قتلانا في النار.. وقتلاكم في الجنة .. بقلم: ناجي شريف بابكر
20 ديسمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
22 زيارة
“وايتس إن بلاك سكينس”
في الثالث من يونيو ٢٠١٩ قام قتلة مجهولون بقتل، وحرق واغتصاب ثم إغراق ما يقارب الألف نفس على نسق حادثة رابعة العدوية الآثمة بالقاهرة، وذلك أمام بوابات القيادة العامة للجيش بالخرطوم، لم تُجرد ذلك النهار المتحركات، ولم يُطلق أحدهم الرصاص في اتجاه القاتل المجهول.. لم يحفل أحدٌ يومها بالقتلى.
في الثالث عشر من ديسمبر ٢٠٢٠، بعد عام ونصف بالضبط، قُتِلَ في إعتداء آثمٍ بالحدود الشرقية، ضابط من القوات المسلحة بينما جُرح ثلاثة آخرون، تم صبيحة اليوم التالي إرسال أرتال من التعزيزات والآليات العسكرية، وتحرك أفراد رفيعون يتربعون على قمة السلطة السيادية، لموقع الحدث.. ربما قَوَدٌ للقتيل وربما انتقامٌ للجرحى أو كلاهما، فلا مندوحة في ذلك، فالعين بالعين، والسن بالسن، والجروح قِصاص .. شفى الله الجرحى وتقبل الضابط الباسل الشهيد.
قبل أكثرَ من عشرين عاما، قامت الجرّافات في فجر الإنقاذ الأول بإزالة نُصبٍ من أمام بوابة السكة الحديد، كان قد أقامه الناس يوما لجنديٍ مجهول.. ربما لأنها كانت تخطط هي وسدنتها لعهد جديد لن يكون على الجندي أن يبقى مجهولا فيه، إنما الضحايا وحدهم على كثرتهم من سيتوجب على الناس أن يجهلوهم أو أن يتظاهروا بذلك، وحدهم الذين يموتون وليس سواهم، هم من نحتاج أن نُقيم لهم المآتم والعويل.. فلا قَوَدَ ولا دِيّة، وحدهم الضحايا من نقيم لهم النُصُبًَ التذكارية.
نفس تلك الجرّافات بعد ثلاثين عاما، عادت هذه المرة لإزالة الأقلام والقراطيس وبعض المقتنيات الزهيدة، الرسومات والجثث النحيفة المتفحمة، لطلاب بسطاء مشردين كان الثوار القتلى قد أقاموا لهم فصولا للقراءة والرسم، تحت سُرادِقَ نُصبت في ظل البنايات الشاهقة المُكيفة عالية البناء، على مرمى حجرٍ للمرتكز أو للناظر من نافذة القيادة العامة.
هذه المفارقات توقد أحزاننا وتجهض كل أحلامنا بوطن جديدِ معافي..