باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 11 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل سيد احمد
عادل سيد احمد عرض كل المقالات

فَاطْنَة السَّمْحَة وأحاجي من وسط السودان- 17

اخر تحديث: 11 أكتوبر, 2026 9:04 صباحًا
شارك

فَاطْنَة السَّمْحَة وأحاجي من وسط السودان- 17
قَدَم الخِيْر
ترويها مَـــيْ زُمـــراوي
حرَّرها عادل سيد أحمد

ظل الملك وزوجته الملكة طول عمرهما يحلمان بأن يرزقهما الله فيُنجِبا أبناء يكونوا امتداداً لهما، وأولياء لعهد الملك من بعده. لكن مرّت السنين دون أن يستجيب ربنا لدعوتهما. فعرضت عليه السلطانة أن يتزوج من امرأة أخرى تنجب له الأبناء.
رفض هذا الكلام لأنه كان يحبها ولم يكن يريد أن يؤذي مشاعرها أو يكسر خاطرها، ولما كان الملك يقوم بتربية بنات أخيه الثلاثة، لأنهن كُنَّ يتامى تُوفي والداهن، قال لها:

  • لا! كفاية عليَّ أن أُربي بنات أخي، ولن أتزوج ثانيةً أبداً.
    في أحد الأيام، كان الملك مهموماً يعاني من السهر والقلق، ولم يستطع أن ينام حتى الفجر. وعند الفجر نام، فحلم بملاك جاءه وأعطاه إناءاً من الذهب الخالص، وعندما حمل الإناء فاضت المياه من جنباته وتدفقت. في الصباح أرسّل في طلب المفسرين ليفسروا له هذا الحلم، فلما جاءوه قالوا له:
  • الملكة تنتظر مولوداً، وسيكون هذا الطفل (قدم خير) و(فأل سعد) عليكم، وسيأتي الخير على قدومه.
    وفعلاً بعد التسعة أشهر، وضعت الملكة بنتاً جميلة، جميلة جدا. عيناها واسعتان، وشعرها أسود من الليل. بمجرد أن بكت المولودة، تجمعت السحب، ونزلتِ الأُمطار، بعد أن كان الجفاف قد حلَّ بالبلد، وأجدبت المراعي. مجرد أن بكت البنت نزلت الأُمطار ونزلت، ونبتت الأعشاب. وفي ذلك اليوم أي بقرة، أو غَنَمَايَّة ، أو ناقة، كانت حامل، وَلِدَت توأم. ففرح الناس، وانبسطوا، وأحسوا بمقدم الأُميرة بأن حياتهم ستكون مريحة بعد سنواتٍ من المَحَل والجفاف. وسماها أبوها (قَدَم الخِيْر). وخاف الملك والملكة على (قَدَم الخِيْر) من الحسد أو العين، فألبساها قلادة من الكَمُّون (حبَّة البركة) والخرزة الزرقاء في صدرها. وعندما كبرت قَدَم الخِيْر بدأت تلعب مع بنات عمها في حديقة القصر، وكانت كلما تأتي لتلعب تحيط بها الفراشات، حباً فيها، يعني حتى الحيوانات كانت تُحبها: الأرانب، الغزلان تجيء وتنطط حواليها. هذه المسألة جعلت بنات عمها يحسدنها على ذلك الحب لها من الناس والحيوانات. وعندما كبرت قليلاً وصارت شابة، صار الأولاد معجبين بها، فكان الشبان يَهْدُونها الحُلي والوُرُود والعُطُور. وقد أصاب اهتمام الشباب بقَدَم الخِيْر بنات عمها بالضيق الشديد، وبدأن يحسسن بأن هذه البنت، بمجيئها فرح كل الناس:
  • لأن الخيرَ جاءَ على قُدُومِها.
    كما يقُولُون.
    وكان والداها يحبانها طبعاً، وبالنسبة للملك فهي بنته وهِنْ بنات أخيه، فهناك فرقٌ طبعاً. وهكذا سحبت قَدَم الخِيْر البِسَاط من تحت أرجلهن. إضافة لذلك كان جمال الأُميرة لا يُقارَن بجمالهن، فقد كانت جميلة فوق الحد. وبعد ذلك كله كانت كل المخلوقات تحبها، سواء حيوانات أو بشر. وفي النهاية ظهر اهتمام الشبان بها، وتقربهم منها وإغداق هداياهم عليها. كل هذه الأشياء جعلت بنات عمها يفكرن في طريقة يتخلصن بها منها.
    ذات يوم، قدمن لها اقتراحاً وقُلَن لها:
  • نمشي الغابة، نشم هواء ونتفسح شوية، ونلقط من الثمار والورود ونقضي اليوم هناك، ثم نجيء راجعين.
    فوافقتهن، وأبدت لهن استعدادها لمرافقتهن للغابة. من الصباح جهزن أنفسهن، وحملن أغراضهن عدتهن، ومعهن خُدامهن وحشمهن وانطلقن. وعندما وَصَلن إلى هناك، أعطوها سلةً وقلن لها:
  • خلاص، اذهبي وحاولي أن تلقطي من الثمار والفواكه والورود في هذه الغابة، ونحن سنفرش هنا، هذا هو المكان الذي سنجلس فيه، وسنوقد ناراً ونجهز طعاماً نأكله.
    وحملت قَدَم الخِيْر السلة، وانطلقت في الغابة وابتدأت تلقط كل ما تجد، إن كان نبق، أو تمر، المهم كل أنواع الورود والثمار المتوفرة حواليها، حتى ملأت السلة ثُم جَاءَت راجعة. عندما عادت قَدَم الخِيْر، لم تجد أحداً. لا بنات عمِّها ولا الخدم ولا أيٍ من أفراد الحاشية، فاستغربت وأخذت تنادي عليهم بأسمائهم وتبكي وتصيح، وتردد صدى صوتها في أرجاء الغابة، ولكن لا أحد كان هناك ليسمعها أو يرد عليها. جلست قَدَم الخِيْر وهي محتارة لا تعرف ما الذي جرى، وقد كانت تلك أول مرة تخرج فيها وتجيء إلى هنا في الغابة، ولا تعرف كيف ترجع إلى قصر أبيها، وعلى العموم لم تعرف كيف تتصرف فقط جلست تنتظر. أثناء انتظارها هبت عاصفة قوية، فانشبك شعرها، وشعرها كان طويلاً جداً (ما شاء الله)، وألتف بأغصان شجرة. ولم تقدر أن تفك نفسها من تلك الشجرة. فجلست تنتظر تحت الشجرة وهي تبكي. وجاءت حمامة، فسلمت عليها وقالت لها:
  • تعالي فكي شعري من الغصن، وسأعطيك من هذه الخَرَزَات.
    نظرت الحمامة إليها، ولكنها لم تحفل بها، ولم تهتم لكلامها، وطارت مبتعدة عنها. وجاءت بعدها غزالة، فسلمت عليها قَدَم الخِيْر وطلبت منها أن تفك لها شعرها من الغصن، وقالت لها:
  • تعالي ساعديني وفكي لي شعري من الغصن، وسأعطيك من هذه الخَرَزَات.
    فنظرت إليها الغزالة، ولم تهتم لأمرها ولم تساعدها، بل جرت مبتعدة عنها. وجاءت أرنوبة ثم ابتعدت بنفس الطريقة. لا أحد ساعدها أو اهتم لأمرها. ولا أي حيوان من الحيوانات التي مرت من جنبها قَبِل بأن يساعدها. وقد كان ذلك كله بسبب الغيرة منها ومن جمالها الأخَّاذ. ولم يكن أمامها سوى البكاء والانتظار، ولكن أثناء ما هي جالسة تحت الشجرة سمعت صوت خطواتٍ تقترب منها، فنظرت ناحيته وراء الشجر فرأت مخلوقين توأم، يشبهان أطفالاً صغاراً، لكن شكلهم كان قبيحاً جداً ومنظرهما بَشِع، ومن شكلهما وملامحهما هذه عرفت قَدَم الخِيْر إنهما غُولان صغار. سلمت عليهما، ولاحظت أنهما كانا ينظران لقِلَادَتِها التي كانت تلبسها، فقالت لهما:
  • لو خلصتماني وفككتما لي شعري من الشجرة سأعطيكما لها.
    ففرحا من وعدها، وأمسكا بشعرها سبيبة وراء سبيبة وفككاه لها من الشجرة. شكرتهما وأعطتهما القِلَادة، فاقتسماها وأخذ كل واحدٍ منهما نصفها وعلقه في رقبته. وقالا لها:
  • لماذا تجلسين لوحدك هنا؟ وما الذي أتى بك لهذه الغابة؟ لا أحد يجيء إلى هنا منفرداً.
    حكت لهما قصتها، وقالت لهما:
  • بنات عمي، جِئْن معي ولكنهن بسبب الغيرة غدرن بي وذهبن وتركنني لوحدي هنا. وأنا لا أعرف طريق العودة إلى قصر والدي، ولا أعرف إلى أين أذهب.
  • سيدخل الليلُ ويحلُّ الظلامْ بعد قليل، لأن الدنيا مغارب الآن، ولو ظللت قابعة في الغابة حتى الصباح فلن تكوني حينها حيَّة. لأن هناك ذئاب، وأسود، ونمور، وغيرها العديد من الوحوش ستأتي وتهجم عليك، فلا بد لك أن تغادري وتذهبي من هنا.
  • ليس لدي مكان أذهب إليه واحتمي به، ولا أعرف كيف أصل لقصر أبي، فهذه هي أوَّل مرة أخرج فيها من البيت.
  • خلاص، تروحي معنا، وسنرجو أُمَّنا أن تستضيفك معنا.
    ولما لم يكن عندها خياراً آخر، وافقتهما، وشكرتهما وقالت لهما:
  • خلاص، أنا موافقة.
    وذهبت معهما. في الطريق لكوخ أو بيت هذين الغُولين، قالا لها:
  • نحن سَاهِل ومَاهِل، نعيش مع والدتنا الغُولة ووالدنا الغُول في كوخ هناك في طرف الغابة، وسنأخذك لتقيمي معنا في كوخنا إلى تجدي حلاً وتعرفي إلى أين ستذهبين.
    وصلوا، فوجدت قَدَم الخِيْر أن أمهم ضخمة مثلهم، وشكلها قبيح كأشكالهم أيضاً، وكانت تجمع البيض من حظيرة الدجاج، وما أن رأتها حتى قالت لهم:
  • لا أدري ماذا حدث، فاليوم البيض كثير بطريقةٍ مبالغ فيها، وأنا لا أدري ما السبب في ذلك.
    فقالا لأمهما:
  • السر في هذه البنت!
    فردت عليهما مُستغربة:
  • مَنْ هي؟ وبنت مَنْ؟
    ثم تقدمت إليها قَدَم الخِيْر فسلمت عليها وقالت لها:
  • إزيك يا خالة، أنا اسمي قَدَم الخِيْر، وأولادك ساعدوني عندما وجدوني في الغابة وشعري مشبوك إلى شجرة. هما ساعداني في فكه من الأغصان، وأنا لا أعرف كيف أذهب إلى بيتنا، لا أقدر، ولا أعرف الطريق وهي أول مرة أخرج منه، وبنات عمي كدن لي وتركنني وحدي، فلو سمحتي لي أن أقيم عندكم إلى أن أجد حلاً.
    أعجبت الأُم بها وبجمالها ورحبت بها الأُم، وطبخت لهم عشاءاً. بعد أن تعشوا جاء الغُول وقال لها:
  • هل ذهبت للصيد هذه الليلة؟ لأنني أشم رائحة إنسان.
  • لا لم أصطد شيئاً، هذه بنت وجدها الأولاد في الغابة وأحضروها معهم.
  • خلاص، نذبحها ونأكل لحمها!
  • لا، لن نذبحها، فأنا قررت أن أربي هذه الفتاة وأصير لها أماً.
  • لا لا، لقد طال العهد بنا منذ أن أكلنا لحماً، ونريد أن نأكلها. وكيف تربيها وأنت لا تعرفيها ولا تعرفي من أين هي وما هي قصتها؟
  • لا، لقد قررت أن أربي هذه البنت الجميلة لأن فألها حَسَنْ، فتصير هي لي بنتاً تؤانسني وتعينني على تصريف شؤون البيت.
    فرد عليها وقد اقتنع بكلامها:
  • خلاص، لكن لا بد لها من أن تأتي برزقها بنفسها، فنحن لن نعطيها شيئاً من عندنا، وليس لدينا لها ما نقدمه.
    فوافقته زوجته الغُولة، وقالت له:
  • سمعاً وطاعة.
    في الصباح زرعت قَدَم الخِيْر حبة طماطم وبصلة وجزر في الفناء أمام كوخ الغُولة، ثم سقت زرعها بالماء. عندما استيقظت الغُولة وجد نباتات تملأ المكان، فاستغربت من أين أتت لأنها لم تكن موجودة حتى مساء الأُمس. بعد يومين شال الخضار الثمار، وظهرت حباته من الطماطم والبصل والجزر، ففرح الغُول والغُولة وابتهجا. وماهي إلا فترة وجيزة حتى امتلأت كل المنطقة حول الكوخ بالغزلان والأرانب. وبدأ الغُول يصطاد ويأتي بتلك الطيبات ويأكلوا، وقَدَم الخِيْر تأكل معهم من ذلك الطعام الشهي. وتحَسَنْت صحتها وزاد وزنها وصار شكلها أجمل.
    وهكذا فقد استقرت قَدَم الخِيْر عندهم، وصارت حياتها مثل حياتهم، تلبس كملبسهم من الجلود وتعلمت كيف تصطاد، وأعجبتها حياتها الجديدة هذه أكثر من حياتها في القصر. في أحد الأيام أثناء ما كانت قَدَم الخِيْر تتجوَّل في الغابة، لاقت راعياً يسوق أمامه قطيعاً من الأغنام. ولما كانت قد اشتهت الحليب، فقالت له:
  • أديني غَنَمَايَة لأربيها، وأحلب من لبنها.
  • لا أستطيع، فأنا راعي فقير. ومنذ أن اختفت الأُميرة (قَدَم الخِيْر) جفت المراعي وصارت قاحلة، ليس فيها كلأ أو عشب ولا نجد فيها زرعاً نعلف به أغنامنا، وتوقف المطر عن النزول.
    وهكذا حكى لها عما آل إليه حالهم بعدها، فقالت له:
  • خلاص، لا عليك ولا تحزن، غداً، إن شاء الله، ستجد أغنامك العشب فتأكل حتى تشبع.
    وهمَّ بأن يسألها ويقول لها:
  • من أنتِ؟ هل أنت إنسٌ أم من الجن؟ أم ماذا؟
    ولكنها اختفت بين الأشجار قبل أن يسألها.
    في اليوم التالي ذهب الرجل بأغنامه للمرعى، فوجد إن المطر قد هطل فأخضر المرعى وامتلأ بالحشائش والأعشاب عن آخره، وأكلت الأغنام حتى شبِعَت، وازدهت الحياةُ وصارت جميلة. فاستغرب، وقال لنفسه:
  • معنى ذلك أن من لاقيتها بالأُمس كانت هي الأُميرة (قَدَم الخِيْر)، لأن الخير يأتي معها. وأنا لم أنتبه لها، ولا لكونها بنت جميلة رغماً عن ملبسها الرث وهيئتها البائسة، لكنها كانت جميلة، فهي بلا شك (قَدَم الخِيْر).
    فرجع الراعي إلى المدينة، وبدأ يتكلم بأنه قد لقى الأُميرة (قَدَم الخِيْر)، وأنها قالت له كذا وكذا. وانتشر الخبر، وعمَّ البلد، فسمع به الملك فقال:
  • لأذهب وأرى هل هذه البنت هي بنتي (قَدَم الخِيْر) أم لا؟
    وكان الملك قد سأل بنات عمها عند عودتهن من الرحلة التي خرجن فيها إلى الغابة عن بنته، فقلن له:
  • قَدَم الخِيْر لم تسمع كلامنا، وسارت في الغابة. ورغم أننا قلنا لها: (ما تبتعدي وما تذهبي لوحدك)، إلا أنا أصرت وقالت إنها تريد أن تستكشف المكان وترى الغابة. حتى فقدنا أثرها، وقدر ما بحثنا عنها لم نجدها وفيما يبدو أنه قد خطفها غول أو أكلتها الوحوش أو ما شابه ذلك.
    هذا هو الكلام الذي قُلنَه لأبيها. ولكن أباها عندما سمع بكلام الراعي وأنه من المحتمل أن تكون الأُميرة قَدَم الخِيْر حية وعائشة في الغابة، قرر أن يذهب ويبحث عن بنته دي ويعيدها معه إلى القصر.
    وفعلاً، خرج ومعه قوة رافقته إلى الغابة، لكنهم قدر ما بحثوا لم يجدوها، ولم يجدوا أي أثر يدل عليها أبداً. طبعاً هو لم يعرف أنها تعيش في أرض الغيلان، وأرض الغيلان هذه مسحورة، لا يستطيع أحد، كائن من يكون، أن يصل إليها. البنات، بنات عمها طبعاً، عندما سمعن بأن الأُميرة قَدَم الخِيْر على قيد الحياة خِفن أن ينكشف أمرهم، وأن يعرف الملك اللعبة التي لعبنها عليه، فيقطع رؤوسهن. فأرسلن عدداً من عبيدهن وقلن لهم:
  • تذهبوا لذلك الراعي، وتتخلصوا من نصف قطيعه فتذبحوا تلك الأغنام، وتوجهوا له تهديداً شديد اللهجة، بأنه لو تكلم عن قَدَم الخِيْر مرةً أخرى وقال إنه التقاها، فسنتخلص من حياته ونقضي عليه وعلى بقية أغنامه.
    فعلاً ذهب العبيد ونفذوا ما أمروا به، فهددوا الراعي ووجهوا له تهديداً شديد اللهجة وذبحوا نصف قطيع الأغنام. بعد يومين عندما كانت قَدَم الخِيْر تتجول في الغابة التقت بالراعي، فهمت بأن تتكلم معه، ولكنه أدار منها ووجه وتولى عنها. فقالت له:
  • خير!؟ أنا عملت معك الخير فلماذا تعاملني بهذه الطريقة؟
    فحكى لها كل ما حدث معه، وقال:
  • أنا فقدت نصف قطيعي من الأغنام بسببك أنتِ.
    ثم ذهب دون أن ينتظر ردها، أو يسمح لها بتبادل الحديث معه. وكان معها ساهل وماهل، فقالت لهما:
  • يبدو أن بنات عمي عملن في هذا الرجل مصيبة، والأذى الذي أصابه هذا أظنه منهن، ولابد لي أن أذهب إلى القصر فقد حان الوقت لأن أقابل أبي وأخبره بما حدث. وللحقيقة فإنني صرت خائفةً على أبي وأمي من هؤلاء البنات، لأنهن ماكرات، ومن الممكن لهن أن يؤذين أبي وأمي أيضاً.
  • نحن سنرافقك ولن ندعك تذهبين لوحدك.
  • لا تخافا عليَّ، أنا سأذهب لأبي وأمي، وأسلم عليهما، وأعرف أخبارَهما، وأكلمهما بما اقترفت بنات عمي لكي ينتبها ويأخذان حذرهما. وأنا أصلاً سأعود لأعيش معكم، فأنا اعتبركم إخواني، سأعيش معكم هنا، والحياة هنا تعجبني. وبين كل فترةٍ والثانية سأزُور أبي وأُمَّي في القصر.
  • لا بأس، نُوافقُكِ الرأي!
    وسارت قَدَم الخِيْر وراء ذلك الراعي، لأنها لم تكن تعرف الطريق للمدينة طبعاً. وبين كل مسافة والثانية كانت تضع علامة في مجموعة الأشجار لكي تعرف الطريق عند عودتها. وهكذا سارت، وسارت وراء الراعي. وعلى أعتاب المدينة وجدت امرأة تغسل في هُدُومِها ، فسرقت منها عباءة لبستها، وغطت وجهها ثم دخلت إلى المدينة دون أن يسألها أو يتعرَّض لها أحد.
    وسارت في السوق، فرأت الناس يبيعون ويشترون، وأعجبتها حركة السوق، والحياة فيه، وكانت مندهشة، لأنها لأول مرة تدخل سوقاً وتشاهد ما يحدث فيه. وفي أثناء سيرها وهي تُفكِّر مع نفسها وتقول لها:
  • ماذا أحمل من هدية لأبي معي؟
    ورأت بائعاً يعرضُ تفاحاً ناضجاً وأحمر، وكان هناك ولد يقف بجواره، وقال للبائع:
  • أعطني تفاحة لأمي المريضة.
    فانتهره البائع وطرده قائلاً له:
  • ليس لدي شيئاً لك، فانصرف!
    فغضبت قَدَم الخِيْر غضبا شديداً، والولد اعتذر للبائع وقال له:
  • أمي مريضة وجائعة، وتريد تفاحة واحدة فقط فأعطينيها!
    وللمرة الثانية لم يستجب له البائع، ولم يقبل بأن يعطيه التفاحة، طرده. فاقتربت قَدَم الخِيْر من الولد وقالت له:
  • لا تهتم ولا تحزن، فأنا سأسرق لك تفاحة من هذا البائع وأجري، وهو سيجري ورائي. وإنت، تنتهز لحظات غيابه، وتأخذ سلة من هذا التفاح، تحملها وتقف بعيداً، وسأعود إليك فنقتسمها مع بعضنا بعضاً.
  • موافق. ولك شكري الجزيل.
    وسرقت قَدَم الخِيْر التفاحة من البائع البخيل، وجرت، فجرى وراءها، وهو طبعاً رجل كبير، ولذلك فقد وقع في الأرض وتلطخ جسمه وملابسه بالطين. في هذه الأثناء أخذ الولد، واسمه (حَسَنْ) سلة التفاح، وابتعد بها قليلاً، ثم وقف لينتظرها. وجاءت راجعة لـحَسَنْ وقالت له
  • ما هي مشكلتك يا حَسَنْ؟ مما تعاني والدتك؟
  • أمي مريضة وجائعة، ونحن فقراء لا نملك شيئاً، وقد أريد أن أقدم لها هذه التفاحة لتأكلها، وتسد بها رمقها.
  • خلاص، هل تعرف الطريق إلى القصر؟
  • نعم، أعرفه.
  • خلاص، فقط أوصلني إلى هناك، لأنني أريد أن أذهب وأقابل أبي هناك في القصر.
    فسارا كلاهما إلى أن وصلا إلى القصر. وانتظرها حَسَنْ بالقرب من القصر، في ركنٍ مقابلٍ للبوابة. أما هي فقد لقت واحد من عبيد أبيها واقفاً في باب القصر. فقالت له:
  • أنا فلَّاحة، وعندي بستان من التفاح، وأريد أن أقدم منه هدية للملك، فأرجوك خذها وأوصلها له.
    وأخذ العبد التفاح، ودخل به ناحية مجلس الملك، وفكرت هي في أن أباها سيعرف على الفور إنها هي من أهدته التفاح، لأنه حَسَنْ كان قد أكل واحدة أثناء سيرهما، واستغرب من الرائحة الفوَّاحة لتلك التفاحة، وعرف إن رفيقته إنما هي الأُميرة قَدَم الخِيْر” فقالت:
  • عندما يرى أبي هذا التفاح، ويشم رائحته الفوَّاحة، سيعرف أنني أنا قَدَم الخِيْر، وسيخرج لي ويدخلني معه إلى القصر.
    وفعلاً عندما سلَّم الخادم سلة التفاح للملك، قال له:
  • من أين أتيت بهذا التفاح؟ ومن الذي أعطاك إياه؟
  • أعطتني له بنتٌ فقيرةٌ تقف الآن بالخارج، وقالت إن عندها بستان من التفاح، وإن هذه هدية أهدتك إيَّاها.
  • كيف تبدو؟ وما هو شكلها؟
    وعندما وصفها له الخادم، قال له:
  • من رائحة هذا التفاح، فمن المؤكد إن هذه الفتاة هي الأُميرة قَدَم الخِيْر. هيا دُلَّني على مكانها.
    وفي هذه الأثناء عندما كانت هي واقفة أمام القصر، كانت بنات عمها ينظرن من الشباك، فرأينها فقلن:
  • من هذه المتسولة التي تقف بجانب الباب؟ وكيف الخادم يدعها الحارس لتقف هنا؟
    وأثناء ما كن يراقبنها، رفعت العباءة عن رأسها لتصلح شعرها، فرأين شعرها وشكلها، فعرفن، على الفور، أنها الأُميرة قَدَم الخِيْر. فأرسلن العبيد، وقُلن لهم:
  • اذهبوا حالاً فأقبضوها واقتلوها، ولا تدعوها تعيش لحظةً واحدة!
    وحالاً جاء العبيد من خلف الأُميرة، وهي لا تراهم، ولكن حَسَنْ كان من هناك في البعيد يراقب الموقف، فرأى العبيد وهم قادمين نحوها وتوجس خِيفةً وأحس بأن هناك شر قادم، فجرى نحوها وقال لها:
  • هيا اجري، اجري، اجري!
    وجريا هما الاثنان، وأمسك بيدها وانطلقا.
    عندما جاء الملك لم يجد الأُميرة، فاستغرب. وطبعاً رجع، أما هي فقد جرت ومعها حَسَنْ، والعبيد يجرون خلفهم، ودخلوا في أزقة الحي يدخلون من هنا ويخرجون من هناك.
    في النهاية أدخلها حَسَنْ في أحد البيوت وأقفل الباب. وعندما وصل العبيد تلفَّتوا يُمنةً ويُسرى فلم يعرفوا إلى أين ذهبت، ولا في أي بيتٍ دخلت. وكل مجموعة منهم ذهبت في اتجاه بغرض البحث عن الأُميرة ورفيقها حَسَنْ.
    البيت، كان هو بيت حَسَنْ، وأمه كانت تعِبَةً ومريضة وراقدة بالحمى والصُدَاع وتعبانة، فقالت له:
  • هذا أنت يا حَسَنْ؟
  • نعم، هذا أنا يا أمي.
    فجاءت أمه، وسلمت على البنت فقال لها:
  • معي الأُميرة قَدَم الخِيْر.
  • تعالي، لقد كنت أتمنى أن أراك منذ زمنٍ بعيد!
    نزلت الأُميرة وسلمت عليها. ولم تحتمل الأُميرة حالها ومرضها فنزلت منها دمعة، ونزلت هذه الدمعة لأم حَسَنْ في حلقها. فشعرت المرأة، على الفور، بأنها طابت وأصبحت بخير، فنهضت وجلست، وبعد قليل زالت الحمى واختفت، وبعدها زال الصداع. فأحست بأنها قد استردت عافيتها، وليس بها شيء الآن،
    كان البيت خالياً من الطعام، وليس هناك ما يأكلونه، فنادت الأُم ولدها وقالت له:
  • اذهب لجارتنا فلانة، واحضر لنا منها شيئاً نأكله.
  • حاضر.
    وذهب حَسَنْ في مُرسال أمه، ولما عاد وجدها قد قامت ووقفت على رجليها، ونظفت البيت، وغسلت أواني الطبيخ، وأوقدت النار. فأحس بأن هذه البنت فعلاً قدم خير.
    الأُميرة قَدَم الخِيْر الأُميرة كانت تتحدث مع أم حَسَنْ، فسألتها عن أخبارهم وأحوالهم وأين زوجها وين لأنها لم تره في البيت. فقالت لها الأُم:
  • والله زوجي طبيب كان يعالج الناس لكن دُبرت له مؤامرة فحبسه الملك في سجن القصر. ومنذ ذلك اليوم ليس لدينا عائل، فابتدأنا نبيع أثاث البيت قطعةً وراء قطعة ونأكل من ثمنها إلى أن مرضت، وأشفيتني أنت من حالتي تلك، وأنا لم أبلغ العافية إلا اليوم عندما أتيتنا أنت.
    وجاء حَسَنْ، وأحضر الأشياء التي طلبتها الأُم، فطبخت وصنعت لهم الطعام فأكلوا وأكلوا. وبعد يومين جاءت جارتهم وخبطت على الباب، وقالت لحَسَنْ:
  • يا حَسَنْ! أرى إن أمك قد تعافت وصارت بصحةٍ جيدة والحمد لله، فدُلني على الحكيم الذي عالجها، فأنا أريد أن أذهب إليه لأتعالج عنده.
  • أنا هو من عالجها، فقد علمني أبي هذه المور الطبية، وكيف أصنع دواءً وكيف أعالج الناس. فقلي لي مشكلتك وأنا سأوفر لك العلاج.
    فحكت له عن مرضها، وأرته ما تشعر به، ومما تُعاني، فأخذ دمعة من الأُميرة وخلطها مع ماءِ الورد، وأعطاها لها قائلاً:
  • خلاص، استعملي هذه العلاج وسيداويك وتبلغي الصحة.
    ولما طابت الجارة، وبلغت الصحة، أحضرت لهم هدايا: دجاجة، ومعها كمية من البيض. وتسامع الناس بأن حَسَنْ يعالج المرضى كوالده، فصاروا يأتون إليه ليعالجهم، وطبعاً كان دواؤه لهم هو دموع الأُميرة قَدَم الخِيْر يخلطها مع ماء الورد في ماء فيشفوا ويصحوا ويدركوا العافية. وما أن يطيبوا حتى يغدقوا عليه الهدايا، فمن يقدم له البيض، ومنهم من يأتيه بالخبز، أو الزيت، أو اللبن، أو الجبن. وكانت كلها هدايا عينية وليست نقود. فابتدأت أم حَسَنْ تأخذ منها ما يكفي لطعامهم، وتبيع الباقي الذي يفيض عن حاجتهم. وابتدأت ترجع أثاث البيت، فأسست بيتها كما كان في الماضي، مفروش بفرش أنيق ووثير يليق بمكانتهم. واشتهر حَسَنْ في المنطقة كلها بأنه طبيب وأنه يعالج وأن علاجه ناجع.
    كان الملك، من شدة حزنه على بنته، قد مرض مرضاً شديداً، ولم يتركوا طبيباً ولا معالج ولا حكيم إلا وأحضروه ليكشف عليه ويعالج مرضه ولكن دون جدوى، فلم يقدر كل الأطباء على معرفة ما به ولا كيف يمكن علاجه. فقالت له زوجته (أم قدم الخير):
  • لقد سمعت بولد شاطر اسمه حَسَنْ، يعالج الناس، فما هو رأيك أن نذهب إليه ونُجرِّبه؟ عسى ولعل أن نجد بين يديه الشفاء.
    لبس الملك والملكة ملابس تشبه أزياء غمار الناس ليخفوا شخصياتهم، ويذهبوا متنكرين بحيث لا يعرفهم أحد، وانتحلوا شخصيات أخرى غير شخصياتهم كملك وملكة. وجاءوا إلى بيت حَسَنْ الذي عرفوه من العدد الكبير من الناس الذين يصطفون أمام الدار طلباً للعلاج.
    وجلس الملك والملكة قعدوا ينتظران باعتبارهما مواطنان عاديان لا يعرفهما أحد، وبعد عدة ساعات جاء دورهم، فدخل على حَسَنْ. وكان عند حَسَنْ غرفة صغيرة هي التي يقابل فيها المرضى. واعتادت الأُميرة قَدَم الخِيْر أن تنظر من خلال فتحة في حائط الغرفة وتراقب وتسمع شكاوى المرضى. وكانت تستمتع وتتسلى بذلك. فلما جاء أبوها وأمها ودخلا عرفتهما على الفور، رغماً عن تنكرهما، وملبسهما العادي. وأشتكى له الملك وقال له:
  • والله، بنتي ضاعت، ومنذ ضياعها وغيابها عنا لا نعرف لها مكان، فصرت أشعر بنفسي تعبان ولا أريد شيئاً سوى أن تظهر بنتي وترجع لنا. هذا كل الذي أطلبه منك، وأنا أرى أن الناس يأتوا إليك من مناطق مختلفة ومتعددة، فقط لو سمعت أي خبر عن بنتي، أو قال لك أي شخص شيئاً عنها، أو فكرت في أن تسأل الناس الذين يجيئون إليك إذا التقوها أو رأوها، وسآتي إليك مرة في كل أسبوع لأعرف الأخبار منك.
    وانصرف السلطان المتنكر وزوجته، بعد أن استمع حَسَنْ لشكواهما ووعدهما خيراً، وبعد أن غادرا قالت الأُميرة قَدَم الخِيْر لحَسَنْ:
  • ألم تعرف هذا الرجل؟
  • لا، لم أعرفه.
  • هذا هو أبي السلطان!
  • طيب، لماذا لم تأتي إليه؟
  • لا، لن أستطيع الذهاب إليه بهذه الطريقة، لأن بنات عمي موجودات، ويتسمعوا الأخبار وعارفين بما يحدث، فأنا لا أريد. ولا بد لي أن أدبر خطةً محكمة أذهب وأدخل بها القصر.
    وصدقت توقعات الأُميرة فبنات عمها كن قد أرسلن جواسيس يتسمعوا ويأتوهن بأخبارها. أين هي؟ وأين ذهبت؟ فعرفن أنها مقيمةٌ في بيت الطبيب حَسَنْ الذي يأتيه كل الناس، فأرسلن عبيدهن، وقلن لهم:
  • اذهبوا وأحرقوا ذلك البيت بمن فيه، ولا تدعوا حَسَنْ وأمه وقَدَم الخِيْر يخرجوا سالمين!
    ولكن حَسَنْ وأمه والأُميرة نجوا وخرجوا من البيت بعد الحريق مباشرةً، فهاجمهم العبيد وأمسكوا بهم ليقتلوهم حسب وصية بنات العم، لكن تجمع الجيران وابتدأوا يدافعون عن حَسَنْ وعن أمه وعن الأُميرة.
    وشعر العبيد بأن الناس أحاطوا بهم وحاصروهم، فما كان منهم إلا أن يشهروا سيوفهم، ويهددوا بأنهم سيقتلون الأُميرة إذا لم ينفض الناس من حولهم ويبتعدوا عنهم. وفجأةً ظهر ولدان ضخمان، وكان يُغطيان رأسيهما، فلم يستطع أحد أن يعرف من هما. وقطع هذان الولدان عودين ضخمين من الشجرة، وابتدآ يهجمان بها على العبيد. ومن بعيد جاءت كمية كبيرة من الغربان، وصارت تنقر عيون العبيد وفقأتها، ففقدوا أبصارهم، ومن ورائهم جاءت الغُولة أم هؤلاء الولدين، وما أن أزاحا الغطاء عن رأسيهما اكتشفت الأُميرة قَدَم الخِيْر أنهما ساهل وماهل، ففرحت وقالت لهم:
  • لقد جئتم في الوقت المناسب!
    فأخبروها بأنهما ومعهم أمهما قد خرجوا يبحثون عنها، وأنهم التقوا بالراعي وعرفوا منه أنك قد ذهبت إلى المدينة. وأنهم جاءوا ليروا ما حدث لها، ويساعدوها لو احتاجت للمساعدة.
    وجاءت الغُولة، وسلمت عليها، وقالت لها:
  • لماذا ذهبت وتركتني بعد كل الذي فعلته من أجلك؟
  • لا والله، فقط أردت أن أسلم على أبي وأمي، وأريهم أنني عائشة وعلى قيد الحياة، ولكنني أحببت حياة الغابة، وأصلاً أريد أن أرجع لأعيش معكي، لأنكم صرتم لي كأهلي، فساهل وماهل هم إخواني، وأنت أمي. فقط أسلم على أهلي وأرجع لأعيش معكم في الغابة.
  • لو كان الأُمر كذلك فأنا سأساعدك.
    وساقت الأُميرة وسارت بها هي وأولادها وأبوهم الغُول نحو القصر، ورآهم كل الناس، الذين تزايدت أعدادهم، وأخذوا يهتفون باسم الأُميرة (قدم الخير) إلى أن وصل الموكب لقصر أبيها.
    وكان أبوها وأمها يجلسان ويتآنسان في بهو القصر، فسمعا الضجيج والجلبَة، فخرجا ليريا ما يحدث، فوجدا الأُميرة قادمة نحوهما بحماية الغُولة وكل الناس في الحي يرافقونها ويهتفون باسمها، إلى أن أوصلوها للقصر.
    دخلت، وسلمت على أبيها وحكت لهما ما جرى معها منذ اليوم الذي خرجت فيه مع بنات عمها للغابة، وماذا فعلن معها في تلك الرحلة، وقالت لهما كل الكلام. فأمر الملك بإحضار أولائي البنات ليعاقبهن على فعائلهن. ولكن العبيد اكتشفوا إن البنات قد هربن، فأخبروا الملك وقالوا له إنهن ملأن صندوقاً كبيراً بالذهب والمجوهرات والنقود وهربن به. وأمر الملك بأن يقفل الحُرَّاس أبواب المدينة حتى لا تتمكن بنات أخيه من الخروج، لكن للأسف كن هن قد خرجن بمجرد أن عرفن بقدوم الأُميرة في حماية الغُولة، وسط كل الناس، وإن خطتهن قد فشلت وأن أمرهن سينكشف. وذهبت بنات العم لأحد أصدقاء أبيهم، ليساعدهن في الهرب من الملك. وأثناء ما هن سائرات في الطريق دخل عليهن الليل، وأظلمت الدنيا، وعوت الذئاب فخافت أحصنتهن فانحرفت عن خط سيرها، ودخلت في غابة كانت أشجارها عالية. وضللن الطريق، ولم يعرفن الاتجاه ولا إلى أين هن ذاهبات، فقررن أن يبيتن هنا حتى الصباح، ليرين عندها ما يمكنهن فعله.
    بعد أن أقامت الأُميرة قَدَم الخِيْر عند أبيها وأمها يومين، قالت لهما:
  • لقد أحببت الحياة في الغابة، وأريد أن أذهب لأعيش هناك.
  • لا! لا تذهبي، وواصلي الإقامة معنا، فنحن نخاف عليك، ولن نكون مطمئنين عليك وأنت هناك في الغابة.
  • لا، أنا سأذهب، وسآتيكما كل فترة والثانية لأسلم وأطمئن عليكما.
    ووعدت الغُولة الملك بأنها ستحافظ على الأُميرة وتحميها، فاقتنع الملك. وهكذا فقد رجعت الأُميرة قَدَم الخِيْر مع أسرتها الجديدة، الغُولة وأولادها. وفي الطريق وجدوا بنات عمها الثلاثة في الغابة في نفس المكان الذي دخلوا فيه، كان طعامهن قد انتهى وليس لديهن ماء وحالتهن صعبة، فقالت الغُولة للأميرة:
  • الليلة سنتعشى ببنات عمك أولائي، سنطبخهم ونأكلهم.
  • لا، لا تأكليهم.
    وتوَسَّلت بنات العم للأميرة أن تعفو عنهن، وحاولن استرضائها، وقلن لها:
  • نرجوكم، أعفوا عنا، واتركونا ولا تقتلونا.
    والأُميرة ذاتها توسلت بدورها للأم الغُولة، وقالت لها:
  • دعيهن، كفاية عليهن أن يشتغلن في الحقول ويزرعن، وينظفن لنا البيت.
    الأولاد، ساهل وماهل قالوا لها:
  • «إنت طيبة ومتسامحة، لكن هن لا يستحققن العفو. وكما قالت أمنا: دعينا نأكلهن.
    فترجتهم وهي تبكي، فحنوا عليها، ووعدوها بأنهم لن يأكلوا بنات عمها الشريرات، وقالت الغُولة الأُم:
  • ولكنني سأخرجهن من هذه الغابة، فلا يقمن عندنا ولا بجوارنا.
    وفعلاً أخذتهن لمكانٍ بعيد في طرف الغابة، وقالت لَھِن:
  • يللا! اذهبن ولا تتعرضن للأميرة، ولا تدعنني أراكن مرة ً أخرى.
    وانتظرن فترة بعد ذهاب الأُميرة والغُولة وأولادها، فقامت البنت الكبيرة واسمها (مها) ربطت منديلاً أبيضاً في ساق شجرة عالية، فسألتها أختها الصغيرة (مريم) وقالت لھا:
  • ماذا تفعلين؟
  • هل تعتقدين أننا سنتوقف عن ملاحقة قَدَم الخِيْر؟ لابد لنا أن نواصل انتقامنا منها!
  • ألا يكفي ما صنعناه معها حتى الآن، خصوصاً وأنها أنقذتنا وترجت الغُولة بألا تأكلنا؟ دعيها في حالها، ماذا نريد منها أكثر؟
  • لا، نحن لابد أن ننتقم منها، وننتقم من أبيها ذاته، لن ندعهم أبداً، وسيأتي معنا صديق والدنا، ونحضر كلاباً، ونجمع معهم كمية من الرجال يأتوا ليقتلوا هذه الغُولة وأولادها، ويقتلوا معهم الأُميرة.
    فقالت لها (مريم):
  • لا، أنا سأذهب لعمي وسأطلب منه أن يسامحني، ويغفر لي ما فعلته ببنته.
    فضربتها أخواتها الاثنان، وقالا لھا:
  • أنت أصلك ضدنا، وأنت غير نافعة، ونحن ذاتنا لا نحتاجك في شيء!
    وجرت منهما، ودخلت في الغابة. فقالت مها لأختها مَاريَا:
  • دعيها فنحن لا نحتاجها في شيء!
    وسرن في طريقهن لصديق أبيهم ذاك، وعندما وصلنه وكلمنه وقلن له:
  • هاجمنا الأغوال، وخطفوا أختنا الصغيرة (مريم)، ونريدك أن تذهب معنا لننقذها منهم ونعيدها إلينا.
    فوافقهن الرجل، وجمع من حوله من الناس، وكلمهم، قال لهم:
  • بنات أخي هاجمتهن والأغوال، وخطفوا أختهن الصغيرة، ونريد أن نذهب لننقذها.
    واجتمع الناس، وساروا كلهم راجعين مع البنتين (مها ومَاريَا) في الغابة إلى أن وصلوا الشجرة التي ربطت فيها مها المنديل، فقالت لهم:
  • هنا! هذه هي المنطقة!
    ووقفتا لتحددا في اتجاهً تسيران، فإذا بهما يسمعا صوت أبواق، وجلبة، ورأين الناس جارون نحوهما، ومن بعيد رأين أختهما مريم مع الناس، ومعها ساهل وماهل، ومن خلفهم السلطان يتبعه جيشه، كلهم أتوا لينقذوا الأُميرة بعد أن أخبرتهم مريم وقالت لهم إن أختيها قلن إنهن سينتقمن من قَدَم الخِيْر، فقالتا:
  • نعم، أختنا خانتنا وذهبت فوشت بنا عند السلطان ورهطه.
    لأنهما لم تجدا الغُولة، ولا ولديها ساهل وماهل ولا الأُميرة. فعرفتا إن أختهما هي من أخبرتهم بخطتهما. وقال لهن صديق أبيهن، وقد كان رجلاً صعباً، قال لهما:
  • لن نقدر على جيش السلطان هذا.
    وعلى الفور هرب ثلاثتهم ومعهم الرجال الذين جمعهم صديق والدهما، وحاولت البنتان، بلا جدوى، أن ينقذ لهما الرجال أختهما وأن يبقوا معهما، ولكنهم قالوا لھما:
  • لا! نحن لن نقدر على خوض هذه المعركة، ولن نواجه جيش السلطان.
    فرجعوا كلهم، وطلب منهما الرجل أن ترجعا معهم، ولكنهما رفضتا، وظلتا واقفتين. وتسلل ماهل ومعه أختهما مريم من وراء الشجرة، وقال لھما:
  • هيا، اتبعاني لأريكما المغارة التي تختبئ فيها الأُميرة قَدَم الخِيْر.
    وفرحت البنتان، وتبعاهما وسارا وراهما، وساروا وساروا إلى أن وصلوا المغارة. ومدت الأُميرة رأسها لتنظر إليهم، وكان معها ساهل، فحملت كل واحدة من البنتين عصاةً كبيرةً، وهمتا بأن تضربا الأُميرة، ولكن قبل أن يضرباها، سألت مها أختها وقالت لها:
  • أين الغُولة؟ لماذا لا نراها مع قَدَم الخِيْر؟
    وما هي إلا لحظات حتى هاجمتهما الغُولة من ورائهما، وقالت لھما:
  • أنا هنا! وقد حذرتكما وقلت لكما لا تتعرضا لهذه الأُميرة مرةً أخرى!
    وجاءت خلفها الغربان، ونقروا أعين هاتين البنتين، فعمين، وصارتا تجريان بلا أي اتجاه، وكانتا تصرخان من شدة الألم.
    وخرجت الأُميرة من المغارة ومعها ساهل وماهل ومريم، فقالوا لَھَا:
  • جاء أبوك على رأس جيش لينقذك!
    رجعوا، كلهم هناك إلى القصر، وجاء حَسَنْ وأمه، فقال السلطان لحَسَنْ:
  • سأزوجك الأُميرة، لأنك شخصٌ ممتاز، وساعدت الناس وعالجتهم، ولم تكن تطلب مقابلاً، وأنا سأزوجك بنتي.
    وأرسل حراسه في الأسواق لينادوا في أهل البلد بأن اليوم هو يوم فرح الأُميرة، وزواجها من الطبيب حَسَنْ الطبيب. وأطلق سراح والده الذي كان أسيراً في سجن القصر، بعد أن عرف إنه كان ضحية لمكيدة دُبرت لُيسجن. وزوجوا ماهل لمريم، أما ساهل فقد اختاروا له بنتاً من عامة الناس. وجاء الناس ليحضروا تلك الزيجات: زواج الأغوال من بناتهم، وزواج الأُميرة من حَسَنْ. في أثناء مراسم الأفراح هذه، جاءت البنتان العمياوان، وكل واحدة منهما تحمل عصاةً تتوكأن عليها وتتحسسا بها الطريق، إلى أن وصلتا. وكانت واحدة تحمل قارورة مليئة بالسم، تهم بأن تضعه في الأكل لتسمم جميع الضيف، وتسمم الأُميرة. والناس حنوا عليهما وأشفقوا، دون أن يعرفوا من هن؟ سألت مها امرأة عجوز من الحاضرين، وقالت لها:
  • ماذا يحدث هنا؟ أخبريني ماذا ترين؟
  • هنا الأُميرة قَدَم الخِيْر وبجوارها حَسَنْ، يلبسان ملابس الاحتفال لأن اليوم هو يوم زواجهما، ومريم أيضاً تزوجت الغُول ماهل، وساهل أيضاً زوجوه لإحدى البنات، وهذه هي الاحتفالات بتلك المناسبات.
    وتقدمت مها نحو المائدة، وقد نوت أن تصب السم في الطعام، وتحسست طريقها لتعرف أين تضع السم، فعثرت في حجر وانكبت واقعة على وجهها. فانكسرت زجاجة السم وملأت المكان وطار بعضه في حلقها، ماتت في مكانها على الفور، وعندما هب الناس لرفعها ومساعدتها وجدوها لقوها ميتة. البنت ماريا الثانية أيضاً ذهبت وهي تتحسس بعصاتها ولا ترى شيئاً أمامها، فتعثرت هي الأخرى في قدر لحم كبير يغلي فوق النار، فوقعت في ذلك القدر وماتت، هي الأخرى، على الفور.
    وقال الملك لقَدَم الخِيْر:
  • هذا جزاؤهن طبعاً لشرورهن ومكائدهن التي عملنها، ولا زلن يواصلن فيها. وما تابن، وما اعتذرن ولا ندمن فلقين جزاءاً من جنس عملهن وذنوبهن التي اغترفنها.

انتهت الحكاية.

amsidahmed@outlook.com

Author
عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
تحالف (تأسيس) يدين المجزرة الدموية التي شنّها الطيران العسكري المصري على منطقة شمال الوادي
منبر الرأي
مصنع المليشيات يكتظ بالخردة
الأخبار
في حصيلة أولية: استشهاد 158 وأكثر من 100 مصاب، نتيجة قصف الطيران المصري على المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية
الأخبار
التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”: بيان إدانة للغارات على مناطق التعدين شمال السودان
منبر الرأي
بين بقاء البشير وبقاء الوطن: في السودان البلاد تحتاج تغيير النظام .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أمريكا والعرب .. غيرة وكلينكس !! … بقلم: علاء الدين حمدى

علاء الدين حمدى
منبر الرأي

ماذا فعل الغرنوق في آخر شهر من شهوره ال 933 ؟ .. بقلم: ثروت قاسم

ثروت قاسم
منبر الرأي

كيف تراجعت الخماسية عن خارطة طريق الرباعية؟

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

ملحق خارط الطريق الوطنية , مقترح حل للمحنة السودانية؟ .. بقلم: بدوى تاجو

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss