قلنا في مكتوبنا السابق و الذي جاء عنونته بـ “مع دولة حمدوك قبل النكبة/ الهزيمة،،،، نحو توقيع وثيقة المواطنة السودانية و الإنتقال الديمقراطي” أن هناك حاجة موضوعية ملحة لـ”ترتيبات وطنية سريعة” لصراع حقل الإنتقال السياسي قبل بلوغ الإنسداد التاريخي مداه، لا قدر الله ــ إن وقع ــ سيؤدي في المقفلة إلى قطع طريق المرور من “الإنتقالي الثوري” إلى “الديمقراطي الدستوري” بإعتبارها محطة الإستحقاق الوطني الأصل و الأساس لأجندة حكومة الثورة في مفهومها الكلي و التي لم ترتقي إلى ثورية كلية بل أنتجت ثورة جزئية، عبر تسوية مصالحية نفعية، نعتت بـ “الشراكة” السياسية ما بين “الخوذة” و ” البدلة و ربطة عنق و الثوب” ــ دون عمامة ــ لبعض القوى الحزبية و القوي الثورية، و هي ذات القوى التي أطلقنا عليها” العصبية الجبرية” المهيمنة تاريخيا و التي تُعرّف في أدبيات الخطاب السياسي بالنخب أو الصفوة التي تقلصت في عديد مكوناتها اليوم لأسباب تتعلق بالمصادمة مع مفاهيم الثورة و إستحقاقات الوضعية التاريخية الجديدة في البلاد. هذه المصادمة شكلت وعي إبستمولجي و ثورة معرفية مفاهيمية كاملة لدي الطبقة الثورية التي صنعت عموم الفعل الثوري السوداني، إلا أن القوى الحزبية قابلت الفعل الثوري الكلي سريعا بالذهاب إلى الجزئي باللجوء إلى مسرح التسوية جراء ميكانيزم عقل التسوية و المساومة الذي أنتج منظومة الشراكة الإنتقالية التي تعيش اليوم جملة إختلالات جوهرية، بدءً من الشعار إلى البنية و الوظائف و المهام و التشكيلة.
جدير بالذكر، أن سبب إختلالات النادي الإنتقالي مرده بالأساس إلى صراع السياسي و الإجتماعي و الاقتصادي و يمتد إلى الثقافي و المعرفي كبنية نسقية ممتدة، تعيد نفسها بشكل مستمر، لتشكل ضمن سيرورة سياسية، مراكز قوى جديدة، عسكرية و سياسية و إقتصادية و جهوية و مناطقية و إقليمية بائنة تتدافع جميعها نحو السلطوية جراء التجريف الذي أصاب مركزية السلطوية الهيمنة التاريخية لفائدة ترتيب وطني جديد، إختلفت فيها لائحة ترتيب أولويات المصالح بين هذه القوى التي تتقاسمها مركزيات في العمق، هي حضارية ترفض ثقافة الإستجابة عبر الإستيعاب أو الدمج أو الإلحاق لأجل الشراكة التعددية المستقلة الحقة. هذا هو الفهم المادي المؤسسي الجديد للدولة و يأتي ضدا للإرث المادي المؤسساتي للدولة القديمة و أدوات شرعناتها، فنحن هنا أمام صراع بين إرثين مختلفين، إرث وطني قريب للخردة و إرث وطني جديد يمضي في التشكل و يخوض جدليات التاسيس و أسئلة الماهيات.
في سياق فسيفسائية هذا المشهد، إنشطرت الكتلة الثورية الصلبة و إنشطرت معها حكومة الإنتقال في مراكز قواها الحزبية المكونة، أصبحنا فيها أمام كتلتين لقوى الحرية و التغيير، قريبة من ناحية القياس السياسي لـجدلية “محيط / تمركز”. إضافة إلى ذلك، كتل عسكرية متفاوتة الحجم و العتاد، تدير مع بعضها أو ضدها مبدئيا، لعبة الهدنة التكتيكية وفق شروط الواقع المفروض عليها لتحقيق مكاسب تعبر عن تنقلات طموحاتها الخفية، و مع ذلك، ثمة كتل إجتماعية جهوية مناطقية، تتجاذب بعنف معنوي بيّن تقترب إلى العسكري. هذا الواقع ربما ولّد حكومتين إنتقاليين، واحدة علنية تمثلها طبقة مدنية ديمقراطية تحظى بتغطية دولية و أممية واضحة و دعم جماهيري قياساته مختلفة في الطلوع و الهبوط،، و في الجانب الآخر، حكومة إنتقال مؤسساتية ــ نشطة داخل المؤسسات ــ و بفاعلية تعمل بموازة و داخل مع حكومة الإنتقال الدستورية و تتولى أمرها تحالفات قوى السيطرة الممسكة بأدوات العنف لتخدم مهام محددة و وفق سقوفات مصالحها الآنية و الإستراتيجية، تصالحاتها و تحالفاتها تحت ثابت تكتيكي. هذا الإتجاه، المؤكد في الصورة العامة، المنتج الثوري موزع و تتحكم فيه مراكز قوى مرتبطة بالداخلي و الخارجي، حيث المصرح به و الورقي المكتوب من وثائق و ادبيات لا تشكل أي أهمية قانونية و لا مرجعية.
إنعكست تلك المسوغات اليوم على خريطة الصراع الحالي ، بين عسكر و عسكر. مدنيون و مدنيين، عسكر و مدنيون، ثوار ضد عسكر و مدنيين، في ثنائيات ضدية متبادلة، أضاعت فيها الهدف الثوري نحو ثورة التأسيس عبر التغيير الجذري بعدما أفرغ شعار الثورة الثلاثي من محتواه الفكري و المعرفي و الفلسفي، رغم عالميته الإنسانية التي تشبه في نظامها القيمي طروحات الثورة الفرنسية، و ذلك لصالح دولة ذات قيم مؤنسنة في فكرها و فعلها، تنقل الدولة من ثقافتها “المتوحشة” لرحاب الأنسنة التي لم تعرفها الدولة قط، لذلك تعطلت العدالة و جذرها الإصطلاحي الأصغر المساواة، فيما المفارقة، عادت الثورة مرة أخرى إلى ذات الدائرة المركزية التي يلتف حولها الجميع و هي مركزية الخوذة العسكرية، الفاعل الأساس في كل العمليات السياسية في البلاد، قديما و حديثا، و لفائدة التكرار نقول ــ الفاعل العسكري السوداني هو الأصل الذي يحرك الفاعل المدني ــ يتم هذا مع مدافعة المجتمع السياسي نحو خانة المولاة أو المعارضة، إستطفاف أو تباعد، تكتيكي و استراتيجي تحت ما أصطلح عليه سياسيا اليوم بـ”الحاضنة”، الغائب الوحيد في جدليات الإنتقال الثوري و حراك دينامياتها هو غياب الإستحقاق التاريخي الواجب وقوعه لإنجاز مهام دورة الدولة الوطنية الثانية المستحقة بعد التهديدات التي قد تؤدي إلى “سقوط” الوثيقة الدستورية و نزاع شرعية الوثيقة بين قوى مالكة و أخرى تابعة أو مستأجرة للوثيقة.
كل هذا يدفع إلى طرح سؤال، ماذا بعد أو ما العمل؟ و هو إستفهام ورد في كراسة سياسية كتبها فلاديمير لينين ونشرها العام 1902، تحت عنوان فرعي “الوسائل الملحة لحركتنا” و هي الحركة الثورية للبرولتياريا التي لا تختلف كثيرا عن البنية المحركة للثورة السودانية، كثورة شابات و شباب يبحثوا عن رسم ملامح جادة لمستقبل بلاده عبر حفريات تأسيس جديدة و قطيعة مع التراث السوسياسي ما بعد الكولنيالية، و هذا يعني أن الثورة هي طفرة نوعية و كيفية، و أن المجتمعات ليست في حالة جمود و إنما في حالة ديناميكية مستمرة، و أن المستقر النهائي لما أسميناه بالطبقة الثورية لا ينتهي إلا بتولي الطبقة الثورية السودانية الشابة الجديدة السلطة و تنفيذ منهج القطيعة السياسي و صناعة الدولة الوطنية الجديدة المتعطلة تاريخيا .
إذاً، السؤال التاريخي الذي يواجه الدولة بعدما تحول المجتمع السياسي اليوم إلى أجندة التنافس و التدافع و المزاحمة عوض التكاملية، هو حوار نحو الديمقراطية فقط، كضرورة ملحة بعد تراجعت أو سقطت أجندات الإنتقال الأخرى. و القصد يرمي إلى تحويل مسار براديغم الصراع السوداني السياسي و المجتمعي الشديد الوطأة، نحو إنتقال من اجل ثورة حول الديمقراطية، ثورة مواطنون ديمقراطيون، عبر “وثيقة الإنتقال الديمقراطي ” أو “وثيقة العهد الديمقراطي” بين شركاء الإنتقال، العسكر و الحكومة التنفيذية و القوى الديمقراطية. و ملخص عناصر الوثيقة التعاقدية تتكون من الآتي:ـ
1/ ديباجة عامة
2/ مرجعية الوثيقة الدستورية.
3/ إلتزام الأطراف الموقعة على أجال و بتواريخ محددة، قاطعة على قيام العملية الانتخابية.
4/إلتزام الأطراف على مراقبة دولية و إقليمية و وطنية لكل العملية الانتخابية.
5/ إلتزام الأطراف على تواريخ محددة بإنشاء مفوضية الانتخابات و التوافق على أعضائها من المنظومة العدلية و القانونية ذات إستقلال و نزاهة، توكل لها مهام الإحصاء السكاني.
6/ إلتزام الأطراف بآجال محددة لتكوين المجلس التشريعي، و لجان الدستور و الحوار، بدءً من الحوار المحلي و الإقليمي إلى الحوار الوطني الشامل .
.7/ إلتزام الأطراف على صياغة وثيقة منفردة لـ “إعلان حقوق المواطنة السودانية”.
8/ تودع نسخ من وثيقة تعاقد الديمقراطية المقترحة عند الأمين العام للأمم المتحدة و الإتحاد الأفريقي و الجامعة العربية و الضامنين و القوى الموقعة.
*عن جريدة ” الجريدة
mahgoub@windowslive.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم