في ذكرى برنامج 9 يونيو 1969 : يا جوزيف .. أنعم صباحاً.. ومساءً .. بقلم: عبد الماجد بوب – كلفورنيا

الحمد لله، لا زال بيننا محققون فى مثل عناية الدكتور عبد الله على ابراهيم  ومثابرته، واتقان حرفته، ورهافة حسه، تجاه الأحداث التاريخية الدقيقة التى يمر عليها جلنا مرور الكرام. وهو بلا محاباة انسان منقطع للعلم والتمحيص فى وقائع التاريخ المعاصر على وجه الخصوص، ومنذ سنى دراسته فى عطبرة الثانوية وجامعة الخرطوم فيما بعد. وكانت من بين تجلياته هذه المرة أن أعاد علينا ذكرى اعلان 9 يونيه 1969، الذى منح الجنوب حكماً ذاتياً، ربما كان من شأنه أن يدرء عنا كثيراً من الاحن التى نكابد لتجاوزها.
واعلان 9 يونيه واحدة من المأثر الكبرى للشهيد جوزيف. فقد وقف فى زمن مبكر مؤيداً لاستقلال السودان، بينما وقف السواد الأعظم من السياسيين الجنوبيين خلف بوث ديو وحزب الجنوب الليبرالى الذى وضع العراقيل لتطيل الاستقلال. وجوزيف – كما ذكر ابيل الير، كان طليعياً منذ أيام الدراسة الثانوية فى مدرسة لوكا. واستمر على ذلك المنوال فى فترة دراسته فى كلية القانون – جامعة الخرطوم، وكان بذلك أول طلب جنوبى من خريجيها. قبل أن يلحق به أبيل الير وناتلى الواك وصمويل لوباى. وقبل أن ينهى دراسته الجامعية انضم جوزيف الى الحزب الشيوعى السودانى، وتدرج الى أعلى المسئوليات فى قيادته، وصدرت له مقالات هامة بشأن قضية الجنوب. وأبدى شجاعة فائقة بأن تحدى النخب الجنوبية الى التأمل فى الاسباب التاريخية للتخلف الاقتصادى والاجتماعى فى الجنوب، والأسباب التى وضعت صفوة الشماليين المدنيين والعسكريين فى موضع الهيمنة الاقتصادية، ووصدرت له فى عام 1961 مقالته المعروفة ‘أزمة المثقفين الجنوبيين .. مالها‘. وفى اعقاب ثورة اكتوبر قدم ورقة رصينة عن ‘الاقتصاد والحكم الذاتى الاقليمى‘.
قليلون هم من أمثال جوزيف ممن تجسدت فى شخوصهم الوطنية السودانية الواسعة بكل تجلياتها الثقافية، والاثنية، والسياسية. ومما يحز فى النفس أن جوزيف ظل طوال حياته العملية هدفاً للعداوة الجائرة. المثقفون الجنوبيون يرون بأنه باع نفسه للشمال. وحكومات الشمال المتعاقبة لم تكف عن ملاحقته وتحديد اقامته بسبب انتمائة للحزب الشيوعى، والكنيسة الكاثوليكية كانت ترقب نشاطه فى واو فى فترة العطلات المدرسية بمزيج من الحذر والملاحقة خوفاً من تأثيره على الشباب الجنوبيين. وقد حكى الدكتور خالد حسن التوم الذى عمل طبيباً فى مدينة واو أن أحد القساوسة قام برسم طائرة تتأهب للاقلاع من مطار واو بينما بدت ملامح لشاب – هو جوزيف – قابع بداخلها، وامعاناً فى الحقد والأذى، رسم القسيس صورة لحمار يهنق قبالة الطائرة وكتب عليها بدون مراعاة لتعايم المسيحية الداعية للاخاء والتسامح والمحبة “قطر يودى .. وما يجيب!”.
ومن المفارقات النادرة أن الكنيسة الكاثلوكية سعت الى جوزيف ليتولى الدفاع فى سنة 1954 وجوزيف، لما يزل طالباً جامعياً، دعا حزب الجنوب الليبرالى الى عقد مؤتمر جوبا الثانى. وكان الهدف منه ابطال قرارات مؤتمر جوبا الأول (1947) الذى تبنى قراراً بأن يظل الجنوب جزءً من السودان الشمالى. ولمعارضة الداعين الى ذلك المؤتمر قاد جوزيف بدوره الدعوة الى مؤتمر مناوئء فى مدينة واو (اكتوبر 1954). لا عجب اذا صار فيما بعد هدفاً لكره وعداء القوميين الجنوبيين (الانفصاليين)، بقيادة الأب سترنينو لوهرى، وازبون منديرى، وجوزيف ادوهو، وبوث ديو. والأخير هزته أحداث جوبا والخوف من جره الى المحاكمة فى أحداث حامية توريت والتمرد الذى استشرى فى عددا من مدن الجنوب، وأدى الى وفاة المئات من الشماليين والجنوبيين. فأسرع مهرولاً الى حزب الأمة. ومن ثم انخرط فى خدمة الحكم العسكرى الأول 58 – 1964. بينما وقف جوزيف أدوهو قاب قوسين أو أدنى من حبل المشنُقة.
كتب الدكتورعبد الله قبل بضعة أيام حول برنامج 9 يونيو 1969 الذى يعد مأثرة من ماثر عديدة وعظيمة للشهيد جوزيف قرنق. وقد نص البرنامج على منح المديريات الجنوبية حكماً ذاتياً فى اطار السودان الموحد. ولم يكن اعلان تلك الخطوة أمراً هيناً. فقد سبقته صراعات ممتدة منذ تكوين جبهة القوى الاشتراكية المؤيدة لترشيح القاضى بابكر عوض الله لرئاسة الجمهورية، منافساً للسيد اسماعيل الأزهرى، والامام الهادى المهدى. واللجنة السياسية لدعم القاضى الجليل ضمت بالاضافة الى  بابكر عوض الله نفسه،عبد الخالق محجوب، أمين الشبلى المحامى، مكاوى مصطفى ومحجوب محمد صالح وربما أخرين. وتضمن البرنامج السياسى نصاً بمنح الجنوب حكماً ذاتياً اقليمياً.
القاضى بابكر عوض الله – أطال الله عمره اذا كان حياً. حجب عن مؤيديه فى الجبهة الاشتراكية الداعمة له، تواطأه مع ثلة من العسكريين ذوى الميول القومية العربية للاطاحة بالدستور والحكومة التى انتخهبها الشعب انتخاباً ديمقراطياً. علماً بأنه استقال من ولاية القضاء محتجاً على تعدى السلطة التنفيذية على الدستور. وكانت استقالته كتاباً ينضح بالاستقامة والحكمة والتجرد دفاعاً عن أهم أركان الحكم الديمقراطى.
 فى صباح 25 مايو 1969 قرأ القاضى بابكر عوض الله الخطاب الأول للانقلابيين، الذى تضمن حرفاً حرفاً برنامج اللجنة السياسية الداعمة لترشيحه فى انتخابات رئاسة الجمهورية. ومنذ الوهلة الأولى تفاجأ كثيرون بأنه لم يتطرق الى مشكلة الجنوب وبرنامج الحكم الذاتى الاقليمى المقترح لحلها. والقوميون العرب بمختلف مسمياتهم ‘يتأففون‘ عن ذكر أى شكل من أشكال الحكم الذاتى للمجموعات القومية الكبيرة باعتباره يباعد بينهم ومشروعهم الأعظم لاقامة الوحدة العربية.
دارجدل حامى بين القوميين العرب من الوزراء وأعضاء من مجلس الثورة من جهة والشيوعيين ومؤيديهم من جهة أخرى. وتصدى جوزيف وابيل الير للدفاع عن حق المواطنيين الجنوبيين فى ممارسة الحكم الاقليمى الذاتى، الذى يراعى حقائق التاريخ وخصائص المديريات الجنوبية الثلاث. وأعلن الحزب الشيوعى بأنه سيقوم بسحب وزرائه من حكومة مايو. والسواد الأعظم من السودانيين هللوا بخاطر طيب للحكم الاقليمى الذاتى للجنوبيين، باعتباره مفتاح الحل لانهاء الحرب الأهلية، وتمتين الثقة والتأخى فى اطار السودان الواحد. وعارض بعض اعضاء مجلس الثورة العسكريين من ذووى الميول القومية العربية مطلب الحكم الذاتى, باعتبار إن مشكلة جنوب السودان لا تحل الا عن طريق ‘فوهة البندقية‘. وكان الراحل محمد أحمد محجوب زعيم المعارضة بعد الاستقلال قد أطلق عبارة مفادها أن “الجنوبيين لا يفهمون الا لغة الحديد والنار!”.
واعلان 9 يونيه 1969 حدد معالم الطريق الذى أفضى الى اتفاقية أديس أبابا. وكان لجوزيف قرنق الفضل الأول فى تمهيد الطريق اليها من خلال لقاءات فى لندن مع ممثل حركة انيانيا أنذاك مادينج دى قرنق وكذلك بيتر وول وول ممثل الحركة فى فرنسا. ومن نتائج تلك اللقاءات والجهد الكبير للطرفين كتب مادينج الى قائد أنيانيا، جوزيف لاقو قائلاٍ “فى نظرى و بيتر وول بأن السلام اذا لم يتحقق فى ظل الحكومة الحالية فى الخرطوم، فربما لا يتحقق فى أمد قريب.” وجاء الرد سريعاً من لاقو بتفويضهم لاتمام مهمتهم، على بركة الله.
وفى لندن تمت دعوة جوزيف لمخاطبة مجلس العموم البريطانى لشرح موقف حكومة السودان تجاه الجنوب واحلال السلام. فحدثهم جوزيف عن نشأته وتعميده فى كنف الكنيسة الكاثلوكية. وبأنه أهتدى بأن المشكلات التى قادت الى الحرب فى الجنوب يتحمل مسئوليتها الاستعمار البريطانى فى المقام الأول. وأن التخلف الاقتصادى والاجتماعى قد تسبب فى عزل جنوب السودان عن المجرى العام للتطور فى العالم. ونفى أن تكون مسألة الانتماءات الدينية المتباينة والثقافية والاثنية، بين الشمال والجنوب أساساً للانفصال. وذكر بأنه فى موضع مسئوليته استمع الى ادعاءات بأنه يرهن تطبيق الحكم الذاتى حتى تتكون طبقة عاملة فى الجنوب، علماً بأنه من صاغ مشروع الحكم الذاتى الاقليمى ويدرك تماماً العقبات التى تقف فى طريق انفاذه.  
عصر يوم 22 يوليو 1971، وبعد هزيمة انقلاب الرائد هاشم العطا، توجه جوزيف لالقاء نظرة أخيرة على مولوده وزوجته فى مستشفى الدايات. وطمأنها بأن كل شىء سيمضى بسلام؟ وتقول زؤجته بأن الاطباء الذين أشرفوا على ولادتها أطلقوا على ابنها اسم الحارث الذى سار عليه فيما بعد.

 aalibob@sbcglobal.net
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً