في تمجيد الوقفة المستنيرة: دفاعًا عن الدكتور عبد الله علي إبراهيم

habusin<habusin@yahoo.com
​حاتم أبوسن

من السهل أن تتخذ موقفًا في لحظة ضبابية، أن تنحاز إلى ما يبدو إنسانيًا على السطح، بينما تغفل عن التراكمات العميقة تحت جلد الحكاية، لكن الأصعب هو أن تُبقي بوصلتك موجهة نحو قلب الحقيقة، مهما تعاظمت الأصوات المرتابة حولك. الدكتور عبد الله علي إبراهيم لم يسقط كما يدّعي خصومه، بل وقف، كالسيف وحده، حين تعثّر الكثيرون، وقال كلمته حيث ابتلع الآخرون ألسنتهم تحت ضغط المزاج العام أو الخوف من فقدان رمزية سياسية متخيلة. الهجمة على الدكتور عبد الله ليست نقدًا بل استهدافاً ممنهجا و محاولة لهدم عمود أخلاقي ظل ثابتا رغم اشتداد العاصفة.

لقد ظل البعض يستخدمون مفاهيم فضفاضة لتأثيث حالة من الإدانة الشاملة لأي صوت يجرؤ على الوقوف في صف الدولة حين تتعرض لهجمة مسلحة، بلغة لا تخلو من تحامل أيديولوجي وتاريخي. ولكن إنزال مفهوم السقوط علي موقف الدكتور عبد الله هو في ذاته تسطيح لمعنى الوطنية، وإعادة إنتاج لشروط الفوضى المغلفة بالشعارات. فهل يصبح الدفاع عن جيش بلدك، ضد ميليشيا ولدت من رحم الفساد والانقسام، تهمة؟ وهل صار الانحياز لسيادة الدولة سقوطًا؟ بأي منطق تُقلب القيم بهذه الصورة الكاريكاتيرية؟

إن ما يفعله الدكتور عبد الله هو إعادة ترسيخ للموقف الوطني الصلب، لا عبر الشعارات الجوفاء بل من خلال حفر معرفي عميق في تاريخ الدولة السودانية، وتفكيك دقيق لأوهام الثورة المستباحة، واستبصار صارم بحقيقة القوى التي تسعى لتفتيت ما تبقى من بنية الدولة. من ذا الذي يجهل أن الدعم السريع ليست جماعة سياسية، بل ميليشيا تشكلت كذراع قمعي خارجي عن مؤسسة الدولة؟ من ذا الذي لم يشاهد مسرح الجرائم المفتوحة من نيالا إلى بحري؟ من أين تستمد هذه الجماعة شرعيتها إن لم تكن من السلاح والبطش؟ كيف يمكن لمثقف أن يقف على الحياد بين دولة وجماعة تشن حربًا على الدولة؟

من يتهم عبد الله علي إبراهيم بـالسقوط يتجاهل عن عمد تاريخه الفكري الممتد، ومواقفه النقدية الحادة منذ الستينيات. لقد كان، وما يزال، من القلائل الذين امتلكوا شجاعة المراجعة دون الوقوع في الابتذال، والذين استطاعوا أن يحتفظوا بالصلابة الفكرية دون أن يتكلسوا داخل قوالب أيديولوجية. هذا الموقف بالذات، تأييده للدولة في مواجهة ميليشيا الدعم السريع، ليس انحرافًا عن خطه الفكري، بل امتداد له. لأن المشروع الوطني، كما يفهمه الدكتور عبد الله، لا يمكن أن يُبنى فوق رماد الفوضى، ولا أن يُرتهن لمن يحمل السلاح باسم التغيير.

ولعل ما لا يدركه خصومه أن المثقف الذي يلتزم الصمت في لحظة انهيار الدولة، خوفًا من فقدان جمهوره أو من الابتعاد عن الترند، هو المثقف الذي سقط بالفعل. أما من ينطق بالحقيقة، ولو كانت مرة، فهو الذي يستحق الاحترام، لا من يلوّن خطابه ليرضي جمهورًا افتراضيًا أو مزاجًا عابرًا. لقد أصبح من المألوف أن نرى المثقف يقايض قناعاته مقابل البقاء في منطقة الراحة الأخلاقية، ولكن الدكتور عبد الله اختار العكس تمامًا: أن يقف على الحد القاطع بين المواقف، ويقول كلمته دون مراوغة. وهذه هي البطولة الحقيقية.

ليست القضية في تأييد الحرب من عدمها، بل في فهم المخطط الكبير وراء هذه الحرب و ضرورة القتال من أجل السلام و خطورة التهاون في الدفاع عن الوطن و ضرورة دعم من يبذلون الغالي و النفيس دفاعا عن هذه البلاد.

إن من يهاجمون الدكتور عبد الله اليوم لابد ألا يستسهلوا الأمر و ان ينظروا و يضعوا في الإعتبار مساهماته الأكثر أهمية في تاريخ الفكر السوداني و في قضايا الهوية السودانية. فالمواقف لا تقاس بمعيار القرب والبعد من مزاج الجماعة بل إن واجب المثقف الوطني أن ينحاز للحق فقط.

إن الدفاع عن الدكتور عبد الله علي إبراهيم ليس دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن نموذج نادر لمثقف عضوي ظل يكتب ويفكر ويتخذ المواقف، دون أن يتحول إلى بوق لأي سلطة أو تيار. الذين يهاجمونه اليوم لا يفعلون ذلك لأنهم أكثر حرصًا على الوطن أو أكثر التزامًا بالمبادئ، بل لأنهم يخشون أن تكشف مواقفه تناقضاتهم. إن صوت الدكتور عبد الله هو صوت العقل حين يُجلجل في وادٍ يسيطر عليه صراخ الغضب والتشظي. وإن وقفته، مهما كرهها البعض، هي الحصن الأخير الذي يُذكّر الناس بأن المثقف لا يُستعبد لرأي الجمهور، بل يُمتحن في لحظات الانقسام الحاد.

من يتهم الدكتور عبد الله بالسقوط، عليه أولًا أن يشرح لنا على أي أرضية يقف، وأي مشروع يدافع عنه، وما الذي تبقى من ثوابت في ظل تقطيع البلاد وتقسيم أهلها وتحويل المدنيين إلى رهائن.الدكتور عبد الله، فقد اختار أن يقف في المكان الصعب: مكان قول الحقيقة في وجه الغوغاء، ومواجهة العدو، والانحياز للجيش لأنه هو ما تبقى من الدولة التي يجب أن تستمر حتى نصل إلى إصلاحها لا هدمها. وهذا الموقف هو الوطنية بعينها.

عن حاتم أبوسن

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …