قراءة في الثورات السودانية (2/2) .. بقلم: مشار كوال اجيط / المحامي

 

ومثلما سبق الذكر في الجزء الأول من المقال السابق الذي قراءنا فيه تلك الصفحات المشرقة من نضال وكفاح الشعب السوداني وهو يقود ثورة ابريل الظافرة ضد ظلم وطغيان جعفر نميري ، بدا جلياً الدور المركزي والمتعاظم الذي لعبته الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة المفكر الثائر العقيد الدكتور جون قرنق والوقوف جنباً الي جنب مع التجمع النقابي لإنقاذ الوطن في خطواته الرامية الي إسقاط حكومة نميري ، حيث ايدت الحركة الشعبية لتحرير السودان الانتفاضة ، وقالت ان شهداء الانتفاضة في مرتبة شهدائها من اجل السودان الجديد، كما اعتبرت نفسها الزراع العسكري لتلك الانتفاضة ، بيد ان الأمر الذي اثار فضول الكثير من المراقبين للمشهد السياسي وقتها هو الدور الانتهازي القذر الذي لعبته الجبهة القومية الإسلامية بقيادة دكتور حسن الترابي في القيام بسرقة واختطاف ثمار الثورة ففرضت الفريق عبد الرحمن سوار الذهب رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي وهو ذات الرجل الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في نظام مايو البائد. وعلي مضض اتصل كل من اللواء عثمان عبد الله وزير الدفاع والدكتور الجزولي دفع الله رئيس الوزراء بالدكتور جون قرنق يدعوانه الي وقف الحرب والإنضمام الي المجلس العسكري الانتقالي. وهو امر الذي رفضته الحركة الشعبية لتحرير السودان جملةً وتفصيلاً وأمهلت المجلس العسكري هذا سبع أيام من تاريخ ٩ ابريل ١٩٨٥ لنقل السلطة كاملةً وبدون قيد او شرط الي قوي الانتفاضة الشعبية وقد وصف الدكتور جون قرنق المشهد الدراماتيكي هذا ، بان المجلس العسكري هو امتداد لنظام مايو البائد ، وان التغيير الذي تم بزوال حكم جعفر نميري لم يود الي اقتلاع جزور الحكم بصورة حقيقية ، بل ان قوي الانتفاضة قد اكتفت بقطع راس الافعي غير مدركة لقدرته علي البقاء حياً. فكلما جري قطع احد رؤوسه انبت رأساً آخراً في محله ) كتاب ( جنوب السودان- جدل الوحدة والانفصال ) الدكتور عبد الماجد بوب. ومهما يكن من امر فان جنرالات المجلس العسكري الانتقالي هم من قادوا حرباً ضروساً ضد الجنوبيين ووضعوا الخطة الأمنية لقمع الثورة الشعبية السلمية اذ لم ينحازوا الي قوي الانتفاضة الا بعد ما شهدوا بام اعينهم ان زوال حكم نميري باءت أمراً حتمياً مقضياً ، والجدير بالإشارة فقد طالبت الحركة الشعبية لتحرير السودان بإلغاء قوانين سبتمبر ورفع حالة الطوارئ وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر وليبيا، ثم عقد مؤتمر دستوري يؤسس خياراً ديمقراطياً من اجل بناء السودان الجديد الذي يتمتع فيه الفرد بالحرية الكاملة بعيداً عن كل أشكال الظلم والجهل والعنصرية والقبلية والطائفية ، ولعل سياسة التماديء في رفض المطالب السياسية العادلة والمشروعة هي التي عمقت جزور الحرب العوان فامتدت السنة لهيبها في اجزاء واسع من السودان. فضلاً عن انه جعل الطريق ممهداً وسالكاً للانقلابات العسكرية ، كما حدثت في ليلة الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، عندما اغتصب الاسلامويون السلطة السياسية تحت جنح الظلام ثم مارسوا القهر والتعذيب بشكل ممنهج ضد الشرفاء من ابناء وبنات الشعب السوداني فيما تسبب مشروعهم المزعوم والمسماه زوراً وبهتاناً بالحضاري في إفقار المواطنين وقد نثل هذا الأمر احدي أسباب التي سهمت بصورة كبيرة في إشعال هذه الثورة الشعبية التي يقودها تجمع المهنيين السودانيين الذي يمثل منظمات المجتمع المدني والشباب والطلاب وتنظيمات سياسية تقدمية التي عقدت العزم للمضي قدماً لاخراج السودان من النفق الي الأفق ومن بؤس حكم الاسلامويين الجشعيين الي رحاب الحرية والتنمية المتوازنة والمتوازية والتطور ريثما يتحقق مجتمع ديمقراطي حر يمتاز بالشفافية والعدالة والإنصاف. ومما يؤكد ما سقت من القول ، ان ليلة الطاغية عمر البشير اشبه ببارجة ذينك الدكتاتورين ابراهيم عبود اكتوبر ١٩٦٤ وجعفر نميري ابريل ١٩٨٥! اذ ان سقوط المؤتمر الوطني أمسي وشيكاً هذا وقد ان الأوان للشعب السوداني لكيما يرسم فجراً جديداً للحرية والديمقراطية والخير والإنسانية والجمال.

macharkoul@gmail.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً