قراءة في قرار تحرير سعر صرف الجنيه السوداني: ماذا يعني للمغتربين وهل سيساهم فعلا في جذب مدخراتهم؟ .. بقلم: النور علي سعد/ السعودية

لقد تابعنا عن قرب كمغتربين قرار البنك المركزي السوداني أمس الموافق 21 فبراير 2021م بتحرير سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني لتعكس الواقع الفعلي لسعر الجنيه (والذي فقد قيمته وأصبح أرخص من قيمة الورقة التي طبعت عليه)، وردم الهوة بين السوق السوداء والسعر الرسمي (الذي لم يكن قريباً من الواقع)، ورغم المخاطر التي ربما تترتب نتيجة لتطبيق هذا القرار الجريء – في ظل عدم وجود أرصدة كافية من العملات الأجنبية بالبنك المركزي وفي ضوء الطلب العالي للعملة الأجنبية وقلة العرض- والذي كنا نتوقعه منذ فترة، خاصة بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، حيث أنه يمثل خطوة هامة لمعالجة الاختلالات النقدية التي نشهدها جميعا في النظام المالي “إذا احسن تطبيقه وإدارة تداعياته الخطيرة”، إلا أن هذه الخطوة تحتاج إلى حزمة معالجات مصاحبة حتى يأتي هذا القرار أكله وأثره الإيجابي (حتى لا يتحول معول لطحن الفقراء والمساكين من محدودي الدخل).

من أبرز هذه المعالجات، إصلاح وتأهيل النظام البنكي السوداني (الضعيف جداً) من خلال تأهيل كوادره وجلب أجهزة إلكترونية وتطبيقات أكثر فعالية وتبني سياسات مرنة، بجانب التعاقد ومنح تراخيص لصرافات ومراسلين في دول المهجر (خاصة دول الخليج والدول الأوربية)، وأن يتم مراقبة سعر الصرف يوميا بحيث يواكب هامشه (نزولا وطلوعاً) السوق الموازية حتى يكون أكثر جاذبية، وعلى صعيد المغتربين، يحبذ تفعيل آليات تساعد في تسهيل عملية التحويل لتكون أونلاين (عبر أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية) دون حاجة المحول للذهاب شخصياً للبنوك في بلد المهجر في ظل الطفرة التي حدثت في التقنية والتكنولوجيا وأنظمة البنوك، والحوالات والتي أصبحت فورية وفي دقائق تصل إلى المستفيد في البلد الآخر، وفي هذا الإطار، ننوه بأن المغتربين غير متأكدين حتى الآن من آلية التحويل (الامر يحتاج توعية)، حيث لا توجد فعلياً آلية سريعة للتحويل للسودان، إلا في بنوك محدودة جداً ولا تسمح بتحويل مبالغ كبيرة. إن هذا القرار، “إذا أحسن تطبيقة” سيساهم في جذب قرابة العشرة مليارات دولار سنوياً لخزينة البنك المركزي كتحويلات من المغتربين والمهاجرين السودانيين حول دول العالم.

إيضاً، وعلى الصعيد المحلي، ينبغي على الحكومة اتخاذ خطوات عملية تجاه الفئات الضعيفة ومحدودي الدخل والمعاشيين لأن أي زيادات ارتدادية من تجار العملة على السعر ستكون كارثية (في ظلة تصاعد الطلب وقلة العرض)، وستنعكس سلباً على أسعار السلع الاساساية والخدمات ويرجح – إذا لم تتحرك الحكومة بالسرعة اللازمة بتبني عدد من برامج الدعم الحقيقية لبعض الفئات الضعيفة في السلع والخدمات الأساسية للحياة والدواء – أن تتضاعف الأسعار بشكل فلكي لا يستطيع المواطن تحملها خاصة في ظل أزمة اقتصادية طاحنة ومستفحلة نعلمها جميعاً وعدم وجود انتاج وتصدير فعلي، الأمر الذي أدى إلى اختلال كبير في الميزان التجاري، حيث يرجح ارتفاع أسعار السلع والخدمات (في ظل غياب الرقابة والمعالجة الآنية وبعيدة المدى)، الأمر الذي يضاعف معاناة المواطن والتضخم الذي تجاوز 300% مؤخراً تقريباً والله المستعان.

كما نحث الجميع بإعلاء قيمة الحس الوطني خاصة تجار العملة، بأن يوقفوا المضاربات في العملات الأجنبية ويؤسسوا صرفات رسمية، وعلى المغتربين أن يتجهوا للتحويل عبر النظام المصرفي والصرافات لأمانها وانتفاء ميزة السوق السوداء، وأن تقوم الحكومة بالتمهيد لذلك من خلال تحسين البنى التحتية وإصدار سياسات مرنة وتحفيزية للمغتربين وغيرهم للتحويل والإدخار والاستثمار بالسودان، وسن قوانين تجرم التحويل عبر الطرق غير النظامية وقوانين تتعلق بغسيل الأموال، حتى نكون مثل بعض الدول المجاورة التي أحكمت قبضتها على سعر الصرف، وقامت بتنبني ساياسات وقوانين راديعة ورقابة صارمة للحد مما يقوم به مخربي الاقتصاد الوطني ومنعدمي الضمير، وليعلم الجميع أنه إذا لم يثبت سعر الصرف فلن تكون هناك تجارة رابحة ولا تنمية مستدامة ولا حياة معيشية مستقرة ولا رفاهية.

ولنا في تجارب الدول المجاورة خير مثال، فهناك دول مجاورة استطاعت جذب مدخرات مواطنيها والأجانب من خلال هذا القرار وقامت بتوفير دعم للفئات الضعيفة وبطاقات تمون لهم في السلع الأساسية، بل نحن كمغتربين نعرف زملاء كثر اتجهوا لادخار واستثمار أموالهم في بعض الدول الأخرى مقابلة نسبة ربح تصل إلى 15% على رأس المال أو مزايا أخرى (اقامة دائمة وتجنس وغيرها) بجانب حالة الأمان التي تتمتع بها هذه الدول، وكما يعلم الجميع، فإن رأس المال “جبان إذا صح التعبير” يتجه دوماً للبدان الاكثر استقراراً والبلدان التي تقل فيها نسبة الفسادة و بها أنظمة متطورة وأدوات وأنظمة حوكمة جيدة وفعالة، وعلى حكومتنا أن تسعى لذلك، وإلا فإن قرار التحرير، لن يجذب التحويلات ولن يساهم في تحقيق حلاً مستداما وسيذهب أثره أدراج الرياح، كغيره من القرارات السابقة.
النور علي سعد – السعودية
Easaad71@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً