(قصة متوسطة) بقي أن يتطوع مواطن للفضفصة علي أريكة (الاسترخاء) لعل في ذلك نهاية مأساة !!.. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

حزمت أمري ونلت تفويضا من اهل بلادي الميامين موثقا من الخارجية والنائب العام ومن سفارة صاحبة الجلالة الملكة اليزابيث الثانية ومن المجلس الطبي وامتطيت طائرة ال ( BOAC ) التي عادت للخدمة عندنا بعد غياب طويل وحللت أهلا ونزلت سهلا بمطار هيثرو ومنه رأسا الي قلب عاصمة الضباب وبالتحديد الي عيادة للطب النفسي علي نهر التايمز يديرها البروفيسور الياباني ( اوهيرو سوكا هيتو ) الذي طبقت شهرته الآفاق بتشخيصه الدقيق وعلاجه الناجع .
دخلت مكتب الاستقبال وأبرزت للموظف أوراقا تثبت أن لي مواعيد اليوم الساعة العاشرة والنصف صباحا كان قد نظمها لي مندوب العيادة بالخرطوم وبقي لي لمقابلة البروف حوالي ساعة .
تاكد الموظف من الأوراق بأن البيانات صحيحة والحجز مؤكد قام بعمل اتصالات داخلية ثم طلب مني أن ارتاح في غرفة الانتظار الي حين سماع رقمي المدون علي بطاقة الدخول لهذا النطاسي البارع .
وبما أنني انتمي لشعب ملول ورث هذه الخصلة كابرا عن كابر قلت اتمشي قليلا في الشارع واستنشق شيئا من عبق التايمز . وعند اول زاوية لمحت لافتة كبيرة ملونة ومضاءة مكتوب عليها ( المطعم السوداني للقراصة ومديدة الدخن ) فاستبشرت خيرا لهذه المفاجأة التي لم تخطر لي علي بال وقلت لنفسي احسن أن اتزود بلقمة دافئة من الصناعة الوطنية قبل الاسترخاء علي الأريكة وهذه الجلسات عادة ما تطول لأن الاعترافات من ناحية المريض تكون أطول من المعلقات العشر والطبيب النفسي دائما يتحلي بالصبر والسلوان .
عدت للعيادة وانا سعيد بالوجبة اامدنكلة لكن أحزنني أن الثمن الذي دفعته مقابلها كان يكفي لشراء منزل فخم بكافوري .
من الباب الخارجي ويبدو أنني تاخرت بعض الشيء كعادتنا التي ليس منها فكاك سواء كنا في لندن أو الغزالة جاوزت وطلع بي الموظف رأسا لغرفة البروف وقد ابتسم في وجهي رغم التأخير الذي يعتبر من الموبقات في بلاد الغرب ويبدو أنه عنده فكرة عن خلفنا للمواعيد بمزاج تام وحب وشغف وبادرني بالسلام والتحية طريقة سودانية لا بد أنه تدرب عليها طويلا .
أشار إلي أن استلقي علي الأريكة وإن أخذ نفسا عميقا وانتظر وغاب بعض الوقت ثم عاد وقال لي بلهجة ودودة بانجليزية لو سمعها مكاوي سليمان اكرت لوقع مغشياً عليه ولو سمعها الراحل عبد الرحمن علي طه لتململ في قبره :
( مالمشكلة يا سيدي وماذا استطيع ان اقدم لك ) ؟!!
قلت له علي الفور وقبل أن يكمل كلامه :
( ياسعادة البروف أنا هنا مفوض من كافة جموع الشعب السوداني وقد انتدبوني بإجماع سكوتي لكي اقابلك واتعالج عندك نيابة عنهم بدلا أن يحضروا جميعا في هذه الظروف الصعبة بسبب الكرونا وارتفاع تكاليف السفر وصعوبة أن يوجد ٤٠ مليون شخص في عيادة محدودة المقاعد ) !!..
قال لي ويبدو أن كلامي له فهمه كما يفهم الناس كلام الطير في الباقير :
( يعني عاوز تقول إن من كشف عليك وعالجك يكون تلقائيا قد عالج أهل بلادكم طرأ … طيب ليه … أفصح وبين لي هذا الأمر الذي يكاد يطيح ببرج من نافوخي ) !!..
قلت له الأمر أسهل مما تتخيل فنحن أبناء الشعب السوداني كلنا ولدنا في الاول من يناير واطوالنا خمسة قدم وست بوصات وأننا أثناء النقاش نتكلم جميعا ولا احد يستمع للآخر ولنا هواية نعشقها بجنون وهي وضع أكياس النفايات على ترتوارات الشوارع الرئيسية و . و . حاجات كثيرة مشتركة بيننا لا يسمح الوقت بسردها جميعا .
نظرت حولي وتلفت يمنى ويسري والبروفيسور كأنه فص ملح وداب . هرولت لمكتب الاستقبال لاتقصي الحقيقة ولكن المسؤول هنا لم تكن عنده إجابة شافية وكان أكثر حيرة مني .
في صبيحة اليوم الثاني شاهدت البروف واقفا في دوار لحركة المرور رافعا كلتا يديه يقوم بدور الشرطي ويصرخ :
( احذر كل رعايا الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بأن يعملوا حسابهم من أهل السودان لأنهم ليس عندهم إجابة لاي شيء ويكتفون فقط باللف والدوران ) !!..

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
يناشدكم بأن لا ترموا كلام البروفيسور الياباني واطة.

ghamedalneil@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً