خالد البلولة
أثناء تجوالي في موقع فيسبوك،استوقفني منشور للإعلامي الطيب بشير يتحدث فيه عن النشاط الثقافي ابان دراسته في كلية الشرطة،وما كان يزخر به من مواهب أدبية وفنية أسهمت في صناعة جيل من الضباط الذين جمعوا بين الانضباط العسكري والإبداع الثقافي.وبين التعليقات تكرر اسم اللواء شرطة (م) عوض المفتاح، مقترنًا بالأغنية الشهيرة التي شدت بها الفنانة ندى القلعة (يسلم لي عوض)أثار ذلك فضولي، فبدأت أبحث عن الرجل، وعن الحكاية التي جعلت اسمه يرتبط بواحدة من أشهر الأغنيات السودانية.
(١)
وكان مفتاح هذا المقال هو الأستاذ الطيب بشير، الضابط السابق بالشرطة السودانية، والمذيع الأسبق بالتلفزيون السوداني،فمن خلال افادته تعرفنا على تفاصيل الاغنية إذ أوضح أنها ارتبطت بموقف إنساني ومهني نبيل لضابط الشرطة عوض المفتاح.
وتعد أغنية (يسلم لي عوض)من أشهر الاغنيات التي ارتبطت بالفنانة ندى القلعة،وظلت لسنوات محل نقاش وتساؤل حول الشخصية التي تتحدث عنها.وتوجد عدة روايات متداولة لكن لا توجد رواية موثقة من ندى القلعة نفسها تؤكد مناسبة كتابة الأغنية أو الشخصية المقصودة بها.
(٢)
يحكي عابد عبد المتعال، ضمن التعليقات في فيسبوك،عن الشخص المعني بالأغنية، الذي تعرّف إليه في مدينة نيالا،وهو الضابط عوض المفتاح، حيث وصفه بأنه (رجل قمة في الذوق والأخلاق والفهم والكرم) ثم يروي قصة الأغنية، فيقول إن ندى القلعة كانت تحيي حفلًا جماهيريًا تجاوز الزمن المحدد، فتدخّلت شرطة النظام العام واقتادتها إلى الحراسة، قبل أن يتدخل عوض المفتاح لإطلاق سراحها، معتبرًا أنها فنانة وليست مجرمة تستحق المعاملة الجنائية.
ويروي الإعلامي والضابط السابق بالشرطة السودانية الطيب بشير، رواية أخرى، موضحًا أن عوض، عندما كان يعمل بشرطة المصنفات الفنية والأدبية، أنصف ندى القلعة في نزاع يتعلق بحقها في إحدى الأغنيات، بعدما كانت مهددة بأن تُنسب إلى فنانة أخرى، وهو الموقف الذي يرى أنه كان سببًا في إهدائه الأغنية. ويضيف الطيب أن عوض معروف عنه «زول ضكران»،وأن كل موقف تتجلى فيه المروءة ليس غريبًا عليه.
(٣)
وبعد تعدد الروايات،تواصلت مع اللواء عوض المفتاح وسالته عن مناسبة الأغنية التي ارتبطت باسمه، فقال إن الفنانة ندى القلعة لم تكن طرفًا في النزاع، وإنما كانت مؤدية للأغنية فقط. أما أصل القضية، فكان خلافًا بين الشاعرة سحر ميسرة إلياس، التي كانت تكتب باسم «بشاير فرح»، وبعض شركات الإنتاج التي درجت على تسجيل عدد من أعمالها باعتبارها «أغنيات تراث»، الأمر الذي أضاع عليها حقوقها الأدبية والمادية..ويضيف عوض أن الشاعرة سحر ميسرة عبّرت عن امتنانها له بقصيدة (يسلم لي عوض)التي تغنت بها ندى القلعة، فتحولت إلى واحدة من أشهر الأغنيات في السودان. ويؤكد أن البطولة الحقيقية لم تكن في الأغنية، وإنما في إنصاف صاحبة الحق وإعادة اسمها إلى أعمالها.
وتوظف الشاعرة سحر ميسرة إلياس،لغةً شعبيةً قريبةً من الوجدان، وهي تعبر عن امتنانها للواء شرطة (م) عوض المفتاح، فتستهل قصيدتها بالدعاء والثناء عليه، قائلة:
يسلم لي عوض الليلة
عند الله العوض الليلة
——-
يسلم لي الجنا
المرق المو قنا
زاح مني الضنا
وحالتي المحزنة
وتواصل التعبير عن فرحتها بعد أن وجدت منه الإنصاف واستعادت حقها الأدبي، فتقول:
خلاني يا ناس مبسوطة
سبت الهيجة سبت الجوطة
تعليماتو جات مظبوطة
بس جرة قلم في نوتة…
وترسم له صورة الرجل الكريم الذي لا يفرّق بين الناس، ويهب لنصرة المظلوم، وتقول:
يا عزالو شن بتقولو
ده الكل المكارم قولو…
بحل للشبكة واقف طولو
ما بفرز الغريب و الهولو
—-
مطر العينة شايلة سحابها
تخدر لليباس و يبابا
اسمو الدخرى لى اصحابها
ده الفى العرفة ما بتغابا
(٤)
وقد يتساءل القارئ: من هو عوض الذي تغنت له ندى القلعة؟
ينتمي اللواء شرطة (م) عوض المفتاح إلى أسرة عُرفت بالذكاء والتفوق العلمي في منطقة السروراب، حيث وُلد هناك وتلقى تعليمه، ثم التحق بجامعة الزقازيق بجمهورية مصر العربية، وحصل على درجة الماجستير من جامعة وادي النيل. والتحق بكلية الشرطة ضمن الدفعة (61)، وتنقل خلال سنوات خدمته بين عدد من المدن السودانية، من بينها نيالا، وعطبرة، وكسلا.
عمل في المباحث المركزية، وهي من الإدارات التي لا يُلحق بها الضباط عبر النقل الإداري المعتاد، وإنما يتم اختيارهم وفق معايير دقيقة تقوم على الكفاءة والتميز.وكان عوض المفتاح من الضباط الذين استحقوا هذا الاختيار لما عُرف عنه من الانضباط، والدقة، وحسن الخلق والذكاء.
(٥)
تولى إدارة شرطة المصنفات، وهو موقع أتاح له التعرف عن قرب على عدد كبير من الفنانين والمبدعين، بحكم طبيعة العمل المتصلة بالحركة الثقافية والفنية.
وبعد إحالته إلى المعاش،اختار طريقًا مختلفًا،فاتجه إلى لمهنة الزراعة في مدينة كسلا، حيث يعمل في إنتاج البطاطس، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه من عمل نافع، لا فيما يشغله من منصب…وعلى الجانب الإبداعي، يُعرف عوض المفتاح بأنه شاعر مرهف الحس، يستنطق الصخر العصي، حيث يجمع بين صرامة رجل الشرطة ورقة الشاعر، فهو شخصية جمعت بين النظام والانضباط،والخيال والإبداع، والمروءة.ويحضِّر عوض الآن بأكاديمية الأمن العليا لنيل درجة الدكتوراه.
تمثل قصة اللواء عوض المفتاح أنموذجا لقيمة إنسانية أعمق؛هي نصرة الحق،وردّ المظالم والوقوف إلى جانب أصحاب الحقوق…فالمناصب تزول،والألقاب تتغير، وتظل المواقف النبيلة شاهدة على أصحابها.
