كان يكفي والي جنوب كردفان لو كتب علي داره : منزل أحرار وســكَت !! .. بقلم: د. بشير إدريس محمدزين
أتاح لي موقع عملي في صيدلية في ذلك الشارع، والقريب جداً لأحد (بيوت الأحرار)، داخل ذلك الزقاق المشهور، أن أتعرَّف إلي هذه السلوكيات، والملاحظات، والممارسات في شارع مستشفى أم درمان في الثمانينيات.. والسبب في هذه (العِرفة) إن صاحب ذلك المنزل-الجار لمكان عملِنا، كان رجلاً فاضلاً، وودوداً، وكان صديقاً لنا بالصيدلية، وكان يصنع أطعمةً مختلفةً في بيته، بمعاونة زوجته الفاضلة، ويبيعها لنا، ولأصحاب المحلات التجارية المجاورة، وللعيادات، والدكاكين والبوتيكات في وجبتي الإفطار والغداء..وكنا كثيراً ما نكون جلوساً عنده لتناول وجبة مما يصنع من أطعمة شهية فيطرق أحدُهم الباب وربما دفعه ليدخل، فيبادر صاحبُنا صائحاً هو، أو زوجتُه، وأحياناً إبنه الصغير، وبعفوية طفولية: منزل أحرار، منزل أحرار، فينصرف الطارق بكل أدب وهدوء..وكانت زوجتُه تلك من إحدي دول القرن الإفريقي الذين يجدون صعوبةً بالغة في نُطق حرف (الحاء)، ولهذا تسمعُها تنادي علي الطارقين علي بابها بالخطأ : (منزل أهرار.. منزل أهرار.. منزل أهرار..قلنا ليكم منزل أهرار) مع تخفيف الراء وترقيقها، وفوراً ينصرف لصرختها (الطُّـرَّاق) برغم عُجمتِها !! ما لاحظتُه هـنا، أنه كان هناك بين الجانبين ما يشبه شكلاً من أشكال التفهُّم المتبادل، وغير المكتوب، فأصحاب (بيوت الأحرار) لا يتذمرون، ولا يغضبون، مهما توالي عليهم طرقُ الأبواب الخاطئ، ربما لأنهم يعرفون أن وجود بيوتهم في هذا المكان يجعلهم عُرضةً لطرق الطُّرَّاق، وعُرضةً لظنهم السيئ بها فيعذرونهم، كما أن طارقي الأبواب كانوا علي غاية من الذوق والتفهُّم، إذ سرعان ما ينصرفون دون (مناقرة) إذا قيل لهم:- (إنصرفوا) وهذا (منزل أحرار) !!
طيب..قبل مدةٍ قصيرة، ربما أقل من أسبوعين- قام والي جنوب كردفان (وهو لواء أمن ودكتور) بفتح بلاغات في بعض ناشطي جنوب كردفان الإسفيريين، وقال إنهم أشانوا سمعته، وأتهموه بالفساد، وبتهريب ذهب من جنوب كردفان، الغنية بالذهب لمصلحته الشخصية..وللحقيقة، كانت الصحف قبل ذلك، قد نشرت أن عربةً حكوميةً دستورية، تخص والي (إحدي الولايات الغربية)، ضُبطت وبها إبنُ الوالي، ومعه كميةٌ كبيرةٌ من سبائك الذهب المهربة..
طبعاً، وبداهةً، قد يكون بعض، أو كل تلك الإتهامات كذباً صُراحاً، وتلفيقاً محضاً، وتشويهاً متعمداً، وأنها لا تحمل ذرةً واحدةً من الحقيقة، وأن الوالي مُبرَّأٌ مما يقولون فيها تماماً، ولكن من يقول للأسافير ذلك بعدما نشرت وأنتشرت ؟! ومن يرُد عليها؟! ومن يبرئُ الوالي من إتهاماتها بعدما سار الرُّكبان بأخبار الفساد والسرقة والتهريب المنسوبات إليه ؟!
bashiridris@hotmail.com
لا توجد تعليقات
