بسم الله الرحمن الرحيم
قلّنا أن النخبة المدينية ، أسهمت بشكل كبير فى تأسيس وتطوير التجربة الغنائية للأستاذ عبد الكريم الكابلي ، نسأل الله أن ينزّل على قبّرهِ الرّحمات و الشآبيب الرُّضاب . لذا فإن الوقوف ـ من باب العرّفان ـ على تكوين هذه النخبة أو بالأحّري النخب من الأهمية بمكان ، والأهم من ذلك تبّيان أثرها _ من ناحية إختيار المفردة واللحن وحتي طريقة الأداء _ فى منتوج الكابلي الغنائي و الفني . صحيح أن الكابلي بدء الغناء و هو فى الثامنة عشر من عمره بين أضرابه ومجايليه فى بورتسودان وبعض مدن الشرق ، إلا أن موهبته الحقيقة لم تبنّ نواجزها إلّا عقب مجيئه للعاصمة الخرطوم ، للإلتحاق بمدرسة التجارة الثانوية فى أم درمان فى النصف الثاني من الأربعينيات وبداية عمله بالمصلحة القضائية فى العام 1951.
الشاهد أن عشّرية الخمسينات كانت فترة للنجومية الغنائية ، لا سيما بعد رسوخ تلك اللونية الجديدة فى الميلودي و الأداء ، أو ما أطلق عليه بين الجمّوع بالغناء الحديث ، وما صاحبه كذلك من لونية جديدة فى الشعر الغنائي lyrics . حيث يقول الدكتور الفاتح حسين ، أنّه لولا جهود و إبداعات عازف الكمان السّر عبدالله و إسماعيل عبدالمعين وإبراهيم الكاشف و حسن عطّية وأحمد المصطفي والتاج مصطفي و عثمان حسين و سيد خليفة و آخرين مبدعين ، لظلّ الغناء و الموسيقي السودانية تقف حتي يوم الناس هذا علي مدرسة الحقيبة و طريقة أداءها المميزة .
تكوّنت المجموعة المحيطة بالإستاذ عبد الكريم الكابلي في مرحلة البدايات ، من زملاء العمل في المصلحة القضائية و نفر من الموظفين في المصالح الحكومية الأخري والأصدقاء المقرّبين من الأهل و الحي ، وفي مرحلة لاحقة شملت المجموعة عدد من المثقفين والشعراء و الموسيقيين والمغنيين والضباط ورجال الأعمال و وجهاء المجتمع . المعاصرون لهذه المرحلة أشاروا أن إبداع الكابلي تفتّق من خلال جلسات السمر وإحياء المناسبات الخاصة ، و التي كان يردد فيها أغاني الفنانين الذين سبقوه ، بتشجيع من الزملاء والأصدقاء ، ومما يجدر ذكره أن المحيطين بالأستاذ حرصوا أن يكون للكابلي أغنياته الخاصة ، هذا بالتوافق مع حرصه شخصيا أن يكون له منتوج غنائي مطبوع ببصمته الخاصة .
تحلّقت حول الأستاذ عبد الكريم الكابلي نخبة متميزة كذلك ، عندما إنتقل للعمل بمروي فى العام 1954، ضمّت الأداري الكبير حسين محمد أحمد شرفي مفتش المركز ، و المربي الكبير الأستاذ مصطفى أبوشرف ، و القاضي صالح محمد علي عتيق ، ومولانا عوض الله صالح ، و الشاعر مهدي محمد فرح ، و الدكتور الطبيب حسن كُشْكُش ، والأستاذ إبراهيم يوسف الذي مدّ الكابلي بقصيدة الأستاذ عباس محمود العقاد ” شذى زهر ولا زهر” ، كما إمتدت علاقات الأستاذ الكابلي بوجهاء المنطقة ، العمدة محمد أحمد كنيش والعمدة ود بشير أغا والعمدة أحمد أبوشوك والعمدة سعيد ميرغني و الناظر أحمد سعيد ، كما أرتبط بصلات قوية بعدد من المغنّيين المحليين ، الذين أعانوه – كما ذكر هو نفسه – بقصائد و كلمات و ألحان تغنّي بها لاحقا ، من أشهرها كما هو معلوم أغنية مروي . و يمكن لمن أراد الإستزادة فى هذا الجانب الرجوع لمقالة الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك الممتازة عن ذكريات ومذكرات الأستاذ الكابلي في مروي.
التأثير العميق و الأبرز فى مسيرة الأستاذ الكابلي الغنائية والفنية بل و الأدبية ، يعود فى تقديري بالأساس لمجموعة أخوان الصفا ، وهي مجموعة من الأصدقاء جمع بينهم حب الشعر والأدب ، والراجح أنهم سمّار الليالي الذين عنَاهم الكابلي فى أغانيه . ولربما أطلقت المجموعة على نفسها هذا الإسم تأسّيا بالمجموعة التي ظهرت فى القرن الثالث الهجري والعاشر الميلادي بمدينة البصرة ، وعُرفت بإسم أخوان الصفا و خِلّان الوفا ، وهي جماعة من الفلاسفة عملوا على التوفيق بين العقائد و الحقائق الفلسفية المعروفة في ذلك العهد ، فكتبوا في ذلك خمسين مقالة سموها ” تحف اخوان الصفا ” ، وهنالك كتاب ألّفه الحكيم المجريطي القرّطبي سماه ” رسائل اخوان الصفا ” ، وكانت اهتماماتهم متنوعة تمتد من العلوم و الرياضايات إلى الفكر و السياسة ، و تمحورت رسائلهم حول السعي إلى سعادة النفس و تطهيرها عن طريق المعارف .
أمّا مجموعة اخوان الصفا الأمدرمانية فلقد تشّكلت من الشعراء ، صديق مدثر ، الحَسيّن الحسن ، عبدالمجيد حاج الأمين ، و الضابط العظيم إبراهيم أحمد عبدالكريم و الضابط المتفرّد عوض أحمد خليفة وآخرين . و الشاهد أن هذه المجموعة هي من صقلتّ تجربة الكابلي الغنائية ، ذلك عبر الإختيارات الرائعة لعدد من القصائد التي صاغوها هم أو صاغها غيرهم من الشعراء والمبدعين ، ولاقت هويً كبيراً فى نفس الكابلي فأبّدع لنا الروائع الغوالي . وللتدليل على ما ذهبنا إليه ، فإن دُرراً غنائية ثمينة مثل ، يا ضنين الوعد لصديق مدثر وحبيبة عمري للحسين الحسن ، ونشيد طريق الجامعة ( هبّت الخرطوم في جُنح الدّجى) و نشيد يا ناصر لعبد المجيد حاج الأمين ، و يا أغلى من عينّي و كيف يهون عندك خصامي للجنرال عوض أحمد خليفة ، كانت جميعها من أشعار و كلمات أعضاء هذه المجموعة .
و نواصل ،،،،
omerkamil175@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم