لبنى احمد حسين
ثم ماذا بعد؟
بنشر هذا العمود، تكون ثمانية أيام قد مرّت على القصف الجوي الذي راح ضحيته دهابة سودانيون، نسأل الله أن يتقبلهم شهداء. سمعنا رواية عسكرية مصرية عن (الحملة المكبرة) لمواجهة أعمال التنقيب غير المشروع عن الذهب، مع تأكيد أن (الحملة متواصلة). وسمعنا رواية سودانية على لسان ضابط معاشي، تقول إن الدهابة أجانب من النيجر ومالي. وسمعنا من الناجين السودانيين أن المنطقة هي “شمال الوادي” و داخل حدود السودان.
وعلى وسائل التواصل أبكانا الشهيد الطيب الهادي، ابن الستة عشر عاماً، وهو دامي الوجه يحتضر، مهموماً بإخوته الأيتام، ويوصي بسداد دَين بسيط: ذرة وسمسم..
ثم جاء بيان مجلس السيادة بتكوين لجنة تحقيق في (الحادث الأليم)، لجنة مبنية للمجهول لم نعرف اسم رئيسها و لا اسماء اعضائها.. و غرّد رئيس الوزراء معزياً أسر الضحايا بالإنجليزية، أي والله، وله الشكر عموماً على تأكيده سودانيتهم.
مضى أسبوع ولم تعلن اللجنة عن أبسط الأشياء، وهي إحداثيات الموقع. مرّ أسبوع ولم تعلن حتى نتائج أولية عن مجرد عدد الجثامين التي عُثر عليها (دعك ممن قضوا داخل الجبال).
لا نطلب لبن الطير ولا شنب الأسد. المطلب بسيط: أين إحداثيات موقع أو مواقع القصف الذي راح ضحيته سودانيين؟ وهو أمر لا يحتاج أسبوعاً، بل ساعات. غياب الشفافية حول الإحداثيات هو لبّ الأزمة، فالإحداثيات هي ما تحسم المسؤوليات..
ولا يرجّح هذا المقال فرضية او رواية على أخرى. وإنما نقول إن إجابة اللجنة السودانية الرسمية هي التي تحدد كيف يتقي الدهابة السودانيين الحملات التالية مستقبلا.
فإن كانت الأرض مصرية ودخلها الدهابة خطأً، فالدخول خطأً وارد، في حدود واسعة ليس بها سلك شائك و لا علامات على الارض و لا على الجبال. فأغلبهم أُناس بسطاء يضربون الجبال بأيديهم بحثاً عن لقمة حلال وليسوا أعداءً لمصر. فلتقل لجنة التحقيق ذلك صراحة، ولتحذّر البقية بالعودة إلى حدود السودان حتى لا يتكرر قصفهم، ولتتعاون مع السلطات المصرية لإيجاد وسيلة أخرى لتنبيه الدهابة السودانيين، لأن إلقاء وريقات في منطقة جبلية وصحراوية ستتلقفها الريح حتماً قبل أن تصل الرسائل إلى المرسَل إليهم.. بالطبع هذا اذا كانت الارض مصرية خالصة و لم تجد السلطات المصرية في الدهابة السودانيين خبرة او مهارة و قوة تحمل تستحق الاستعانة بهم بعقود في مناجم في جبال لا يطيقها بشر على كوكب الارض الا (مسامير الارض)..
وإن كان المنجم أو المناجم جنوب خط ٢٢ ولكن في منطقة بير طويل، فعلى حكومة البرهان أن تبيّن للمواطن ما له وما عليه فيها.
وإن كانت أرضاً سودانية بيعت أو أُجّرت أو تم التنازل عنها بأي صيغة لأي جهة، ومعها حق الحماية والدفاع، فمن حق الدهابي أن يعلم، ليختار الابتعاد أو المخاطرة.
وإن كانت أرضاً سودانية خالصة ولم تمنح الحكومة السودانية أي جهة خارجية امتياز التعدين وحق الدفاع فيها، فمن حق المواطن أن يسأل: لماذا لا يوجد جيش سوداني في أرض سودانية، وفي منطقة سبق قصف حدودها؟ لماذا لا توجد مضادات أرضية أو جوية للدفاع؟ أم أن مضادات الجيش مخصصة فقط لمسيّرات المليشيا الخارجة من رحمهم؟
يقول شهود عيان بالمنطقة إنهم لم يروا جيشاً سودانياً لا قبل القصف ولا بعده، و ان بعض أفراد القوات المشتركة الذين كانوا يتواجدون للحراسة أو للإتاوة قد غادروا. فهل أُوكلت مهمة حراسة الحدود الشمالية للقوات المشتركة، أم أُوكلت لها مهمة الجباية؟ ام تم منحها امتيازا للتنقيب في المنطقة.. ام ام.. وما الدرس الذي تعلمناه من تجربة قوات حميدتي؟
وسواء كانت المناجم بهذه الأرض أو تلك، تبقى الأسئلة قائمة، ويبقى القتل مداناً، والفتنة أشد من القتل. وصمت لجنة البرهان حتى الآن عن إحداثيات مواقع التعدين والقصف هو الفتنة التي تمهد لإزهاق ارواح اخرى، خاصة وأن (الحملة) لن تكون الأخيرة، فقد أعلن متحدثون رسميون مصريون أنها (متواصلة). فهل سيتواصل أيضاً صمت لجنة البرهان ويعزي رئيس الحكومة أسر الضحايا بالإنجليزية، بينما تتواصل حرب تسمّى (حرب الكرامة) و الذي يختار فيها #لا_للحرب ( أيضاً) يكون خائن و عميل؟..
عزيزي القارئ، أعتذر لك عن صداع سؤال هذا المقال. فالحقيقة أن اللجنة التي كوّنها البرهان لا تضم احد من مهندسي المساحة الرقمية أو الجغرافيا أو أخصائيي نظم المعلومات، وإنما من وكلاء نيابة، كأنها تحقق في جريمة طعن بسلاح ابيض حدثت في سوق ستة ..و حتى هؤلاء،هل اعلن عن اسماء رئيس و اعضاء اللجنة؟.. ام ستظل اسمائهم مبنية للمجهول و تظهر فقط في كشوفات صرف نثريات و حوافز عمل اللجنة؟.. فمن سيجيب على سؤال الاحداثيات؟..
منشن:
مجلس الامن و الدفاع
لجنة التحقيق في (الحادث الأليم )
جمعية مهندسي المناجم السودانية
هيئة المساحة السودانية
بروف معاذ تنقو
