قضيّة الإصلاح في العالم الإسلاميّ: قراءة نقديّة لمؤتمر انقلابيي تركيا (3/6) .. عرض وتقديم: د. أحمد محمّد أحمد آدم صافي الدِّين
13 فبراير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
عرض وتقديم: الدِّكتور أحمد محمّد أحمد آدم صافي الدِّين/جامعة بحري
يتمحور هذا الجزء الثالث من المقالة حول التعليم باعتباره ركيزة التغيير وفق مفهوم التجربة النورسية؛ تلك التجربة التي يريد الكولونيون سرقتها وتسويقها لتحقيق مآرب خاصة وراءها الاستخبارات الأجنبية والصهيونية وأعداء الاسلام. فقد تمكنت الجماعة من انشاء شبكة من المدارس في أكثر من مائة وأربعين بلداً على مستوى العالم. وكان الغزاة الاوربيون قد سبقوا بهذه التجربة من خلال فتح مدارس لتخريج كتبة وافندية يعينوهم في إدارة البلدان التي احتلوها بقوة السلاح. وقد تحقق لهم هدفهم المنشود. ولما كانت تركيا اتاتورك ناشئة وفي عنفوانها ، لم يكن من بد لمن يرومون التغيير من خيار غير اتخاذ تدابير مبتكرة لتحقيق ما يصبون اليه. ولاجل هذا، فقد بنيت رؤية الجماعة النورسية وتأسست انطلاقاً من ذلك الواقع الذي ينطوي على كثير من التعقيدات. إذ لم يكن المسجد هو المنطلق لتحقيق تغيير منشود لمبررات موضوعية، وحتى في ظل تبني تجربة المدرسة مؤسسة للتغيير الاجتماعي، لم يكن من بد تبني فلسفة ونظام التعليمي الذي تفرضه المؤسسة الرسمية العلمانية الاتاتوركية. وقد تبدى وظهر ذكاء القائد والجماعة في تبنيهم لنظام التعليم بمنهجه العلماني، ولكنهم استطاعوا من خلال شحذ هممهم، وإعمال عقولهم من خلال التفكير الابداعي من اختراق الصفوف، فقد اختاروا اساتذة وفق مواصفات خاصة استطاعوا من خلالهم أن يخرجوا جيلا اسلاميا ارسي دعائم النهضة الحالية. وفي مقابل هذه التجربة فان بلدان كثيرة عجزت عن تحقيق هذا النجاح، ففي السودان كمثال على الرغم من أن حكومة الانقاذ التي استولت على السلطة بالقوة، وأدارت المجتمع الذي يعد تدينه فطري وعميق، عجزت عن تحقيق مراميها وفق ما اسمته بالتخطيط الاجتماعي، الذي هدف لإعادة صياغة الانسان السوداني وفق مواصفاتها لتحقيق مشروعها الحضاري. وفي تقديري فلا المناهج التي عدلت ضمن نظام تعليمي،ولا الشعارات التي رفعت، ولا التمكين الذي نفذ من خلال تدجين النقابات، ولا خلخلة الاحزاب، ولا تشريد المعارضين من الخدمة المدنية والعسكرية على حد سواء، لم يكمن ولم يجدى فتيلاً في تحقيق ما يصبون اليه بسبب فقدان روح الاخلاص والتفاني هنا، والتي توفرت في أفراد الجماعة النورسية، وربما يعزي ذلك لكبر التحدي في تركيا مقارنة بالوضع في السودان. لان الظروف الاصعب تغري ببذل المجهود الممكن لتحقيق نجاح على خلاف الظروف الاسهل على مستوى القاعدة الاجتماعية في البلدين.
لعل من بين الاوراق التي نوقشت في المؤتمر ورقة د.بودينار الذي ركز في كلمته على أهمية مجال التعليم في حركة فتح الله كولن. كما جاءت دراسة د.رجب قيماقجان “التعليم ومنظوماته المؤسسية: من المحلية إلى العالمية” لتركز بشكل أكبر على رؤية كولن حول التربية والتعليم، وأساسها رفض الرؤية الحداثية للتعليم، التي تركز على الجوانب المادية والعقلية في العملية التعليمية فحسب منكرة الجوانب الروحية. وفي المقابل يطرح كولن رؤية تعليمية بديلة تقوم على التزاوج والجمع بين الروح والمادة. وعن كيفية تطبيق تلك الرؤية التربوية لفتح الله كولن في المدارس على أرض الواقع، أكد د.قيماقجان أن ذلك لم يكن بصياغة مناهج مخصصة أو إضافة مناهج دينية إضافية. بل باتباع نفس المناهج المحلية في كل بلد، والتركيز بدرجة أكبر على تقديم رؤية قيمية من خلال تلك المناهج، تقديم برامج تربوية موازية للمناهج الدراسية عن طريق المعلمين، والأنشطة المدرسية المختلفة. فوفقاً للطرح الذي اوردته الاوراق وأشار اليه التقرير المنشور، فان فلسفة التعليم تشير إلى ان تنفيذ اي منهج مخطط، ينطوي على منهج آخر مستتر، وهنا ينبغي ان لا ننسى دور المعلم القدوة الذي يستطيع من خلال سمته وسلوكه وتعاملاته أن ينقل للتلاميذ صورة حية ويرسم في مخيلتهم رؤية لا يمكن للمنهج ان يحققها. فضمت الجلسة السادسة، التي تناولت “مجالات العمل وخبرات الممارسة من المحلية إلى العالمية: مكافحة الفرقة”، ورقتين: ركزت الأولى على حوار الداخل والمواطنة التركية وعقدت الورقة الثانية مقارنة بين فتح الله كولن وسيد قطب. لا غرو في ان نوع التغيير الذي يتبناه النورسيون يعتبر تغييراً ناعماً وصامتاً. وحين ادرك العلمانيون بخطورة هذا النوع من التغيير الذي يصعب ايقاف عجلته، لجأوا الى ذات المنهجية لضرب حركة التغيير للجماعة بحركة داخلية يعتبر أصحابها جزء من الجماعة. ربما فات على من خططوا للتغيير على هذه الشاكلة، أن للتغيير سنناً وقوانين؛ حيث تستعصي او تستحيل عمليات التغيير اذا لم تراعي الشروط الموضوعية. ولربما اراد الانقلابيون التعجيل باجهاض التجربة قبل ان تصل الى مداها ولكنهم خابوا وفشلوا. فرجب طيب اردوغان استطاع بحنكة وجدارة تحقيق منجزات ملموسة يعترف بها الجميع ولذلك استعصى على اعداءه من الانقلابيين في ان يقتلعوا نظامه. وهو قد أضاف الى رصيد من سبقوه امثال نجم الدين اربكان وغيره الكثير. لم تخل رؤى الكولونيون من مبادئ من بينها رتق النسيج. ولعل في مكافحة الفرقة التي ورد الحديث عنها، قد افتضحت عشية الانقلاب الفاشل في العام الماضي2016. وهي محاولة للتغطية والتعمية على العمل المستتر الذي ذهب ادراج الرياح، على الرغم من الدعم الكبير والتمويل الضخم والانتشار الداخلي والخارجي. ومما يدهش كما اشار المؤتمر هو المقارنة بين فتح الله كولن وسيد قطب. فكولن الذي يعيش في امريكا التي تستضيفه، يقف سيد قطب على النقيض من ذلك. كما تناول د.ياسين أقطاي تجربة وقف جمعية اتحاد الكتاب والصحفيين في الحوار داخل تركيا وخارجها، وهي الجمعية التي يرأسها شرفيًا الأستاذ فتح الله كولن الذي شجع على إنشاء الجمعية في بداية التسعينيات بعد قراءته لمجمل التغيرات العالمية والداخلية في تلك الفترة.وبين أن للشيخ فتح كولن دور في تدشين الحوار مع الأقليات داخل تركيا ومثل منتدى “أبانت” ملتقى يجمع أطيافًا فكرية مختلفة تناقش قضايا تركيا والعالم والإنسانية، وهو أحد مبادرات جمعية اتحاد الكتاب والصحفيين الأتراك، وقد تبادل رئاسة منتدى أبانت عبر عشر سنوات مفكر إسلامي وآخر يساري، وهو ما يشير إلى قدرة فتح كولن في الجمع بين هذه الأطراف لتجلس معًا وتتعارف وتتناقش. حيث أن الانقلابيين لم يدخروا وسعاً في توسيع مواعينهم حتى شملت الانشطة الجمعيات والاتحادات. وتكمن ههنا أسرار وأسرار وراء تغلغل فتح الله كولن في مختلف الاوساط. وهنالك تساؤلات تثار في جمع المتناقضات. فالحوار بين هذه الاتحادات شمل يساريون ضمن منتدى أبانت. وفي تقديري أن تغلغل رجل دين ومصلح في منظمات مهنية مثل اتحاد الصحفيين لشيء مذهل، يبعث على الدهشة. لكن لا ينبغي أن يندهش القارئ لهذا، فقد كان الغرض إعداد الساحة التركية للتغيير المدعوم من أعداء الاسلام ومناوئيه وهؤلاء لهم مصلحة في هذا التغيير المرجو تحقيقه. فحين يقف المرء على أعداد الذين تم تسريحهم من الجيش والشرطة والامن والخدمة المدنية فان الامر واضح. حيث هنالك أعداد كبيرة تم تجنيدها ليكونوا جزءاً من الحركة التغييرية في مختلف مجالات الحياة. إن التجربة التعليمية لجماعة فتح الله كولن والتي شملت معظم بلاد العالم، تستهدف تحقيق مرامي كبيرة من بينها تصوير كولن كرجل اصلاح له اياد بيضاء على مستوى العالم. وهذا يؤهله لان يكون مقبولاً ومدعوماً. ففما يبعث على الاستغراب ان احد اعضاء الحركة الاسلامية في السودان وصف كولن بالفرعون، والرجل نفسه اتهم من قبل البروف حسن مكي على انه هو الداعم لكولن.كما ورد في الصحف السودانية. وحين سئل البروف حسن مكي في حوار تلفزيوني، ضحك ضحكة مجلجلة وقال: ان الشخص الذي اتهمني هو الذي قدم لي الدعوة للحضور الى منشط تقيمه المدارس التركية. وكأن الامر تكفير عن سيئات استضافة الاسلاميين لكولن في السودان، على خلفية أن صاحب التصريح هو رئيس الجمعية السودانية التركية.اختتم مقالتي بالاشارة الى ان التغيير من خلال التعليم يعد أحد افضل الخيارات المتاحة والتي تحتاج اليها المجتمعات. بيد أن تحقيق نتائج لعمليات التغيير عبر التعلين تتطلب وقتا طويلا ومنظومة من الشروط. فيجب أن لا نغفل أن التغيير من خلال إعادة بناء الانسان هو منهج نبوي، تنكبته كثير من حركات الاصلاح والتغيير على مستوى دول العالم لا سيما الاسلامي منها. فالانسان لا بد أن يوجه الى اكتساب القيم والمثل العليا، حتى يكون الانسان رباني يحقق المقاصد الكبرى من حركة التغيير المنشودة. فان لم يكن هذا فان ناتج التعليم تنتج عقلا مفخخاً، يسعى صاحبه للبناء، ولكنه يحقق الهدم لجهله بسنن الاصلاح ومنهجه ومنطلقات بناء الاوطان وفق اسس التعمير.فالمدرسة القرآنية التي تفتقت عن تجربة نفر من الاسلاميين في السودان تحتاج الى تطوير كبير أن اريد لها أن تحقق نقلة نوعية في السودان. فالتجربة عندي لا تعدو كونها عملية مساج بينما الامر يتطلب أكثر من ذلك. ففلسفة المدرسة القرآنية وفق تجربة التراث الاسلامي عميقة الجذور، وأن بعثها وتطبيقها في ارض الواقع يحتاج الى عقول وجهود مستمرة لتحقيق المنشود منها. ونواصل في الحلقة القادمة باذن الله.
dr.ahmedsafidinfdi@gmail.com