قصة التلميذ أحمد السودانيّ الأمريكيّ.. قراءة مختلفة .. بقلم: د. حسين حسن حسين
19 سبتمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
قصة أحمد محمد الحسن التلميذ السوداني الأمريكي ملأت الدنيا، وتناقلتها كل وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، ثم العربية، ومع أنها تعكس الإسلاموفوبيا السائدة في الغرب؛ أي: الخوف من أي أحد أو أي شيء له علاقة بالإسلام، فإنني قرأت القصة على نحو مختلف.
ووقائع القصة تتلخص في أن أحمد طفل أمريكي مسلم يعيش في ولاية تكساس بالولايات المتحدة، وهو كما يشهد من حوله تلميذ شديد الذكاء مولع بالتقنية، ويحاول أن يخترع، واستطاع أن يخترع ساعة، وقد حملها معه إلى مدرسته،لاطلاع مدرسه عليها، ولكن كانت المفاجأة أن إحدي المدرسات رأت الساعةفاعتقدت أنها قنبلة، فأبلغت الشرطة التي قام أربعة أفراد منها بالتحقيق معه، وكان معهم ممدير المدرسة، وتقرر طرده من المدرسة 3 أيام. التناول المعتاد أن هناك خطأً ارتُكب ضد الولد، شاركت فيه المدرسة، والشرطة، وأنه عومل معاملة المتهمين، وهذا صحيح، وقد اعترفت به السلطات الرسمية، وعلى رأسها الرئيس الأمريكي أوباما. وبعيداً من هذه القراءة، أرى أن هناك جوانب أظهرتها هذه القصة؛ أولها حالنا نحن السودانيين، فقد تقطَّعت بنا السبل، وصِرنا نهيم في كلّ وادٍ، وقد جرفت السلطة الجاثمة على صدورنا البلاد من الخبرات في كل المجالات، وتلقفتنا الدول سواء أكانت عربيةً أم غربيةً، أم إفريقيةً، أم آسيويةً، وأظهر السودانيون -على سوء أحوالهم- قدرةً كبيرةً على التكيُّف مع الظروف، والدول التي هاجروا إليها، وهذا لا يَعْني أن كل السودانيين تجاوزوا تلك الظروف بنجاح، لكن فلنقل جُلّهم، وهذا يبدو في الاحترام الذي يجده السودانيّ بشكل عام في أي مكان. قصة هذا الطفل السوداني تتمثل في أن أسرته متعلمة، ومتفهمة أهمية أن يتميز ابنهم، فشجعوه على أن يمارس هوايته، وهيؤوا له المناخ المناسب، وعرفت الأسرة أن العلم هو السلاح الأساسي للتميز في دولة هي الأولى علىمستوى العالم، فدعمت أحمد الذي أظهر قدرات فائقة جعلته مخترعاً، ومبتكراً، ينتظره مستقبل عريض بإذن الله، إذا سار وفق هذا النهج العلمي. هالني أحمد وهو يتحدث بطلاقة من دون خوف أو وجل أمام شاشات التلفاز، وممثلي وسائل الإعلام المختلفة، وتخيلته لو أن شيئاً مثل هذا حدث له في السودان، وقادته الظروف إلى الموقف نفسه، بالطبع أجزم أنه لم يكن لِيستطيعَ أن يقول كلمتين مفهومتين؛ لأن أسلوب التربية الذي نشأ عليه في أمريكا مختلف عن ذلك الذي كان سينشأ عليه في السودان، مع أن الأسرة هي الأسرة ذاتها، لكن المجتمعيْنِ مختلفان، والمحيطين متباينان. فعندنا الأدب أن يبلع الصغير لسانه، ولا يتفاصح، بينما ينظر إليه في المجتمع المتقدم علىأنه إنسان له الحق في أن يعبر عن نفسه، ويطرح رأيه. ومواساة الرئيس الأمريكي مواطناً أمريكياً وقع عليه ظلم يوضح مدى احترام الدولة فكرة المواطنة، والمساواة بين من لديه السلطة والمال ومن هو على باب الله، بينما في بلادنا أكثر ما يمكن أن يفعله مسؤول هو الخوض في مياه الأمطار، والتصوير متجهماً؛ ليبدي المشاركة الوجدانية لأناس يفترشون الأرض بعد أن تهدمت بيوتهم، وتشردوا في الشارع العريض. فقد علق الرئيس الأمريكي باراك أوباما عبر حسابه على «تويتر»، قائلاً: «ساعة لطيفة يا أحمد، هل تريد إحضارها إلى البيت الأبيض؟. يجب عليناتشجيع المزيد من الأطفال ليحبوا العلم مثلك. فهذا ما يجعل أمريكا عظيمة». وأبدت المرشحة الأمريكية هيلاري كلينتون سعادتها ووقوفها إلى جانب أحمد؛ إذغردت قائلة: “اعمل يا أحمد، وابق على حبك للاستطلاع، وواصل الإنتاج”. وتسارع الشركات إلى فتح أبوابها لأحمد دليل على احترام النبوغ ورعايته، حتى إذا كان مِن بينها مَن تبحث عن الشهرة، واستغلال الوضع. وكان بين الذين تعاطفوا مع أحمد مارك زوكربيرغ مؤسس موقع فيسبوك، الذيأعرب على صفحته الخاصة عن تضامنه مع الطفل السوادني، وترحيبه بزيارته، وقد تمنحه الشركة وظيفة. يجب أن نعترف أن هناك فارقاً كبيراً بيننا وإياهم؛ نعم هناك عنصريون وكارهون الإسلام، لكن هناك -بالقدر نفسه- منصفين، وأناساً يحترمون آدمية الإنسان، وتعاطف كثير من الدول الغربية مع المهاجرين السوريين وغيرهم يؤكد ذلك، لكنفي بلادنا هناك من يشوِّه الإسلام بأفعاله، ويزعم أنه عنه مدافع، إلى حدالاحتكار، واحتقار مَن سواه ممَّن يُخرِجه من حظيرة الدِّين بـ(جرة قلم) أو بلسان سليط لا يراعي إلاًّ ولا ذمةً. abumedo@gmail.com