قضية المناصير .. هل تعود الى مربعها الأول ؟

 


 

 


masidahmed123@hotmail.com
        قبل حوالى عامين تقريبا كانت تسكن الى جوارنا فى الحي  أسرة تحت هيكل عمارة غير مكتملة البناء وكانت لهم إبنة استأجرتها أسرة ثرية لتعمل معهم شغالة فى منزلهم المكون من ثلاتة طوابق والذى رحلوا اليه حديثا بعد إكتمال بنائه . وبعد حوالى أسبوع تقريبا من بداية عملها معهم قامت الأسرة بعمل وليمة إفطار كبيرة (كرامة)  إحتفاء  بإكمال بناء منزلهم الجديد وإنتقالهم للسكنى فيه .  ونحروا من أجل هذه المناسبة  العديد من الخراف  وشبعوا من لحومها حتى توفرت لهم كميات هائلة منها بعضها مطبوخ وأكثرها غيرذلك . وكانت الخادمة طوال وقت الوليمة  تخدم أفراد الأسرة وضيوفهم حتى إنفض سامرهم وأدخلت معهم  بقية  لحومهم  داخل فريزراتهم وتلاجاتهم . ولما سألتهم عن إفطارها قدموا لها   صحن فول بدون  زيت مع رغيفة بايته  وبخلوا عليها حتى بقطعة لحم واحدة مما تبقى لديهم من لحوم  . فطالبتهم على الفور بأجرها نظير الإيام التى خدمتها معهم ولكنهم تعللوا لها بعدم توفر مال لديهم إلا فى آخر الشهر حسب روايتها ،  فخرجت من عندهم  لتستدين مبلغ خمسائة جنيه (بالقديم) ثمنا  لساندوتش طحنية .
    والقصة حقيقة وأشخاصها موجودون  . تذكرتها  ونحن نعيش حاليا إحتفالات وحدة تنفيذ السدود    بأول إنتاج  لسد مروى  من  الكهرباء وقد  خرجت فيه وحدة السدود فى أبهى حللها وهى تتبرج فى زينتها  إحتفالا بأول إنتاج لها من الكهرباء . ورغم أهمية الحدث وتلهف الشعب السودانى واستعجاله لينعم بوفرة الكهرباء  إلا إنه لم  يخطر ببال كثير من المتأثرين أن  الحكومة أو وحدة تنفيذ السدود  يمكن أن تتجرأ للقيام  بهذا الإحتفال قبل  أن يتم معالجة  كافة قضايا المتأثرين بالسد العالقة ومظالمهم خاصة فيما يتعلق بقضية المناصير التى وضع  لها السيد / رئيس الجمهورية نهاية سعيدة  قبل ما يقرب من شهرين . حيث ظلت قضيتهم  لا تزال لم تراوح  مكانها نظرا  لتأخر التنفيذ  خاصة فى أهم أركانها  وهو التعويض على  الزروع  والممتلكات التى غمرت قبل أكثر من ثمانية أشهر ولا زال المواطنون يعيشون فى رواكيب وخيام  .  قلت فى نفسى  ما أشبة الأسرة الثرية البخيلة بوحدة تنفيذ السدود أو بالحكومة وما أشبه المتأثرين بسد مروى بتلك الشغالة .. فقد  كان ينبغى  على الحكومة فى تصور الكثيرين  أن توارى سوأتها  فيما فعلته من إغراق متعمد للمناصير وأن تجبر ضررهم  وبقية من معهم من متأثرين قبل  إحتفالها بإنتاج كهرباء السد حتى لا ينطبق عليها ما جاء فى قوله تعالى  : (بئر معطلة وقصر مشيد ) أو  المثل السودانى القائل :  ( لابس تاج فوق رأسه وصلبه كاشف )   .. أوكقول الشاعر كثير عزة  :
                  وكنت كذى رجلين رجل صحيحة  ----  ورجل رمى بها الزمان فشلت .
وليت مشروع سد مروى كان ذا رجل واحدة  صحيحة  ، لأن شقه التنفيذى الذى لا علاقة له بالمتأثرين مليئ  بالسلبيات والأخطاء  وعدم الشفافية  التى صاحبت تنفيذ هذا المشروع . وما أكثر النقد الذى وجه  لوحدة تنفيذ السدود  فى طبيعة تكوينها  وكيفية أدائها .  وأما الرجل الأخرى المشلولة فليس بخافى  على أحد أنها تمثل جانب المتأثرين بقيام السد الذين فعلت بهم إدارة السد الأفاعيل .  وهم الذين دفعوا الثمن الأغلى لقيام هذا السد ولم ينالوا أو يستفيدوا منه كمشروع بمثل ما نال واستفاد منه حتى  قبل أن يكتمل ، قوم  آخرون غير متأثرين . بينما تدعى  إدارة السد أنها  أنصفتهم  وأعطتهم أكثر مما يستحقون ووفرت لهم المساكن الحديثة  وجميع الخدمات وأنشأت لهم المشاريع الزراعية الناجحة لإعاشتهم  وأفاضت عليهم  من النعم ، وهم الذين لم يسبق أن سمح لممثليهم الحقيقيين بالظهور فى أجهزة الإعلام من تلفزيون  وإذاعة ليتحدثوا عن مظالمهم بمفردهم  أو فى مواجهة مع  إدارة السد  حتى لا يكشفوا للجمهور ما ألحقته بهم  إدارة السد من  مظالم  وأضرار ،  وكيف أن حالهم قبل التهجير كان خيرا وأفضل عما هم  عليه اليوم من سوء منقلب ، وكيف أنهم يعيشون اليوم فى  مأساة  وفقر مدقع  . بل ومنعت الصحف  من نشر أي موضوع  أو خبر يتعلق بقضيتهم . ولا يزال المناصير من أصحاب الخيار المحلى حول البحيرة والذين سبق للحكومة أن عقدت معهم إتفاقين إثنين أكدت لهم فيهما أنها وافقت على رغبتهم بإعادة توطينهم حول بحيرتهم لا زالوا يعيشون تداعيات مأساة إغراقهم الكارثية  وينتظرون تنفيذ وعد السيد الرئيس لهم بصرف تعويضاتهم التى أكد أنها فى الحفظ والصون وتراعى ما طرأ من زيادات ومتغيرات فى تطور حياتهم بعدالعام 1999م . وظلوا فى ترقب لها كالمرتجى ظل الغمامة كلما  أفاء  منها للمقيل إضمحلت  . والمناصير لا يساورهم أدنى شك فى مصداقية السيد الرئيس ، وقد سعدوا بزيارته لمنطقتهم  وهتفوا له صادقين  من أعماق قلوبهم وعاهدوه على الوفاء له ، وهم لعهدهم  موفون  . ولكنهم بعد انتظار قارب الشهرين  لم  يروا فى الأفق ما يبشر بتنفيذ قرارات الرئيس خاصة فيما يتعلق بإعادة الحصر وإجراء صرف التعويضات واستلام مبلغ الأربعة مليارات وغير ذلك من وعود  ، بينما  يرون من الجانب الآخر الحكومة ووحدة تنفيذ سدودها   فى شغل شاغل بمهرجانات إحتفالاتها بإنتاج كهرباء السد  الذى كان ينبغى أن يكونوا هم أول من ينعم بدخول كهربائه اليهم .. وبمشاغل أخرى ليست بدرجة أهمية قضيتهم ( خلاف قضية المحكمة الجنائية ، وهي قضية  ليست  بالجديدة .. وسبق لهم أن أعلنوا موقفهم منها .. ولا يرون فيها خطرا ماثلا يتهدد الرئيس أو السودان أو يؤخر صرف إستحقاقاتهم  ) .... ( فصار الفار يلعب فى عبهم ) كما يقال  . وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون : ترى من له مصلحة فى تعطيل قرارات السيد الرئيس  .. وكيف يجرؤ كائن من كان على ذلك  دون أن  يخاف من حساب وعقاب من جراء عدم التنفيذ أو تأخيره ؟ وذهبت  شكوكهم وظنونهم  ومخاوفهم فى ذلك مذاهب شتى  . ولكن أغلبها  تمحور فى إتهام  وحدة السدود والقائمين على أمرها  بأنها  هي السبب من وراء كل هذا التأخير أو عدم التنفيذ وذلك  لعدة أسباب واعتبارات وقرائن منها ما يلى : --
1 /  لا  يزال لهذه الوحدة   نفود طاغي ومتزايد رغم أخطائها  وهي تملك  فوق ذلك (ذهب المعز وسيفه )
2 /  وهذه الوحدة كما عرف عنها لا تعترف  بفشل إنجازها لأي هدف من أهدافها أومخططاتها . ولذا فإنها وكما يراها كثيرون لا نزال لا تعترف بالخيار المحلى حول البحيرة كواحد من خيارات المتأثرين المناصير لإعادة التوطين حتى بعد إعلان الرئيس البشير لهذا الخيار فى زيارته الأخيرة لمنطقة  المناصير . فالمدير التنفيذى لوحدة تنفيذ السدود  فى خطابه الذى ألقاه بمناسبة الإحتفال بإول إنتاج  لسد مروى من الكهرباء شكر المناصير لقبولهم مغادرة موطنهم والهجرة الى مشروعى المكابراب والفداء الصحراوى  والأخير يسميه الكحيلة شرق . ولم يذكر بأي حال شيئا عن غالبية المناصير الذين إختاروا --  رغما عنه -- توطين أنفسهم حول البحيرة وكأنه لا يعترف بوجودهم وبقائهم بهذا الخيار. وكذلك فعل دليل الرحلة فى البص رقم (16) الذى أقلنى مع آخرين من مطار مروى  الى موقع الإحتفال شرق السد  حيث  ذكر لمن كانوا فى البص ان المتأثرين جميعهم قد تم  تهجيرهم الى كل من قرى الملتقى وأمرى الجديدة والمكابراب  (والكحيلة شرق ) بما يعنى أن عدم إعتراف وحدة تنفيذ السدود بالخيار المحلى حول البحيرة للمناصير رغم واقعه المعاش وتأكيد السيد رئيس الجمهورية له  هو سياسة ثابتة ومقررة عند إدارة السد   ولا رجعة منها رغم أي شيئ  وأنه مبدأ راسخ لديهم  حتى فى أذهان العاملين بالوحدة مثل ذلك المرشد . ولذا فلا عجب أن يلاحظ المناصير استمرار حراك من يتهمونهم من أبناء المناصير بالعمالة لوحدة تنفيذ السدود  فى داخل السودان وخارجه  فى محاولات يائسة وفاشلة كي يشككوا فى لجنة المناصير ويحدثوا فى وسطها  إنقساما  بإمكانيات مادية تفوق قدراتهم  المالية . وقد صار لهم موقع فى الإنترنت يديرونه من لندن يكيلون فيه  الشتائم والإتهامات والأكاذيب  للجنة المناصير وأعضائها وهم فى إتصال هاتفى يومى بين لندن الخرطوم . وقدعابوا مؤخرا على بعض من أعضاء اللجنة قبولهم لدعوة وحدة تنفيذ السدود  لحضور إحتفالات إنتاج الكهرباء بسد مروى بإعتبار أن قبولهم لدعوتها  يعتبر إعترافا منهم بإدارة السد التى لا تعترف بهم ،  وبما يعنى خيانتهم  لقضية أهلهم أصحاب الخيار المحلى حول البحيرة . وكأن سد مروى مشروع خاص بوحدة تنفيذ السدود وليس مشروعا قوميا بخيره وشره . وكأنهم بهذا الفهم سيتعبرون الكهرباء المنتجة من سد مروى كهرباء خاصة  بوحدة تنفيذ السدود  ويجب مقاطعتها  وعدم الإستفادة منها  ولا يسمحون  بدخولها منطقتهم .. ويا لغبائهم المركب .!!
3 /  لم  يتناول الإعلام خاصة فى الصحف نبأ  حل الرئيس لقضية المناصير عند زيارته لمنطقة المناصير بالقدر والحجم الوافى من الترحيب والتحليل بحيث يغوص فى جذور المشكلة  ويبين حقبقتها . ويكشف للرأي العام لماذا نشأت المشكلة  أصلا كمشكلة ،  وكيف أنها  ما كان يبنبغى لها أصلا ومن البداية ان تنشا كمشكلة . ثم من الذى تسبب فيها وجعل منها مشكلة معقدة تستعصى على الحل  ولماذا ؟ وكم خسرت الدولة ماديا ومعنويا وسياسيا بسبب هذه المشكلة وقصور فهم من تسببوا فيها  ؟ . وما هو مصير مشروعي إعادة التوطين فى كل من المكابراب والفدا الصحراوى اللذان أصرت وحدة تنفيذ السدود على إنشائهما رغم علمها برفض غالبية المناصير لها ، مبددة بذلك ملايين الدولارات فى رمال الصحراء فظلت مساكنها شاغرة ينعق فيها البوم بعد إن رفض غالبية المناصيرالهجرة اليها وأصروا  على البقاء بخيارهم المحلى  حول البحيرة ولم تفلح كل وسائل وحيل إدارة السد من ترغيب وترهيب وتزوير فى صرف التعويضات لجعلهم يهاجرون اليها ، بل وجعلوا من بقائهم بموطنهم   أمرا واقعا يغيظ  إدارة السد ، وهو أمر يصعب على وحدة السدود الرضى والإستسلام له لأنه يعنى شهادة فشلها . ولا تزال مثل هذه القضايا غير مسموح بالتطرق اليها ونشرها فى الصحف .
4 /  رغم التعاون والتنسيق وحسن التفاهم بين والى ولاية ولاية نهر النيل وحكومته مع اللجنة التنفيذية للمناصير لإحتواء وتجاوز الآثار السالبة لكارثة الإغراق ثم مباركة السيد الرئيس لإستمرار هذا النهج والتعاون للمضى  فيه قدما لتكملة إعادة الحصر وصرف التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الخدمات إلا أن ما يلى  والى ولاية نهر النيل  وحكومته فيما يتعلق بكل ذلك أمر لا يكاد  يذكر . وكل الشأن يتطلب ويقتضى توفير المال من المركز وتعاون أجهزة من خارج الولاية كديوان النائب العام فى إعادة الحصر . وبما أن والى ولاية نهر النيل وحكومتة لا يملكون سيطرة على المركز ، فلم يعد من المستغرب ألا يمضى تنفيذ قرارات السيد الرئيس كما هو متوقع ، وألا تجد اللجنة التنفيذية أجوبة قاطعة لأهم أسئلة يوجهها لها المتأثرون فى القاعدة  مثل : ثم ماذا بعد  زيارة السيد الرئيس للمنطقة ، وماذا تم فى تنفيذ قراراته ؟ ولماذا لم يتم تنفيذها ؟ وما هي الأسباب التى تأخر أو تعيق التنفيذ ؟ خاصة فيما يتعلق بحضور لجان إعادة حصر الممتلكات التى سيتولى رئاستها ديوان النائب العام والتى لا يرون سببا مقنعا يمنعها من الحضور للمنطقة ومباشرة مهمتها أو على أقل تقدير إعلانها  لجدول زمنى ببرنامج عملها  حتى وإن تأخر موعد بدايته  عدة شهور لكي يطمئن المتأثرون بجدية  الحكومة  فى صرفها لحقوقهم وتعويضاتهم  ، وأن حقوقهم  لم تضع هباء فى عملية التزوير الكبرى التى جرت فى كشف عام 1999م . وما لم يظهر جدول زمنى ببرنامج إعادة الحصر خلال منتصف هذا الشهر الجارى (مارس ) كما يتردد فى أوساط المتأثرين فإن الكثيرين يرون أن الحكومة ستفقد مصداقيتها  وللمرة الثالثة والأخيرة لدى المتأثرين المناصير من أصحاب الخيار المحلى . وقد يكون ذلك سببا كافيا لأن تعود القضية الى مربعها الأول ، وتغدو المنطقة مرة أخرى بؤرة توتر ويبقى فى قلوب  المتأثرين جرح نازف لا يعرف الإندمال وشيئ كثير من حتى  . وربما  هكذا يريدها ... أولئك الذين  يبغونها عوجا . 

 

آراء