلي عن هوياتهم الصغرى.
ولكنها تشترط أن يتم ذلك داخل إطارها الجامع، مع كفالة حقهم في ممارسة أديانهم وطقوس طوائفهم وتطوير لغاتهم والتعبير عن ثقافاتهم بحرية، وبما يحقق مبدأ المساواة بين مختلف الهويات والثقافات.
وهي تتيح لهم، وبذات الوقت، التعبير عن أنفسهم – وقد “تدولنوا” – من خلال مؤسسات ومنظمات مجتمعاتهم المدنية والسياسية (برلمانات، أحزاب، نقابات، جمعيات، وروابط ونوادٍ ومراكز علمية وثقافية واجتماعية ورياضية وفنية..الخ).
والدولة في ذلك لا تطرح نفسها كبديل لهوايتهم الصغرى، أو نافية ولاغية لها، ولكن كهوية أوسع وأرفع وأشمل، تحتوي داخلها هوياتهم الصغرى، وتكفل حقها في الحياة والتطور، وتكفل حرياتها على قدم المساواة.
لنأخذ مثالاً من الاجتماع السوداني للتشبيه وتقريب الصورة:
لقد لعبت “الطرق” الصوفية في سودان العصر الوسيط دوراً محورياً في توسيع دائرة الانتماء يتجاوز الهويات القبلية ويتعالى على أطرها الضيقة، حيث يتسع محيط الطريقة لأفراد ينتمون إلى قبائل شتى. وقد ساعد شيوخ وأقطاب الطرق الصوفية هذا النفوذ على فض النزاعات بين زعماء القبائل والمشيخات والممالك في العصر السناري، فقد كانوا “ذوي نفوذ لملوك الفونج والأمراء التابعين لهم، ليس في المجال الروحي فحسب، ولكن في مضمار السياسة أيضاً .. وكانوا يتمتعون بالحظوة لدى الحكام، والحب والتقدير من قبل الأهالي”(3).
وبتجاوزها الأطر الدينية والطائفية قياساً بمثال الطرق الصوفية هذا تصير الدولة بمثابة “الطريقة الأكبر” والأوسع التي تحتوي وتشتمل كل الانتماءات والهويات الأصغر.
فالدولة تمثِّل تلك الهويات وتحتويها .. ولكنها ليست هي.
تحتل هوية “الفرد المدولنة” موقع الصدارة، وتنزل هويته الأصغر، درجة أقل، لتصبح وجوداً رمزياً.
مثلما ينبثق الجنين – كما أشرنا قبل – من النطفة الرحمية، فيكون هو هي. وليس هي.
(7)
فهل هناك هذا النمط من الدولة الحديثة بين الكيانات المسماة دول عربية، بما فيها الدولة السودانية؟.
في الواقع لا توجد.
واقع الأمر أن العرب، أو من يتسمون بهذه الصفة، لا يمتلكون مثل هذا النوع من الدول الحديثة، وإن ما بين أيديهم لا يعدو أن يكون أوهاما. أو “أشباه” دول. ينبطق عليها ما قاله الصحفي الأمريكي توماس فيردمان: “إن الدول العربية هي مجموعة من القبائل بأعلام مختلفة”.
لذا عندما يحدد الزعيم إسماعيل الأزهري هوية الدولة التي لم تنل استقلالها بعد، مسبغاً عليها هوية مكون واحد من مكونات هوياتها الأخرى المختلفة، وكأنه يسمي الجنين الذي لم يخرج من ظلمة الرحم، ولم تتحدد هويته بعد. فإن هذا لا يثير السخرية والضحك فقط، بل ويثر الغيظ والغضب. ولذا لا تتعجب إذا لم تستقر الدولة هذه يوماً، دع عنك أن تنمو وتتطور قدراتها التنافسية بين الدول.
ببساطة لأنها دولة عصبية وقهر واستبداد.
هوامش
(1) سمير أمين، حول مفهوم القومية، الحوار المتمدن، العدد: 1167، بتاريخ 2005 / 4 / 14، الفصل الثامن من كتاب ’’ في مواجهة أزمة عصرنا‘‘.
(2) ج. ف. هيجل، العقل في التاريخ: محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير /بيروت، الطبعة الثالثة 2007م، ص(86).
(3) هيجل، سابق. نفسه.
(4) محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900 – 1969م، الدار السودانية للكتب، الخرطوم/ السودان، 1400هـ – 1980م، ص: 13.