فَجَّ نُورا بت الغُولة
ترويها مَيْ زُمراوي
حرَّرها عادل سيد أحمد
رُزِقَ العم صالح وزوجته بتُول ببنت، بعد أن عانت بتول في عملية الولادة، وكان ذلك لحظة انبلاج الفَجَّر.
كانت البنت جميلة جداً، أبيض وجهها يضيء كفلقة القمر، ولهذا السبب أسماها أبوها فَجَّ نُورا (أي سطع نورها). وسار عليها هذا الاسم إلى أن أختصره الناس فصاروا ينادونها (بنُورا). وما هي إلا فترة قليلة على ميلاد نُورا حتى توفيت أمها، ولكن أبيها قرر ألا يتزوج من أي امرأةٍ أخرى تؤذيها وتفسد عليها حياتها، بل ينقطع فقط لتربيتها والعناية بها. وصار حاج صالح لنُورا أباً وأماً في آنٍ واحد، إلى أن كبرت وصارت فتاةً يحلف الناس بأخلاقها وكمالها وجمالها وحسن أدبها، وعرفت بين أقرانها بهذه الصفات الحميدة.
في سنة من السنين فكر الحاج صالح أن يؤدي مناسك فريضة الحج، وكان، في ذلك الزمن، يركب الناس الدواب من حصينٍ وجمال ويسيروا في قوافل، وكان ذلك يستغرق شهوراً. وكان في نفس الوقت خائفاً على بنته، ويسأل نفسه:
- من سيتولى رعايتها في غيابه؟
ولأنه كبير في السن والحج يناسب شخص قوي وشديد ما زالت عنده القدرة على احتمال المشاق، وإن مرور الزمن لن يسمح له بأداء فريضة الحج، بدأ يفاضل بين أن يظل مع بنته أم يذهب إلي الحج؟ وطبعا الأعمار بيد الله.
في النهاية قرر أن يحج، وأتفق مع أصحابه وجيرانه في الحي على أن يُراعوا بنته نُورا. خصوصاً إن بعضهم عندهم بنات في مثل سنها. وهم لم يقصروا معه فوعدوه أن يراعوها ويسمحوا لبناتهم أن يزرنها ويؤانسنها ولا يدعنها أبداً بمفردها وحيدة. فشكرهم ووعدهم أن يدعو لهم بالخير في الكعبة المشرَّفة، وأن يحضر لهم الهدايا من هناك المصاحِف، والسِّبَح والثياب والعُطُور والبَخُور.
ملأ الحاج صالح المخزن بكل المواد الضرورية التي يمكن أن تحتاج لها نُورا أثناء فترة غيابه من دقيقٍ وزيتٍ وسمنٍ وعسلٍ وتمور، ثم ودعها وودع الناس وسافر مع قافلة الحجيج.
ومنذ اليوم الأول جاءتها البنات منذ الصباح، هذه تجالسها في الصباحية، أخرى تجيء في الظهر، ثالثة تأتيها في العصر، لكنها في الليل كانت تنام وحيدة ليس برفقتها أحد.
كانت البيوت متصلة ببعضها، وبين كل بيت والآخر يوجد (نفَّاج) يفتحهما على بعضهما بعضاً. والأسر متداخلة في بعضها، فلم يكن هناك أي خوف عليها.
كان جدود نُورا قد بنوا ديواناً ملحقاً بالبيت، يشكل ممراً بباب صغير يفتح مباشرةً على مخزن المواد التموينية داخل البيت. وفي طرف الحِلَّة كان هناك بيتٌ كبير شكله غريب، يُقال إن الغُولة تسكن فيه مع ولدها وإخوانها، مع أنه لم يرهم، وهم ذاتهم لم يأتوا، ولا مرة واحدة ناحية بيوت الناس، لم يحدث ذلك قط!
المهم، في يوم من الأيام خرج الغُول الصغير (ولد الغُولة) من بيته وسار في طريقه إلى الحلة، ووصل فَجَّأة إلى بيت نُورا. وفتح باب الديوان ودخل، سار في هذا الممر إلى أن وصل إلى المخزن حيثُ وجد كل مخزون الطعام هناك، فأكل التمر، وأكل الفول، وأكل… أكل ولم يترك شيئاً إلى أن ملأ بطنه وشبع فرقد في مكانه ونام. وفي طرف البيت هناك كانت نُورا وصاحباتها يتجاذبن أطراف الحديث، فقلن لها: - يا نُورا، أصنعي لنا شاياً وهاتي معه تمراً وفُولاً لتحلو الجلسة وتطول.
ذهب نُورا إلى المخزن، وعندما شعر بها الغُول اختبأ وراء الجوالات، هو رآها ولكنها لم تره. وقال لنفسه: - خلاص، سأتعشَّى بهذه البنت الجميلة!
تناولت نُورا ما تُريد، ورجعت لمجلسها مع صاحباتها، فصنعوا الشاي وأكلوا التمر والفول، وتبادلوا الأحاديث، في الأثناء يبدو أن الغُول الصغير صدم شيئاً، يبدو أنه جرة من جرار العسل أو السمن الموجودة في المخزن، فسقط وأحدث سقوطه دوِّياً سمعته البنات، ولم يعرفن ما حدث فخِفْن. وبسبب الفزع قررن كلهن أن ينسحبن ويتسربن من المجلس. فيهن من تحججت بمرض أمها، وأخرى تريد أن تعد العشاء لإخوانها، وثالثة تريد أن تجهز لأبيها أغراضه. المهم، كلهن تسربن وتركن نُورا بفردها فقالت: - فلأذهب وأرى ما الذي يجري، احتمال أن أكون قد أقلفت المخزن على الكَدِيسَة (القطة)، فلأتأكد!
دخلت المخزن، وبمجرد أن دخلت نطَّ عليها الغُول الصغير، فارتعبت وخافت خوفاً شديداً، خصوصاً وأنها كانت بمفردها دون صحبة، وللحظة لم تدري ماذا تفعل. حاول الغُول الصغير أن يهدئ من روعها ويطمئنها، فقال لها: - لا تخَفِي، لا تخَفِي! قبل قليل قررت أن أتعشَّى بك، ولكني الآن غيرت رأيي فلن آكلك…
وأشار لها إلى جوالات القمح، وقال لها: - خذي قمحاً، فاطحنيه وأعدِّي لنا منه وجبة العشاء، نأكل ونتسامر مع بعضنا بعضاً.
لم يكن لدى نُورا حل أو خيار، وكان لزاماً عليها أن تنفذ طلباته. بدأت تطحن القمح وهو جالس قبالتها ينظر إليها، ويتكلم معها، وكانت هي ترد عليه مجبرة في ذلك الليل البهيم.
كان بين بيت نُورا والجيران نفاج. فسمعوا أصوات السقوط أولاً ثم تلاه حديث الغُول الصغير مع نُورا، وكان جارهم واسمه (الفاضل) وزوجته يحتسيان الشاي ويتآنسان، فسال الجار: - لماذا تساهر نُورا إلى هذا الوقت المتأخر؟ فلأذهب وأرى ماذا بها؟
امتشق سيفه، وجاء. وبمجرد أن دخل وجد الغُول الصغير فقطع رأسه في الحال، وقال لها: - لِمَ لَمْ تستغيثي؟ لماذا لم تصْرُخِي وتنادينا؟
- خفت منه فلم أقدر أن أفعل شيئاً، ولكن الحمد لله أنك جئت وأنقذتني وزال الخطر وانتهت المسألة على خير.
وقطَّع الفاضل جسد الغُول الصغير إلى أجزاءٍ صغيرة وضعها في (خُرجِيْ الحِمَار)، وسارا به هو ونُورا إلى أن وصلا بيت الغِيلَان في طرف الحي، ووضعاه هناك أمام البيت ثم انصرفا.
في الصباح عندما خرجت الغُولة للصيد رأت (القُفتين )، فتحتهما فرأت لحم ولدها ورأسه المقطوع، فصرخت صرخةً مدويةً ارتعب لها كل أهل الحي. وأرادت أن تعرف ما الذي حدث لولدها؟ ومن قتله وقطع رأسه ومثَّل بجثته؟ وقررت إنها لن تهدأ إلى أن تنتقم من القاتل وتأثر منه لولدها.
كان الغُول الصغير يلبس قميصاً غالياً مصنوع من الفراء عندما دخل بيت نُورا. ولما قطع الفاضل رأسه أخذ القميص، وأعطاه لنُورا وقال لها: - هذا تعويضٌ عن الطعام الذي أكله هذا الغُول.
واحتفظت نُورا منذ تلك اللحظة بقميص الغُول الصغير.
عندما وجد الغِيلَان جُثة الغُول الصغير المقطَّعة، قالوا للغولة: - أكيد أن من قتله هم أهل القرية، هم من ارتكبوا هذه الجريمة.
- على أي أساس نذهب إليهم؟ يجب أن نصبر قليلاً حتى نتحرى الأمر. أصلاً ولَدِي كان يلبس قميصاً نادراً وثميناً مصنوعاً من الفراء، لننزل كل يوم لنجوب البلدة وأسواقها، وبلا شك أن من نجده يلبس القميص فهو القاتل.
ومرت ثلاثة أيام وهم يجبون البلدة ويتجولون في الأسواق، وهم يغطون وجوههم حتى لا يتعرف عليهم الناس، ولكنهم لم يعثروا على أي أثر للقميص، ولم يقابلوا أحداً يلبسه.
وزارت نُورا إحدى صديقاتها وتدعى (الشام) وكانت في مثل عمرها، ورأت الشام قميص الغُول الصغير عند نُورا، فطلبت منها وترجتها أن تسلفه لها لتلبسه وتعيده لاحقاً لها، فأعطتها نُورا القميص عن طيب خاطر.
في اليوم الثاني لبست الشام القميص وذهبت به إلى السوق فرآها الغيلان، وألقت الغُولة عليها جوالاً ثم ربطتها داخل الجوال وحملتها وعادت بها إلى بيتها في طرف الحلة، وهناك اخرجوها من الجوال وربطوها في شجرة وبدأوا بضربها. سألتها الغُولة: - فقط أريد أن أعرف، ماذا فعل ولدي معك لتقتليه وتمثِّلي بجثته؟
- من ولدك؟ وكيف قتلته أنا؟ لم يحدث ذلك، ولا أعرف ولدك ولم أقتله.
- من أين أتيت بهذا القميص؟
- أخذته من صاحبتي نُورا، هي من أعارتني له.
- وأين تسكن صاحبتك نُورا؟ تعاوني معنا ودلينا وأوصفي لنا مكان هذه البنت، وبيتها وسأطلق سراحك على الفور. شرطاً تساعدينا في الدخول إليها، ولك عندي مكافأة كبيرة.
وفتحت الغُولة صندوقاً قديماً أخرجت منه كيساً مليء بالذهب، وألقت به للشام، ولما كانت الشام طمَّاعةً أصلاً وكانت تغير من نُورا، قبلت كيس الذهب على الفور. فقالوا لها: - سنتبعك، وعندما نصل إلى بيت نُورا تدخلي أنت أولاً لتفتحي لنا الباب من الداخل.
وانطلقت الشام وهم وراءها، وقالت الغُولة لإخوانها: - هيا اتبعوها لتروا أين تذهب، ولا تغفلوا عنها حتى لا تكذب علينا وتخدعنا فتهرب منَّا.
وسارت الغُولة وإخوانها وراء الشام، وساروا… وساروا إلى أن رأوا بيت نُورا. وأرجعت الشام القميص لنُورا دون أن تأتي لها بسيرةٍ لما جرى معها قبل قليل في بيت الغِيلان.
بعد قليل توجهت الغُولة وأخواها إلى بيت نُورا. وهناك وجدوا الباب فاتحاً، وكان الليل قد أليل، ورأوا بنتاً جالسة لوحدها على مقعد وثير، فأخرج أحد الغُولين سيفَهُ ليَضْرِب به البنت. لكن تجمع الناس وهجموا عليهم وقتلوهما، وضربوا أختهما الغُولة. وقدرت الغُولة بصعوبة أن تهرب، وجرت مذعورة إلى بيتها. ولكن كان إخوتها الاثنين قد ماتا شر مِيتَة. قالت لنفسها: - مرة أخرى تعدى علينا هؤلاء القرويون ديل، وخدعونا… في المرة الأولى قتلوا ولدي، والآن قدروا أن يقتلوا إخواني فصرت وحيدة بلا حبيب ولا قريب. فلن أسامحهم ولن أدعهم ينعمون بالراحة وسأنتقم منهم أجمعين.
وصارت الغُولة تتربص في الشارع وتكمن لأي شخص يمر من جوار بيتها، وتقطع عليه الطريق فتقبضه، ثم تحمله وتدخله بيتها وهناك تربطه في شجرة دون أن تلوح بادرة أمل في إطلاق سراحهم. وعجز أهلُ الحي عن تحرير أولئك الرهائن، وتعبوا وملُّوا من هجمات الغُولة عليهم، ولكنهم ألقوا بالمسؤولية على نُورا ووجهوا لها اللوم، باعتبار أنها السبب في كل هذه البلوى. ومنهم من اختطفت الغُولة ولده أو أخاه أو أباه، فقرروا أن يحملوا نُورا ويذهبوا بها إلى الغُولة. ولما وصلوا لبيت الغُولة قالوا لها: - هذه هي نُورا، خُذِيها وأنتقمي، وإفعلي فيها ما تشائين فلا دخل لنا نحن بالموضوع. لا تحملينا المسؤولية فتهجمي علينا؛ ونرجوك أن تطلقي سراح أهلنا الذين احتجزتيهم عندك.
ولأن نُورا كانت بنتاً طيبةً وحقَّانية وشجاعة، قالت للغولة: - ها أنا الآن عندك، ولو تريدي أن تنتقمي أو تقتليني فأنت حرة، ولكني أريد أن أخبرك بالحقيقة، وهي إن ولد هو من تهجَّم عليْ في بيتي. يعني هو من أخطأ، وعندما قتلناه كنا ندافع عن أنفسنا، وأنا بمفردي في البيت فأبي مافي مسافر، وحدث كذا وكذا…
اقتنعت الغُولة بكلام نُورا وصدقته، وأعجبتها جُرأتها وشجاعتها وشهامتها. وأحست بأن نُورا، فوق أنها فاتنة، بنتٌ محترمة. وأطلقت سراح أسراها كلهم، ولكن نُورا ظنت أن نهايتها قد دنت وإن الغُولة ستأكلها لا محالة، وصارت ترجف كأنما أصابتها الحُمَّى. وأدخلتها الغُولة إلى بيتها وأرقدتها فوق السرير وشرعت في علاجها بالمُكَمَّدات، وصنعت لها حساءٍ لذيذاً ومغذياً، إلى أن خفت الحمى، ولكن الغُولة استمرت في علاجها إلى أن زال عنها المرض واستعادت عافيتها بالكامل. حينئذٍ قالت لها: - أنا مستغربة لماذا لم تقتليني، وعلى العكس خدمتني وعالجتني، رغم أنه كان بإمكانك أن تتركيني أموت من المرض فتنتقمي لولدك؟
- لا لن أدعك تموتين لأني أحسست بأنك بنت شهمة ومحترمة وبنت ناس، وأعجبتني شجاعتك فلم تخفي مني. وأرى إن الحق كان معك فيما فعلتي. والآن أنا أخاف عليك من أهلك الذين أتوا بك إليَّ إذا رجعتي عندهم أن يصيبوك بمكروه، وأرجو منك أن تبقي هنا وتعيشي معي.
واستجابت نُورا ورحبت بدعوة الغُولة، فأقامت عندها. وصارت الغُولة تصطحبها إلى أي مكانٍ تذهب إليه، ودربتها على القتال بالسيف، وعلمتها الصيد، وأرتها كل أنواع الطرائد من حيوانات الغابة. وصارت البنت تأكل من طعامها الطعام وتنام ليلاً بجوارها. وتحسن صحتها وتوردت خدودها فزادت جمالاً على جمالها.
ومرت فترة ونُورا مع الغُولة على هذا الحال، ولكن نُورا أحسَّت بإن موعد عودة أبيها الحاج صالح من الحج قد أزف؛ فقالت للغولة: - أريد أن أذهب لبيتنا لأرتِّب حاله لأن عودة أبي قد حانت.
- لا لا، لن أدعك تذهبين لوحدك، أنا خائفة عليكِ من أهل الحي، وسأذهب معكِ.
وفعلاً رافقتها الغُولة إلى البيت. وما أن وصلتا حتى نظفتاه ورتبتاه حتى صار البيت رائقاً وأنيقاً. وأقامت الغُولة معها، فصار كل الناس يسمونها فَجَّ نُورا بت الغُولة. - جاءت بت الغُولة، خرجت بت الغُولة!
باعتبار أن الغُولة مقيمة معها وصارت لها بمثابةِ الأم، تقوم بجميع شؤون البيت، ونُورا مرتاحة، لا تكلفها الغُولة بشيء. فهي التي تنظف، وتطبخ، ويراها الناس وهي تنشر الغسيل. فكانت قائمة على خدمة البيت بالكامل. فأسمها الناس لهذا: - فَجَّ نُورا بت الغُولة.
وراقبت الغُولة نساء الحي لتعرف أزياء نساء الحي، وقررت أن تغير ملبسها القديم، الذي يناسب سكنها في الخلاء والغابة، والمصنوع من جلود الصيد لتلبس مثلهن. فذهبت إلى الخيَّاط والإسكافي فخاطا لها ثياباً وأحذية لترتديها مثل نساء الحي، وأردت خماراً على وجهها فتحسن مظهرها وبات شكلها مقبولاً. ولاحظ الناس أنها طيبة، وليست من النوع الشرس الشرير. وهي ذاتها لم تسأل أحد ولا تكلمت مع أحد، فقد كل همها أن ترعي نُورا وتقوم بخدمتها لأنها اعتبرتها بنتاً لها.
في يوم قامت قالت لنُورا: - أريد أن أذهب إلى بيت لأتفقده، ثم أرجع لك ولن أتأخر، فقد طال عهدي بالصيد، وكأني نسيته، أريد أن أذهب وأصطاد فريسة وأعود.
ذهبت واطمأنت على حال بيتها، ثم دلفت إلى الغابة لتصاد، وهناك شعرت بأن قدرتها على الصيد قد تلاشت، بسبب خدمة البيت والراحة، وأنها الآن لا تستطيع أن تأتي ولا بصيدةٍ واحدة مهما حاولت. في النهاية يئست من المحاولة وعادت في الليل في طريقها إلى البيت.
وفَجَّأة شاهدت مجموعة من الرجال يقفون تحت شجرة ويتهامسون، بحيث لا يستطيع أحد أن يسمعهم، فذهبت على أطراف أصابعها لتقترب منهم وتتنصَّت عليهم منهم لتعرف من هم؟ وماذا يقولون؟
ومن كلامهم فهمت أنهم لصوص وقطَّاع طُرُق، سمعوا بأن قافلة الحجيج في طريق عودتها للبلدة، وعرفوا أن فيها الملك وولده وزوجته؛ فأرادوا أن يقطعوا عليهم الطريق، فيقتلوا الملك وولده، وينهبوا هذه القافلة. هذه كانت خطتهم.
وكانت الغُولة تعلم أن الحاج صالح (أبو نُورا) في هذه القافلة ذاتها. على الفور ذهبت وأخبرت نُورا بمخطط أولئك اللصوص، وقالت لها: - لابد أن نخبر أهل القرية ليستعدوا ويذهبوا للدفاع عن العائدين.
طافت نُورا على البيوت وطرقت الأبواب كلها، وقالت للناس: - قافلة الحجيج في طريق عودتها للبلد، وهناك قطاع الطرق يتربصون بها وينتظرونها ليقتلوا الملك وأسرته، وينهبوا البضائع.
فهب الناس كلهم، وبالذات الشام جارة نُورا والتي ساعدت الغُولة في البداية لتصل لبيت نُورا. فقالت لأبيها، وقد كان أقرب جار لبيت نُورا وصاحب كلمة مسموعة في المنطقة، قالت له: - نُورا تتهيأ أموراً من بنات أفكارها. من قال لها ذلك؟ فلم نسمع بأن الملك أصلاً في قافلة الحجيج. نورا تريد أن تخلق سمعة في الحي، وتستعيد مكانتها فلا تحفلوا بكلامها.
اقتنع الأب بقول بنته، بالتالي كان عدد الناس الذين هبُّوا لنجدة القافلة قليل. فلم يذهب كل الناس لأن كبير الحي هذا لم يذهب ولم يقتنع بالكلام. ولكن الغُولة ومعها نُورا ذهبن. وقالت لهم نُورا: - من المهم أن نقاوم ونحاول، رغم قلة عددنا، أن نمنع اللصوص من أن يصلوا لقافلة الحجيج هذه أبداً إلا على أرواحنا، وإلا لو قتلونا جميعاً.
فعلاً، انتظروا وصول القافلة التي لاحت من بعيد. واستعد قطاع الطرق للهجوم. ونُورا، التي كانت قد أتقنت القتال بالسيف، ومعها الغولة قاومتا وحاولتا تضربا وتحاربا اللصوص. واقتربت القافلة فرأى الأمير بنتاً تمتشق سيفاً، جميلة جداً ورقيقة لكنها ممسكة بالسيف تقاتل به كالرجال، ورأى الغُولة والعدد القليل من الناس الذين كانوا يقاتلون اللصوص.
وأمر الأمير اثنين من الحراس بأن يرجعوا أمه وأباه ويدخلوهم القصر. أما هو بقية الرجال وضربوا هؤلاء وقاتلوهم وقاوموهم وقتلوا منهم مجموعةً كبيرة، وفر من تبقى منهم وولى الأدبار.
بحثت نور عن أبيها، فوجدته سليماً رغم أنه كان خائفاً من أن يموت قبل أن يقابلها، كما كان خائفاً عليها من اللصوص. تفاجأ بها أمامه فقال لها: - أهذه إنتِ؟
حكت له الحكاية من بدايتها، وكيف أن الغُولة أقامت معها، وساعدتها وأنها هي من أخبرتها بخطة اللصوص فجئنا وانتظرناكم.
فرح أبوها العم صالح، لأن الله مد في أيامه فألتقى ببنته، وأنها نجت من اللصوص. ورجعوا كلهم للبيت.
أما الأمير فقد أعجبته البنت المقاتلة بالسيف هذه، فسأل عنها، وعرف إنها بنت صالح الذي كان معهم في هذه القافلة. على الفور طلب من أبيه الملك أن يخطبها له فيتزوجها. ووافق أبوه طبعاً بعد أن شاهد ما قامت به تلك البطلة.
في اليوم الثاني جاء الملك وزوجته الملكة وابنهما الأمير، وتوقف ركبه أمام باب بيت الحاج صالح. الشام رأت هذا المشهد فاستغربت وتساءلت عما يجري، بعدها عرفت أن الأمير جاء وخطب نُورا.
وأكلتها الغيرة وكادت أن تقتلها، وملأ قلبها الحقد، فقالت لأبيها: - وهل كان ينقصنا أن تتزوج نورا من الأمير؟ من الآن فصاعداً لن تدعنا نعيش هنا بسلام وستتعالى علينا. فلابد أن نرحل فوراً من هذه البلاد، ونبحث عن مكانٍ آخر نسكن فيه.
وافقها أبوها، ولأن الشام كانت بنتاً طماعة، تذكرت كيس الذهب الذي أعطته لها الغولة، فقررت أن تذهب وتستولى على كل ذهب الغُولة قبل أن يرحلوا ويفارقوا المنطقة.
ذهبت إلى بيت الغُولة، وفتحت صندوقاً، لكن للأسف كان الصندوق مليئاً بعددٍ هائلٍ من الفئران، وهجمت عليها وأكلت أُذُنَيها فصار منظرها بشع جداً ووجها ملسوع وحالها يغني عن سؤالها. ولما رجعت البيت سألها أبوها عما جرى لها، فحكت له، فرد عليها وقال: - أنتِ دائماً المشاكل، وطباعك مزعجة وأنتِ… وأنتِ، خلاص، ليس لدينا أي طريقة لنعيش هنا في هذه الحلة ولابد أن نغادر.
وزاد: - علَيْ العليكِي الفار قطَّع إضنيكي وأكلهم ليكِي!
وساقها، ورحلا مع بقية الأسرة، وتركوا البيت.
من هنا الملك وأسرته، بعد أن خطبوا نُورا وأبوها وافق، أعلنوا عن موعد الزواج. وفعلاً تم الزواج ورحلت نُورا إلى القصر وعاشت مع الأمير حياةً سعيدة.
أمَّا الغُولة فقد طلبت من الحاج صالح أن يتزوجها وقالت له: - أنا رعيت ابنتك، وحفظت بيتك. الآن، بعد كل هذا، أريد منك أن تتزوجني، فأنا قد صرت امرأة مثل نساء البلد لا فرق بيني وبينهن. أأكُل وألبس مثلهن، وشكلي ذاته صار مقبولاً ويشبه أشكالهن.
انتهت الأحجية.
amsidahmed@outlook.com
