(1)
كنت أمس الأول في زيارة لقصر وستمنستر في مسألة لا علاقة بها بالفضيحة التي عصفت بأم البرلمانات في الأيام القليلة الماضية بعد أن بدأت صحيفة “ديلي تلغراف” في نشر تفاصيل مصروفات النواب التي تتحملها الخزانة العامة عنهم. ولكن كان من المستحيل ألا يتطرق النقاش إلى القضية التي كانت تشغل الجمهورمن حولنا ونحن نجلس في مقهى البرلمان. وكان مضيفي غاضباً أشد الغضب على زملائه الذين يعتقد أنهم مرغوا سمعة السياسة والسياسيين في الوحل.
(2)
جوهر المشكلة التي يدور حولها الجدل هي إساءة عدد كبير من البرلمانيين (ومن بينهم وزراء كبار) للنظام الذي يسمح للنواب بالمطالبة بنفقات مسكن ثان، باعتبار أن النائب ينتخب في العادة من دائرة في الأقاليم ويحتاج لأن ينتقل بين دائرته والعاصمة بصورة منتظمة. ولكن كثير من النواب توسعوا في مفهوم المسكن، فضمنوا في نفقاتهم حتى الأثاثات غير الضرورية، بينما اتخذ بعض نواب ضواحي لندن مساكن إضافية رغم سهولة الانتقال من مساكنهم الأصلية إلى وستمنستر.
(3)
اختلفت أنواع التجاوزات موضع النقد بحسب “الطبقة” التي ينتمي إليها النائب. فنواب حزب العمال ومتوسطي الحال من غيرهم سعوا إلى المطالبة بأقصى ما يمكن المطالبة به من نفقات، وتربح بعضهم من بيع منزله بعد تحسينه على حساب دافع الضرائب. أما أثرياء المحافظين فاتهموا بالإغداق على أنفسهم عبر الصرف على مساكنهم الريفية الفخمة، وعلى ملاعب التنس وحمامات السباحة، وغير ذلك من دواعي الترف التي تذخر بها تلك المساكن.
(4)
كما يردد معظم من وردت أسماؤهم في ملف الفضائح هذا، فإن أياً منهم (ما عدا استثناءات محدودة) لم يرتكب مخالفة قانونية أو مخالفة للوائح، وإنما تصرف داخل تلك اللوائح للاستفادة الشخصية القصوى وفي مخالفة لروحها. البعض مثلاً كان يطلق صفة “المسكن الثاني” على أحد منازله، ثم يقوم يسمي غيره مسكناً ثانياً لينفق عليه.
(5)
مع ذلك سارع قادة الأحزاب الثلاثة الكبيرة بالاعتذار للشعب عن تصرفات أنصارهم، وزاد زعيم حزب المحافظين فأمر كبار أعضاء حكومة الظل بإعادة أي مبالغ حامت حولها شبهة إسراف أو تجاوز. مثل هذا التجاوب مع الرأي العام أمر لا بد منه في أي نظام ديمقراطي بعد أن عبر المواطنون عن امتعاض كبير من بذح وترف النواب في وقت تعاني فيه البلاد من عقابيل الأزمة الاقتصادية، ويعيش فيه الناخبون على الكفاف ويواجه مئات الآلاف خطر فقدان وظائفهم إن لم يكونوا قد فقدوها فعلاً.
(6)
بالمقابل قد يتفق كثير من المسؤولين العرب مع رئيس البرلمان البريطاني وعدد من النواب ممن كانت شكواهم تركز أكثر على تناول الإعلام للقضية وتسريب المعلومات التي قاوم البرلمانيون نشرها للصحيفة المعنية بدون إذن أوتفويض. فعند البعض المسألة ليست في ارتكاب الجرم ولكن في “التشهير” بالجاني.
(7)
في أنظمة القهر إياها، فإن الحكام، حتى في النظم التي تسمى جمهورية (أو “جملوكية” حسب تعبير سعد الدين ابراهيم) فإن الحاكم يعتبر المال العام ملكية خاصة والحكم شأناً عائلياً. ومن هذا المنطلق فإن الإسراف في الاغتراف من المال العام بغير حساب يعتبر الأمر الطبيعي، بينما يعتبر ما ينفق في الشأن العام أو يذهب لمستحقيه “مكرمة” من الحاكم بأمر نفسه، يستحق عليها الشكر والثناء والعرفان!
(8)
هذا لا يمنع أن الشعوب حتى في تلك الدول تعرف وتتابع وتحكم. ففي كل بلد عربي تطارد الإشاعات الحكام وبطانتهم، وتحصي قصورهم ووجوه بذخهم، وتتابع ما تلقوا من عمولات وما دخلوا فيه من صفقات، ولا توفر حتى حياتهم الخاصة ومغامراتهم التي يخالوها سراً مكتوماً. ولا شك أن كثيراً مما يروج في هذه الإشاعات هو من نسج الخيال أو فيه كثير من المبالغة، ولكن المشكلة تتلخص في انعدام الثقة في ذمم هؤلاء الحكام، والاحتقار الذي يكنه العامة لهؤلاء الجبابرة المتغطرسون، وهي مفارقة تدعو للتأمل.
(9)
قد يختلف مفهوم الفضيحة من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، لأن ما يعتبر إثماً ومنقصة يختلف باختلاف الزمان والموقع. ولكن الحديث الشريف الذي يقول إن “الإثم ما حاك في الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس” ينطبق على كل زمان ومكان. فالإثم هو في كل حال ما يخجل صاحبه منه.
(10)
الفرق بين الأنظمة الديمقراطية وبين أنظمة الاستبداد هو أن الأولى تتيح للهواء الطلق أن يسري في جنبات الهيكل السياسي فيطهره دورياً من شوائبه، بينما الثانية تترك الفساد يتعفن وينخر في جسم الدولة والأمة حتى ينهار البناء بما عليه. وعليه فإن رفع ستار السرية عن نظام استرداد النفقات في البرلمان البريطاني سيساعد في تعميق الديمقراطية عبر مزيد من الشفافية، وإن كان الكثير من النواب (خاصة في حزب العمال) سيدفعون ثمناً باهظاً لهذه التجاوزات الصغيرة بفقدان مقاعدهم البرلمانية والانضمام إلى طابور العاطلين بعد الانتخابات القادمة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم