قراءة في مذكرات الشيخ بابكر بدري: أنصاري مجاهد، فلماذا عارض الثورات المسلحة بعد كرري؟ .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

لابد أن يصاب الذي يطالع كتاب (حياتي) للشيخ بابكر بدري بدهشة من قدر ومقدار التجارب التي خاضها الرجل، والحكمة التي تمتع بها طوال حياته. وقد قادته هذه الحكمة في وقت مبكر من عمر الدولة المهدية إلى إدراك أنها إلى زوال بأسلوبها في الحكم، وأن مرحلة أخرى لابد أن تبدأ، تتطلب آليات مختلفة للتعامل مع الواقع.
كان الشيخ بابكر بدري أنصارياً متجرداً وذا عقيدة ضربت المثل في الإخلاص والولاء للمهدية، فقد هاجر من رفاعة إلى قدير في صحبة والدته لمبايعة الأمام المهدي، في وقت لم يكن السفر ميسراً ويتطلب صبراً على المشاق وقوة تحمل. ثم خاض المعارك في صف الإمام المهدي بما في ذلك فتح الخرطوم، وظل مرابطاً على هذا الولاء بعد وفاة الإمام المهدي، وخرج في حملة عبد الرحمن ود النجومي التي سعت إلى فتح مصر، وكانت قناعته بالنصر كبيرة إلى المدى الذي دعاه إلى مرافقة أهله في الحملة بمن فيهم أمه. ورغم هذه الروح الشجاعة التي خاض بها الوغى وعرض نفسه دون مقابل دنيوي، إلا أنه باستقراء تاريخه فقد اتخذ موقفاً معارضاً لكل الحركات العنيفة التي تصدت لحكم الإدارة الاستعمارية. وكان رأيه فيها سلبياً.
بدا هذا الاتجاه واضحاً من الحركة التي قادها رفيقه في الجهاد عبد القادر ود حبوبه، فقد كان الأثنان أنصاريين من ذوي العقائد، سارا ضمن حملة ود النجومي التي انتظمت لفتح مصر، وتم أسرهما أثناء الحملة وعاشا حيناً من الزمن في مصر، واستطاع الاثنان التخلص من الأسر والعودة للسودان. ويبدو من الرواية التي ذكرها بابكر بدري أنه لاحظ في شخصية ود حبوبة تمرداً على الحكومة وحاول أن يثنيه عنه، قبل البداية الفعلية للحركة للمسلحة بما يزيد عن ثلاث سنوات، فذكر أنه لام ود حبوبة على ما بلغه عنه من رواية المديح الذي يحمله عنه المداحون لإنشاده، وذكّره أنهم سيبددون ثروته ويتفرقون عنه، فأظهر له أنه قبل النصيحة. وكان ود حبوبة شاعراً يروي المدائح الدينية التي تتضمن بعض الرؤى السياسية، وتشعل الروح الثورية، على شاكلة:
يا اهل العهد المعهود
تنكروا الخال الفي الحدود
من قبلوا جدو النبي العظيم محسود
يا اخواني بعد العهود والمواثيق نحود
نرتد نجحد جحود
سكة صحبو الجنود
كما نصحه بعدم مخاصمة مأمور مركز المسلمية الذي يتبع له ود حبوبة من ناحية إدارية، وأن يتبع الطرق الرسمية في تقديم تظلماته ضده أمام مفتش المركز. وبلغ عدم رضا بابكر بدري عن حركة ود حبوبة أن وصفها بالحركة المشؤومة، وتحسر على مستر منكريف مفتش مركز المسلمية الذي اغتيل في هذه الحركة بعد أن وصفه بالعدل والانحياز للحق، وقال: (فمثل هذا الرجل العظيم يقتل في نفس الشهر بسيف عبد القادر ود حبوبة في حركته المشؤومة)
اتخذ بابكر بدري هذا الموقف ولما تكد تنقضي العشرية الأولى من حكم الإدارة الاستعمارية، كما أن الدماء التي سالت في كرري وأرواح الشهداء التي صعدت إلى عليائها لا تزال ماثلة في ذاكرة الناس. وبالطبع فإن هذا المنحى الذي سار عليه بابكر بدري يستدعي وقفة ، باعتبار أنه صدر من رفيق سلاح وأخ في العقيدة التي لم يتخل عنها بابكر حتى بعد انتهاء الدولة المهدية، وأدت به إلى الحفاظ على علاقاته قوية مع بيت المهدي.
وقف بابكر موقفاً مشابهاً في حركة 24، وكان رأيه فيها أنها دعاية للمصريين، وجاء في نصحه لمعلم الشريعة الشيخ مبارك في كلية غردون حين علم عنه تحريض الطلاب على مواجهة الانجليز، بعدما ذهب إليه في منزله، وبيده مصحف، فحلف عليه وقال له: (إنه بعد اليوم إذا سمعت إنه أغرى الأولاد في الفصل أو خارجه بالسياسة، أو أي تحريض يضر بمستقبلهم عند الانجليز لأخبرت مدير المعارف بكل ما حصل منه، ووضحته له بزمانه ومكانه لكل حادثة). وأكد على هذا الموقف السياسي بالتوقيع على المذكرة التي صيغت في تأييد الانجليز والوقوف ضد الحركة.
أما الحملة التي قادتها الإدارة الاستعمارية على السلطان علي دينار في عام 1916 في دارفور والتي انقضت بمقتله وانتهاء الحكم الذاتي الذي تمتع به الإقليم، فيبدو أن الشيخ بابكر لم يكن مهتماً بها فلم يرد لها ذكر ضمن المذكرات رغم أنها حدث مؤثر في تاريخ السودان، وكانت تمثل مواجهة كبيرة على تخوم البلاد.
من الواضح أن ولاء الشيخ بابكر للنظام السياسي الذي كان يديره الخليفة عبد الله لم يكن على المستوى الذي كان عليه أيام الإمام المهدي، وقد تضعضع أثناء خروجه في حملة ود النجومي، فيذكر عن عبد الحليم مساعد أحد قادة الحملة الذي عاد من أم درمان لمواصلة الحملة بعد أن استدعاه الخليفة عبد الله ومعه عبد الرحمن النجومي: (لما رجع عبد الحليم إلى صرص قال له عمي شكاك: ليتك أخذتني معك لأرى خليفة المهدي. فقال له عبد الحليم: والله لو مشيت معنا ترجع منكراً فيه مما تسمعه وتراه من غيره). وحينما خرج في كرري لم يجد في نفسه حماساً للمشروع الذي بذل فيه عمره أيامه الأولى وصار يتحين الفرص للتنصل عن الخروج، إلى المدى الذي أدى به للإقتراح على من حوله أثناء المعركة أنه إذا جرح منهم أحد فسيأخذ من دمه ويحمله الباقون فينجون جميعاً.
يبدو أن الشيخ بابكر قد اقتنع بجدوى حركة التعليم النظامي وغير النظامي التي بدأت تنتظم البلاد، بعد استتباب الأمر للإدارة الاستعمارية، وكان يرى أنها تمثل مخرجاً للبلاد من وهدتها وعبر عن هذا كثيراً في مذكراته، وكان تقديره أن السعي لطلب المعرفة خير من العمل السياسي المناهض للإدارة الاستعمارية، فقال في وصيته لطلاب قسم المعلمين و القضاة بكلية غردون في الفترة بدأ فيها بوادر حركة 1924: (يجب عليكم أن تجعلوا الكلية دار علم لا دار سياسة، فإني أخاف إذا تماديتم في طريقكم هذا، الحكومة تقفل الكلية ولو إلى أجل، فتسدوا الباب على أنفسكم وعلى الجيل الذي بعدكم على الأقل)
انفعل الشيخ بابكر أيضاً بانفتاح السودان على العالم الخارجي عقب انتهاء الدولة المهدية، وما جره ذلك من منافع على البلاد. ومن ذلك وصول أول طيار بطائرة إلى السودان وسافر إلى الخرطوم من رفاعة لمشاهدتها، وحينما رجع إلى رفاعة وأخبر الناس فلم يؤمن أكثرهم بما قاله حتى تواتر الخبر فأعجب الناس بفعل التعليم. كما أنه كان على قناعة أن المجاعة التي ضربت البلاد عام 1914، ما كان لها تنتهي لولا أن الإدارة الاستعمارية تركت تحصيل الضرائب واهتمت بالتموين وجلبت الغلال من الهند، ويذكر بكثير من الامتنان حرص الإدارة الاستعمارية على استيراد الغلال من الهند لفك كربة الجوع وأنه لولا غلال الهند لمات من السودان ما لا يقل عن عشرين في المائة على الأقل جوعاً (فليحفظ السودانيون هذه الحسنة ويرويها الخلف للسلف، ورب قائل يقول: إنها عملت ذلك حرصاً علينا لمنفعتها منا، أقول: فعلى هذا المبدأ يضاعف شكرنا)
أعجب الشيخ بابكر أيضاً أيما إعجاب بالنظام الإداري الذي أقامته الإدارة الاستعمارية في وقت وجيز بعد انقضاء الدولة المهدية، وكان يرى أن مجرد مقارنة الحكومة الاستعمارية بالدولة المهدية في هذا الجانب يعد ذماً لها، كما كان يتولى بنفسه تدريس الجغرافيا السياسية، وذكر بعض أقواله في هذا الجانب (إن الحكومة عاقلة ومن عقلها رفعت الإنجليزي وأمرته أن يساوي بين الرعية، ومن عقلها جمعت المال على المال، ومن عقلها لا تؤاخذ أحداً بجريمة غيره مهما كانت علاقته به … إلخ).
لا شك أن المفاهيم التي آمن بها الشيخ بابكر بدري وأشاعها وسط الطلاب قد أثرت على مجمل الحركة الوطنية ضد الاستعمار وأدت بها إلى تجنب العنف. وبالطبع فإن هناك خيط رابط بين مبادئ الشيخ في هذا الجانب والمقولة المأثورة عن الزعيم الأزهري: (أتينا بالاستقلال نظيفاً مثل صحن الصيني لا شق ولا طق)

abuzerbashir@gmail.com
//////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً