كامل إدريس والطريق الثالث .. بقلم: د عبدالمنعم عبدالباقى على
31 مارس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
تمّ تدشين كتاب الأستاذ الدكتور كامل إدريس: “السودان 2025 تقويم المسار وحلم المستقبل” فى السادس والعشرين من مارس 2016 فى دار المنار فى لندن فى حضور ومشاركة جمع سودانىٍّ يسدّ عين الشمس، كما يقول شيخى الراحل الطيّب صالح رحمه الله، بهاءً وتمثيلاً، وفكراً وحيويّة وتهذيباً فى الطرح، وموضوعيّة فى التناول وحلماً فى الاختلاف.
تداعى القوم والنساء ممّن شيّبته هموم الغربة وشباباً تكاد تعصف بأحلامهم السنون ولكن يحدوهم الأمل ويمنّون النّفس بضوء يزيح دياجير الظلام ويفتح كوّة للضياء فى محبس أهل السودان، الذى تطاولت أيامه وتمدّدت حتى دبّ اليأس فى النفوس واعترى الوهن القلوب. هذا الجمع الكريم كجواهر العقد بعثرته حماقات الحاكمين وقد كان حريّاً بهم أن يزيّنوا جيد الوطن علماً وإبداعاً.
كان مفهوم التّغيير، الذى استعصى عليهم، يحتلّ مخيلتهم ينشدونه أينما كان ولكنّه ليس أىّ تغيير يكون بل التغيير الإيجابى الذى يدرأ الضرر، ويطفىء النيران، ويوقف النزيف، ويُشفى الوطن من علله التى تعاورته منذ أن نال استقلاله ويدفعه لسماء النّماء والتّقدّم؛ يتسارع إليه بناته وبنوه من كلّ حدبٍ يضمدون جراحه ويُنشدون اسمه لحناً خالداً ومثلاً يُقتدى.
كانوا يبحثون فى كلّ زاوية عن هذا التّغيير المنشود الـمُعافى الذى ينفث الروح فى الجسد الموات ويحيى الأمل فى النّفس اليائسة. والسؤال: ما هو التّغيير وكيف يتم ومن يقوم به؟
وكيف لا يسعى الضرير للضوء إذا مُنِّىَ به وقالوا له أنّ رؤية صدرت من ابن من أبناء الوطن حادبٌ على مصلحته وساعٍ فى انتشاله من وهدة الفشل والضياع؟
ما يهمّنى فى رؤية كامل إدريس هو الأمل والسعى والاجتهاد، فأنا متفائل بطبعى ولكنّى لست متواكلاً أرجو أن تبعث لى السماء بحلٍّ لمشاكلى، أو قنوطاً من رحمة السماء فأنا أستهدى بنهجها الذى تركته نوراُ للعالمين. النّاس تسعى للكمال والرّبّ يريد لهم أجر المحاولة لا النجاح ولا بلوغ المرام إذ أنّ ذلك بيده يهبه لمن يشاء وقت ما يشاء ولكنّه سائلهم لا محالة عن دورهم وعطائهم.
لقد ذهب عهد انتظار المنقذ وجاء زمان المشاركة والمسئوليّة، فليسأل كلّ واحدٍ منّا ما هو دوره وما هى إضافته بدلاً من أن ينتظر من كامل إدريس الكمال أو المسئوليّة الكلّية، فأهل السودان رضعوا دهوراً عديدة من ثدى التّواكل على شيخ القبيلة أو شيخ الطريقة ومُرِدوا على الاختلاف ينتقدون عمل الآخرين مهما علت قيمته ولا يمدّون يدهم بمساعدة ولا يكفّون أذى ألسنتهم.
كامل إدريس، كما فهمت من رؤيته، يدعو لإعمال الفكر تكريماً للعقل الذى ميّز به الله الإنسان وبه كلّفه وهذا يعنى أن نستخدم فضيلة التّفكّر بدلاً عن الانفعال فبينهما فرق لا يدركه إلا أهل البصيرة. فالعقل هو أداء الشىء بصورة صحيحة والحكمة هى اختيار الشىء الصحيح ووضعه فى موضعه الصحيح.
ودليل قولى هو رؤيته نفسها التى هى عمل واجتهاد فكرىٌّ مقدّر، ولكنّه عمل فرد لا يدّعى كمالاً، ولا ينبغى له، والبيت لا تُقيمه طوبة واحدة. فإذا ما استخدمنا آلة العقل وحلّلنا الأسباب وحدّدنا العلل يتبقّى الحلّ. فما الرؤية إلا كمثل تصميم للمنزل يتبعه حفر للأساس وبناء وتوصيل للماء والضياء وما شابه، فإذا ما ذهبنا لمهندس معمارىٍّ وطلبنا منه تصميماً لمنزلٍ فنحن لن نطلب منه أن يبنى بيتنا بلا مقابل!
نخلص من ذلك أنّ للكلّ دور لا يقوم البناء بدونه فلا يحقّرنّ أحد من المعروف شيئاً.
والرؤية تمهّد أيضاً لطريق ثالث يقوم على أساس المحبّة لا الكراهيّة وعلى قيم التسامح لا الانتقام، فالمحبّة والتسامح يبنيان، والكراهية والانتقام يهدمان ودليل ذلك قوله تعالى: “وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله”. فالعداوة تولِّد عداوة أخرى ولكن هذا لا يعنى عدم رفع الضرر، وجبر الضرر وإرجاع الحقوق لأهلها.
ومن أساسيّات الطريق الثالث البعد عن مفهوم من يحكم السودان واستبداله بمفهوم “كيف يُحكم السودان؟”. وهذا يعنى التعويل على الفكر لا الزعامة، وعلى البرامج والمشاريع لا الخطابة والوعود، وعلى التراضى لا القهر، وعلى الشراكة لا التّبعيّة أو الطاعة العمياء أو الأجر، وهو يعنى الاستبدال لمفهوم القيادة من آحاديّة لتشاركيّة ومتساوية فى الحقوق، يفعل فيها الحاكم ما يقول، ويُعلى من قيم النزاهة والشفافيّة والعفّة لشخصه وآله ومن قيم العدالة الاجتماعيّة للغير حتى يكون أحرص على مصالحهم من ذوى القربى.
هذا الطريق المستقيم على المبادئ ينقل الديموقراطيّة من مفهومها السياسى لمفهومها الاجتماعى فلا يكون همُّ الحاكم السعى للسلطة والتّسلّط ولكن للخدمة، فسيّد القوم خادمهم، فما الذى يريده المحكوم من الحاكم سوى الحريّة والاحترام والأمن، والعدالة والكرامة فى المعاملة، وشربة ماء نظيفة، ولقمة عيش حلال طيّبة، وجرعة دواء لسقمه، ومقعداً لدرسه، وثوباً يكسوه، وبيتاً يظلّه ودابّة تنقله بلا رهق ؟ بالله عليكم إن توفّر كلّ هذا فمن الذى سيهمّه من الذى سيحكم؟
الطريق الثالث ينبّه الكل إلى أنّ المؤسسات يبنيها أهل البلد العقلاء والعاقلات والحكماء والحكيمات والحصفاء والحصيفات الذين يحترمون القانون وأوّل من يطبّقونه عليهم هم أهل دارهم، فبغير ذلك لن تقم مؤسّسات أو مؤسّسيّة؛ فدولة القانون هى دولة المؤسسات. أمّا أشكال الحكم وهيكله فيتمّ بالتراضى ويُعدَّل بالتجربة والتعلّم من تجارب الآخرين.
الذى سيحكم السودان يجب أن يملك رؤية واضحة واقعيّة، وخططاً وبرامجاً ذكيّة مبنيّة على دراسة احتياجات المواطن، ومشاريع مفصّلة تقوم على حقائق العلم، معروفة الموارد، ومهضومة التفاصيل بعد تشاور مع أبناء وبنات الوطن، ذات آجال معروفة ومُحدّدة وذات قيادة حكيمة خبيرة مشهود لها بالكفاءة التى تحدّدها الانجازات. إنّ الرؤية تنادى باقتصاد التنمية التعاونى والتكافلى لا الاقتصاد الحرّ الأنانىّ المستهلك.
الطريق الثالث يُنبِّه أهل السودان إلى أنّ سمعة السودان وصورته ارتبطت فى ذهن العالم بالحروب والفوضى والمسغبة وعليه يطلب تكاتف الجميع لتصحيح هذه الصورة السالبة واستبدالها بصورة جذّابة تعكس تاريخ السودان وجمال أهله وفضل أخلاقهم.
الطريق الثالث يدعو للنظر فى أولويّات الوطن وأوّلها إفشاء ثقافة السلام ورتق النسيج الاجتماعى، وحسن إدارة التّنوّع والموارد، وتلاحم الشعوب وبناء الأمّة السودانيّة ويدعو للتنمية الشاملة المستدامة، ولجودة التّعليم وخدمات الصحّة المتاحة، وللتقنية ونوعية البحث العلمى، والثقافة العميقة الخلاقة، وتوفير مناهل العلم ومصادره من دور نشر متخصّصة ومكتبات مجتمعيّة استثماراً فى المواطن صغيره قبل كبيره.
هذه الرؤية طموحة، وهكذا حال الأعمال العظيمة، وقد قيل اطلبوا المستحيل لتنالوا الممكن. هذه الرؤية تحتاج إلى سواعد وعلم وخبرة كلّ فرد مِنَّا يحلم بيومٍ يصحى فيه آمناً فى سربه، معافىً فى جسده، ضامناً قوت يومه من غذاء جسد وعقل وروح وهواء حريّة، فإن كنت ممّن لا يألون جهداً فى التضحية للوطن وحبّه فهذا النّداء موجّه إليك.
إن كنت تحمل علماً، أو خبرة، أو طاقة، أو مالاً، أو إبداعاً وتريد أن تشارك الآخرين شرف العمل والبناء، ناظراً للمستقبل، ومدركاً للواقع، ومؤمّلاً فى الأفضل، فاتّصل أو اتّصلى بنا لنبدأ رحلة البناء بعيداً عن الخطابة والشعارات وأغلال الماضى، فالرحلة تبدأ بخطوة واحدة وأحلاها خطوة الطفولة الأولى.
//////////////