قرية عند منحنى التايمز .. قصة قصيرة: حسن الجزولي

 


 

حسن الجزولي
4 October, 2022

 

عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة ، سبعة أعوام على وجه التحديد ، كنت خلالها أتعلم في السودان، إن الأمر لا يعدو أنني قضيت هذه الأعوام ، أنقب في حياة شاعر مغمور من شعراء البطانة . تعلمت الكثير ، وغاب عني الكثير ، لكن تلك قصة أخرى أنتم تعلمونها.
المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى قليل من أهلي وأصدقائي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى التايمز بانجلترا، سبعة أعوام نسيت فيها الأهل والموطن والبلدة الصغيرة ، بناسها وتفاصيلها، وهو الاحساس الذي يختلف عن قوم البلد التي قضيت فيها سبعة أعوم، إنهم قوم مترابطون ، تربطهم العشيرة بحبل متين من الروابط الأسرية ، يحنون لبعضهم، ويهرعون للترحاب عند عودة مغترب منهم، أما أنا فقليل من الأهل والمعارف من رحب بي وبعودتي، حتى أنا لم أكن أنتظر استقبالاً أو حفاوة بعودتي، هو ناموسنا في الحياة التي تختلف عن أقوام السودان، وهذا هو اختلاف الحياة بيننا وبينهم وهم يعيشون دفئها، دفء الحياة في عشيرتي لا وجود له ، إفتقدته في بلاد بعيدة عن بلادي التي (تموت من البرد حيتانها) ويموت الناس عندهم ( بضربة شمس ) .
فجأة تذكرت وجهاً رأيته بين المستقبلين لم أعرفه . سألتهم عنه ، ووصفته لهم . رجل ربعة القامة ، في نحو الخمسين أو يزيد قليلاً من شوارب الرجال في البلد . رجل وسيم . وقال أبي هذا إدوارد. إدوارد؟!، إدوارد من؟! هل هو أحد المغتربين من أبناء البلد عاد ؟ وقال أبي أنه ليس من أهل البلد ، لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام ، اشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج صديقة له تعرف عليها في (حانة) .. رجل في حاله ، لا يعلمون عنه الكثير . لا أعلم تماماً ماذا أثار فضولي ، لكنني تذكرت أنه يوم وصولي كان صامتاً . كل أحد سألني وسألته . سألوني عن السودان. هل الناس مثلنا أم يختلفون عنا ؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة ؟ ماذا يفعل الناس في الشتاء؟ قلت لهم ليس لديهم شتاء مثلنا ، بل في الواقع لهم صيف وجو حار يشوي السمك وهو في أنهارهم، سألوني عن نسائهم ،، يقولون إن الرجل يمكنه أن يتزوج أربعة، قلت هي عاداتهم الدينية وتوجد في جميع البلدان الاسلامية. سألوني أسئلة كثيرة ولكنهم إندهشوا عندما قلت لهم إن السودانيين قوم مثلنا تماماً، إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تماماً ، يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول ، ولهم أخلاق حسنة ، وهم عموماً قوم طيبون .سألوني إذن لماذا استعمرناهم؟ قلت هذا هو السؤال الذي ظلوا هم أنفسهم يبحثون عن إجابة له، منذ أن خرجنا منهم ومنحناهم استقلالهم، يبحثون عن الاجابة بطرق مختلفة وغاية في الغرابة!.
بعد هذا بنحو شهر ، حدث شيء أذهلني . دعاني جورج صديقي منذ سنوات الطفولة والدراسة لمجلس شراب بحانة تتوسط القرية، . وبينما نحن نسمر جاء إدوارد يكلم جورج في شأن من الشؤون . دعاه جورج أن يجلس فاعتذر ، ولكن جورج الح عليه . مرة أخرى لاحظت سحابة التبرم تنعقد ما بين عينيه ، ولكنه جلس ، وعاد بسرعة إلى هدوئه الطبيعي . طلب له جورج كأساً من الشراب ، فتردد برهة ثم أمسك بها ووضعها إلى جانبه ، دون أن يشرب منها . ومرة أخرى أصر عليه جورج أن يشرب فشرب إدوارد . كنت أعرف جورج ملحاحاً وكريماً في الشراب عندما يسكر ، فخطر لي أن أمنعه عن مضايقة الرجل ، إذ من الواضح أنه غير راغب في الجلسة أصلاً . لكن خاطراً آخر هجس في ذهني ، فتوقفت . شرب إدوارد الكأس الأولى باشمئزاز واضح ، شربها بسرعة ، كأنها دواء مقيت . لكنه لما وصل إلى الكأس الثالثة ، أخذ يبطئ ويمص الشراب مصاً ، بلذة . حينئذ ارتخت عضلات وجهه ، وغاب التوتر في أركان فمه ، وأصبحت عيناه حالمتين ناعستين ، أكثر من ذي قبل . القوة التي تحسها في رأسه وجبهته وأنفه ، ضاعت تماماً في الضعف الذي سال ، مع الشراب ، على عينه وفمه . وشرب إدوارد كأساً رابعة ، وكأساً خامسة . لم يعد في حاجة إلى تشجيع ، لكن جورج كان يطلب له على أي حال . دفن إدوارد قامته في المقعد ، ومدد رجليه . وأمسك الكأس بكلتا يديه ، وسرحت عيناه ، كما خيل لي ، في آفاق بعيدة ، ثم ، فجأة سمعته يتلو شعراً من بادية البطانة في السودان، بصوت واضح ونطق سليم . قرأ قصيدة وجدتها فيما بعد بين قصائد عن الهمباتة في تلك البقاع:ـ
أبوك يالزينة عكَّاهِن قَبَض فى روسن
الهُوى والشرِق فوق العواتى بكوسن
أمسَى الليله فى الغوب الكتير جاموسن
نوى العودة للغالى ورفيع ملبوسن
وبعد ذلك تأوه ، وهو لا يزال ممسكاً بالكأس بين يديه وعيناه سارحتان ، في آفاق داخل نفسه .
أقول لكم ، لو أن عفريتاً انشقت عنه الأرض فجأة ، ووقف أمامي ، عيناه تقدحان اللهب ، لما ذعرت أكثر مما ذعرت . وخامرني ، بغتة ، شعور فظيع ، شيء مثل الكابوس ، كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الحانة ، لم نكن حقيقة ، إنما وهماً من الأوهام . وقفزت ، ووقفت فوق الرجل ، وصحت فيه : ( ما هذا الذي تقول ؟ ما هذا الذي تقول ؟ ) نظر إلي نظرة جامدة ، لا أدري كيف أصفها ، لكن لعلها كانت خليطاً من الاحتقار والضيق . ودفعني بعنف بيده ، ثم هب واقفاً ، وخرج من الحانة في خطوات ثابتة ، مرفوع الرأس ، كأنه شيء ميكانيكي . كان جورج مشغول يضحك مع بقية من في المجلس ، فلم ينتبه لما حدث.
ذهبت إليه ثاني يوم في حقله فلم أجده ، في منزله فلم أجده ، وفي كل القرية لم يكن موجوداً، حتى أن زوجته وأطفاله تركهما خلفه واختفى، أين ذهب لا أدري ، كأن الأرض انشقت وابتلعته!.
حينها تأكدت تماماً أن شخصية إدوارد لم تكن في الأساس موجودة أو حقيقية، بل أن عقلي الباطني هو الذي فرض شخصيته على خيالي، وبالتالي كان وهماً وصرحاً من خيال، فتوهمته شخص من لحم وعظم ودم ، ظهر فجأة في وجودي واختفى فجأة من حياتي!.

hassanelgizuli45@gmail.com
/////////////////////////

 

آراء