قال عربي، لا تشتري العبد !! .. بقلم: ناجي شريف بابكر

.
.

طالعتُ ردودَ الأفعال الغاضبة على تغريدات الإخوة الخلايجة التي جالت الأسافير.. والمزدحمة بالهمز واللمز في أن السودانيين ليسوا سوى عبيد، وأنّ شاعراً عربيّاً مفوّهاً قد كان محقا حينما أوصاهم يوما بألا يشتروا العبد إلا والعصا معه، فهو حتي وقد عرض للبيع ربما لا يصلح للشراء.. لأنه قد عرف عنه، من رذيل الخصال، عبر سنين طويلة من الإستعباد، أنها لا تستقيم سياسته إلا بها.
.
الأمر لا يستدعي الغضب أكثر مما يستدعي التريث وإستدراك الدواعي.. للتمكن من إستخلاص العبر من مثل هذا السلوك المفاهيمي، الذي قد أثار حفيظة الكثيرين من بيننا كسودانيين، بل والعديدين من الأخوة الخلايجة أنفسهم.. الذين بدا أنهم على خلاف سابقيهم، يتحلون بأطرٍ أخلاقية وإنسانية رفيعة تلزمهم بإستهجان الهمز واللمز والإقلاع عن وصف الآخرين بما لا يشتهون.
.
الجدير بالذكر ان التاريخ لا ينفي بل إنما يؤكد أن شعوب السودان أوما يسمى قديما ببلاد الأحباش وهي المنطقة جنوب أرض الكنانة، التي تمتد من النيل وحتى مشارف البحر الأحمر وزنزبار، وغربا حتى تخوم الساحل الغربي لأفريقيا.. قد خضعت منذ حملة القائد عبد الله إبن أبي السرح وحتي عهد الخديوي باشا في مصر، لنشاطٍ كثيف لحملات من عرب الجزيرة العربية ومن سلطنة زنزبار .. كانت الحملات تغوص في مجاهيل أفريقيا وأدغالها، وتصل جنوبا حتي منطقة البحيرات.. كانت تهدف في مسعاها لصيد العبيد وشدهم بالسلاسل، وتجميعهم والسير بهم إلي زنزبار، ليباعوا هناك في مزادات يرتادها سماسرة دوليين، ليتم حشرهم لاحقا في السفن الشراعية والبواخر التي تحملهم غربا للعمل في حقول التبغ والسكر وأعمال التشييد، في أمريكا التي كانت تعرف وقتها بالدنيا الجديدة.
.
لم يكن الإسلام في نسخته السائدة وقتها، أسوةً بنسخته الحالية فيما خلا الذكر الحكيم، يُحرّم على العرب غزوَ الناسِ في ديارهم الآمنة، وإخراجهم منها دون جريرة منهم، ولا يُحرّم كذلك أسرَ الرجالِ الأحرار والمحاربين واستعبادهم قسراً وبيعهم في أسواق النخاسة لمضاعفة المكاسب والثروات، واتخاذ النساء منهم جواري وإماء. كان ذلك الوضع ساريا إلى ماقبل قيام إنجلترا عقب الثورة الصناعية، بفرض قانون مكافحة الرق في المستعمرات، وإجبار الخديوي في مصر علي التوقيع علي المساعدة في فرض القانون في السودان من خلال الإدارة الإستعمارية.. إذ تمت برعاية الحاكم العام بالخرطوم آنذاك، محاصرة النشطاء وقتل كبار النافذين منهم في تلك التجارة الشائنة، وتحطيم زرائب ومنشآت تجميع العبيد. وتكلل ذلك بإغلاق حدود الجنوب في منطقة بحر العرب أمام المتسللين عبر النهر من النخاسين العرب. ثم لم يلبث الناس ساعة حتى حدثت الردة وعاد الأمر إلى ما كان عليه بالسودان، تحديدا بعد نجاح محمد أحمد المهدي مدعوما بالمقاتلين من كتائب البازنقر وأمراء الحرب، في إخضاع الخرطوم وقتل الحاكم العام هناك. فما أن نُصبت بيارقُ النصر حتي عادت من جديد أسواق النخاسة، وجُردت الحملات إلي جنوب بحر العرب، فصار العبيد والجواري واحدا من عناصر العهدة المملوكة والمرصودة كأصول بسجلات ووثائق بيت مال المسلمين بأمدرمان.
.
فوفقا للمنظور العربي المسلم.. لا يستقيم للعبد أن يستقبل ضيفا.. أو يجير مستجيرا.. أو ينكح محبوبةً أو يواقع شريكةً له، دون أن يحصل في ذلك على إذن من مولاه.. وبالتالي فليس غريبا أن يستغلق على العقل العربي المسلم المعاصر، أن يتفهم أو يستوعب كيف تبلغ الجرأة ببلادٍ كالسودان، لا تعدو في العقلية العربية السلطانية هي وقاطنوها، سوى أنها مستودع سابق، وربما مستقبلي للعبيد والسبايا، أن تستضيف زائرا كالسيد أردوغان أو سواه.. دون إذن من سيدها العربي سليل السماء وصاحب الدماء النبيلة، بل ورغم أنفه أو في غفلة منه.
.
ذلك بالتحديد هو الحاجز الوهمي الذي تعديناه، دونما وعي منا، فانفتحت بعده علينا أبواب الجحيم. إستضافتنا وإحتفاؤنا بأردوغان اليوم.. وترحابنا الحار فيما مضى بأميرة قطرية محسنة، قد كان خطأً فادحاً لا يغتفر.. فالعبد مادام على حاله فإنه لا يجير مستجيرا ولا يستأذن طارقا إلا بتفويض من مولاه..
.
بالنظر لذلك التاريخ القريب، كواقع قد تشكل في رحم الماضي لا يجدي إنكاره أو القفز عليه، وإستيعاب أن الفلسفة والمنتوج الفقهي الذي أطَّرَ يوما الفقه والفتاوى المكتوبة للمجتمعات العربية المسلمة.. والذي جيش المجاهدين لغزو بلاد الأحباش ورمي دنقلا العجوز بالمنجنيق.. بل واستعراض البحر في مضيق طارق لبسط نفوذ الأمراء الأمويين الغزاة شمالا على بلاد الأندلس بحدائقها الغناء ونسائها الفاتنات.. وذلك بعد أن فقدوا خلافتهم وثرواتهم للعباسيين في دمشق وبغداد..
.
ربما بالنظر لكل ذلك واستلهامه تتبدى لنا الصدمة أقل بكثير في إستيعابنا لمثل تلك الإشارات والوخزات الجارحة. ففي الأيام التي كانت فيها شوكةُ الخلافةِ نافذةً.. كنا نحن عبيدا وكانوا هم السادة تحت السماء نفسها.. عبيدا ربما بحكم ألواننا وبحكم ضعف شوكتنا.. عبيدا حتى لو شهدنا ألا إله إلا الله واتَّبعنَا النبيَّ الأمىّ وصرنا إخوانا لسادتنا، في الدين. فمادام هذا الفقه قائما تطبع يوميا منه مئات النسخ في المدينة المنورة والقاهرة وبلاد مابين النهرين والمغرب.. ويلقن للطلاب في المدارس، وتعاد طباعته حتى طوال الأيام التي خبت فيها نيران الخلافة.. سيظل الحلم القرشي قائما متقدا، يداعب أفئدة أصحابه ويتطلع إلي اليوم الذي تعود فيه سنابك الغزاة المسلمين من جديد لتطرق بقوة علينا أبوابنا.
.
لماذا إذن يتملكنا الغضب حينما يُذكِّرُنا أحدهم بماضينا وماضي أسلافنا.. وبما ستحمله لنا الأيام الحبلى بالمصائب إذا ما عاد حلم الخلافة من جديد، أو عادت يوما خيول الخليفة إلى بغداد.
.
إنتهى
http://nagibabiker.blogspot.com

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً