قِصيِّرْ الـ بِروحْ زَيَّ العِصَيِّرْ ! .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق
4 يونيو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
Jou_shagag@hotmail.com
قُبيْل أنْ تختبئ الشمسُ في ثويها الأصفر الآيل للاحمرار خلف شجرات السيَّال المُتشابكات فوق التلَّة الرابضة غرب القرية ؛ تبدَّى بدْرُ النصف من شعبان حلْقةً فضيَّةً مُتقرفصةً فويْق الجبل الشامخ المُتكئ على ضفَّة النهر الشرقيَّة !
في غمرة التسليم والتسلُّم بين خواتيم النهار وبدايات الليل ، وتنحِّي العسجد لسُلطة الفضَّة ؛ تُبودِلَتْ أدوار الحديث والإصغاء بين البشر والحيوان والأشياء ..تنحْنح النهر المُفوَّه مثل قُسٍّ بن ساعدة الإيَّادي ،صادعاً بأسارير البقاء واعتبارات الرحيل ، الزوال والخلود ..قصص الغابرين وغُصص الأبد والفناء ..اغاريد الحياة واصطفاقات الوجود !
انتشى الشطُّ مثل أبي بصير (الأعشى) ليُروِّضَ قوافي التشبُّب والنسيب ، واصفاً نقوش الأقدام الحافية منذ آلاف السنين على خدود رمله الوثير ، وشهقات التراشق بالمياه وهينمات بنات الحور وزغاريد الزفَّات ونُقزان جريد النخل وتراقص أغصان الطرفاء والصفْصاف ! استعارتْ الأطيارُ أوتار ابراهيم الموصلي وأعواد اسحاق مُترنِّماتٍ على شفق الغروب وشُرُفات الأوكار المُتدليَّة من مفارق الأيك المتماهية خُضرتها مع مزيج الذهب والفضَّة وغبش الرحيل !
ما نطق ناطقٌ أو نشَقَ ناشقٌ أو سمع سامعٌ إلاَّ بخاطرةِ الرواح ..ثُغاء الشياه يُعرب عن لهفة الحلْب وملاعقة البُهُم ومُناغاة الرضاعة ، رواح ، رواح ..الأُتُن اللائي يضربن بأرجُلِهنَّ ليُعْلَمَ مَلَلُهُنَّ وتوْقُهنَّ للرواح ..بقرتنا (خَدْرة) تدور حول وَتدِها في دائرةٍ قُطرُها حبلُها الذي كاد يقطع أُذنَها ، دورانٌ مشفوعٌ بخُوار يشي بامتلاءِ ضرعها بالحليب وحنينها لعجلها الصغير ، رواح ! جَدِّي يفرغ توَّاً من صَلاتِه على سجَّادة الشاطئ ..يصيح وهو ينفض جبينه ولحيته المُعَفَّرين بتراب الجروف الناعم : (الجردل والمحويب آ وليد ) ، وما كانت (خدرة) تحتاج – لسخاءها وإلفتها – لقيدٍ على رجليها أثناء الحلْب ، إنما كانت كما يقول جَدِّي (هديَّة ورضيَّة وسخيَّة ) ولكن من استخدامات حبل (المحويب) أن يجلدني به جَدِّي إنْ أنا لم اكترِعْ (كورة) كاملةً من اللبن الطازج بعد الحلْب يوميَّاً !
أرخيتُ الحبل للعجل المُشاغب ريثما لامستْ شفتاه أثداء أمِّه ، ثم شددْتُه قليلاً سامحاً بملاعقة مؤخِّرته ومناغاته وفي الوقت ذاته فاسحاً المجال لأصابع جدِّي الماهرة للعزف بصوت اللبن داخل الإناء ،رغم انَّ العجل لقوِّته يكاد يُلقي بي فوق شوك الحظيرة ..امتلأ الجَرْدل حتى رقصتْ الرغوةُ عن سطحه ..أطلقتُ العجل فرضع إلى أن شبع فطفق ينطِّطُ ويرمُح الهواء ! أعاونُ جدِّي على ربْط حِزمَتي الذرة الشاميَّة على سرْج الدَّابة المتلهِّفة على الذهاب رواح، رواح ..وفي طريقنا من (الساقية ) إلى القرية ونحن نعبر الحقول ناشقين بوحها وبثِّها وعاطر أنفاسها ؛ تربَّع بدْر النصف من شعبان في كبد السماء أبيضاً كسرائر الملائك ، ناصعاً كالحقِّ المُبين ، كاشفاً الحُجُب كأنَّه يمدُّ سُلُّماً إلى السماء أو ينتشل شيئاً ما من الأرض ! كلَّما دنونا من القرية زادتْ ضوضاءُها وبُهَرُها وطنطناتُها ..رويداً ويداً حتى فاحت رائحة اللبن المحروق .. السنابل المشويَّة .. بخور التيمان و عطر الطلح ..!
وما أنْ صُلِّيتْ العشاء ؛ حتى توافد الصِّبْيةُ والصبايا إلى ساحة اللعب (الرميلة ) ..قليلاً وجيئ بأواني اللبن الطازج والفطير وعصيدة الدخن من كلِّ حدبٍ وصوب ..جاءتْ عبر الأزِقَّة ، ومُدَّتْ فوق الحيطان ومن خلال النوافذ و (الطاقات) ..ليلةٌ قمراء ورملٌ وثير ولبن وفطير وصبية وصبايا وحفل ميلاد جماعي لمواليد شهر شعبان – أو كما يُطلق عليه (قِصيِّر)- بالقرية التي لا يخلو منزلٌ فيها من شخصٍ واحد على الأقلِّ وُلِدَ في هذا الشهر المبارك !
فجأةٌ يعبُر أمامنا (الفكي حسب الله) الصوَّام ، لحيةٌ طويلة ..(تبروقة) ..إبريق .. ركْوة ..مسبحة لالوب ..شعبة سلَم .. نُدلقُ ماءَ الرَّكْوة ونملأها لبناً مُواصلين اللعب والغناء والمسامرة !
لم يكن في عُرف القرية الاحتفال بأعياد الميلاد ، ما خلا المولودين في شهر شعبان ..وبالتالي كان ذاك آخر عامٍ احتفل فيه بعيد مولدي لأني كنتُ قد امتطى فجراً مركب (ود الفضيل) النواتي ضارباً في أرض الله دون هُدىً أو دليل ..تتلقَّفني دروب الحياة البهيمة وأمواجها المتلاطمة بحيث لم اتذكَّر وعلى مرِّ خمسين عامٍ شيئاً عن تلك الليلة الأخيرة إلاَّ أمس في ليلة النصف من شعبان وأثناء انقطاع التيار الكهربائي ؛ حيث رأيت بأمِّ عيني جَدِّي بشلوخه الستَّة داخل البدر ..خدرة ..أمي النعمة ,,سيد أحمد ..فطومة ..الفكي حسب الله ..الركوة الفروة ..الإبريق و نِتَفاً من بقايا ذاكرتي المفقودة وبعضاً من ملامح ذاتي المُنقرِضة !!
///////////