قضايا فكرية في الاسلام (2) .. بقلم: بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي

 

لقد أشرنا في المقال (1) إلى أن الاختلاف موجود في القران وان هذا الاختلاف يستوجب حراكاً فكرياً لتطوير التشريع لما يناسب الوقت. الا ان امر الدين قد تُرك لفقهاء منشغلين عن الفكر و تعقيدات الحياة الحديثة بكيفية دخول الحمام وما اذا كان أكل لحم الجن حلالا أم حرام وتحليل أنواع الريح التي تنقض الوضوء والبحث في طرق واحكام ضرب الزوجة والاجتهاد في إثبات نقصان عقل المرأة. ولهذا لا غرو أننا نهبط الى أسفل دركات التخلف بينما الامم من حولنا تصعد في درجات التقدم والمعرفة والتكنولوجيا.

وهنا نورد حديث الشيخ الجليل عبد الفتاح مورو (إسلامي وأحد القادة التاريخيين لحركة النهضة التونسية) في محاضرة بعنوان “من الإطاحة بالاستبداد الى حماية التحول الديمقراطي” قدمها بمعهد عصام فارس للسياسات والشؤون الدولية بالجامعة الامريكية في بيروت في ندوة عنوانها “خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته”:
“علومنا اليوم مطروحة في مناهج التربية الحديثة، لا يفقه منها الاسلاميون شيئاً، بينما المدرسة التي من شأنها أن تكوّن مغيّري العالم هي مدرسة الفكر، هي العلوم الانسانية التي هجرها الاسلاميون فهجرها الكثير من الناس، فأصبحنا عاجزين على أن نفهم الحراك الاقتصادي والحراك الاجتماعي لأننا لم ندرس لا علوم الاجتماع ولا علوم التربية ولا علوم السياسة ولا علوم الاقتصاد ولا علوم العمران البشري، ومشايخنا يعتنون بنواقض الوضوء، واخرون يجيّرون لفائدة حكام ظلمة يطلبون منهم فتاوى فيفتون، والاخرون قابعون على ساحة الحياة يتحدثون عن الجن أنثى هو أم ذكر. من للشعوب اذا كان علماؤها يقبعون في وادي عبقر عند الجن وإذا كان مثقفوها لا ينظرون الى الواقع نظر المخالط له وإنما نظر الذي يرقبها من بعد حتى لا يطير شراره على لباسه فيحرقه. من لهذه الشعوب حتى نشعر بأننا شعوب حية. ألم نكن نحن وكوريا الجنوبية في مرحلة واحدة في سنة خمسين؟ مالذي يجعلهم يصبحون قوة ونحن قابعون ننظر اليهم؟ نأخذ منتجاتهم بكل عزة واحترام وندفع اموالنا وعرق جبيننا ودماءنا اليهم لأننا لم نجد من يحركنا ولم نجد من يفتح علينا باب فهم الواقع والحياة. اطلب من ابنائي والإسلاميين وأقول لكم أيها المثقفون: يا صناع العقول، لن تغيروا العالم بكتب فقه، تغيرون العالم بعقول واعية مدركة تتبنى القيم وتدرك أن القيم هي كرامة الانسان” (أرجو أن أكون قد وفقت في تحويل المقطع الصوتي الموجود في اليوتيوب الى نص مكتوب).

ولم نكن نحن بعيدين عندما وضعنا إصبعنا على علّة العلل وأجملناها في بعض الابيات من قصيدة بعنوان “الأستاذ وأمريكا والمشروع الحضاري” نشرناها بسودانايل عام 2009؛

هل يبقى وطنى متّحداً *** أم يصبح جزراً يتفطّر؟
قد صار الدين يكبّله *** بقديمٍ فيه لا يُقهر
وبفقهٍ جلّ مقاصده *** عورات المرأة أن تُستر
و سماء الوطن به عُري *** صاروخٌ يبصر يتخيّر
قد ذاق الوطن شريعتهم *** فتضوّر جوعا وتقهقر
وبربك هل يصلح شرع *** أو دين يفرض بالعسكر؟
المصحف فيه رسالات *** ليجاري زمناً يتغير

نعم، لا يهم الفقهاء أن تكون سماؤنا (العورة الكبرى) مكشوفة ومفتوحة لصواريخ الأعداء أو أن تكون بُطُون أطفالنا خاوية تتلوّى جوعاً، ولكنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها اذا انحسر الثوب عن ساق صبية تكابد في معترك الحياة.

نحن اذا بحاجة ماسة لأن نتصدى لهذا الفقه العقيم المنغلق الذي يشغل ألأمة بتوافه الأمور ولأن نفتح آفاق التنزيل الحكيم ليدفع العقول النيّرة للابداع في ساحات الفن والموسيقى والعلوم والاقتصاد والادارة والسياسة والتكنولوجيا. وهذا لن يكون إلا بتأصيل قيم الآيات التي تخاطب انسان الألفية الثالثة، واعتبار الايات المخالفة لها، التي خاطبت قيم مجتمعات الألفية الاولى، منسوخة بحكم ألوقت. إن القول بأن القران كله يصلح دفعة واحدة لكل زمان ومكان، دون مراعاة للاختلافات في آياته، لا يسنده الواقع.
نحن أيضاً في حاجة لان نحصر استخدام كلمة “علماء” في المكان الصحيح لترتبط بعلماء الطب والهندسة والزراعة والنفس والاجتماع والفلسفة والسياسة، وأن نشير الى المشتغلين بعلوم الدين بالفقهاء. وذلك حتى اذا قيل “علماء الأمة” عُرف أن المقصود بها هم علماء العلم الذي يغيّر العالم وليس مشايخ الدين. ولا يستهن أحد بأهمية الأسماء لأنها قوام نظام التواصل و المعرفة ولذا كانت هي أول ما علّمه الله الانسان {وعلم آدم الأسماء كلها} (البقرة 31).

23/9/2017

sidahmmx@hotmail.com

///////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً