كلام في الثورة .. بقلم: امجد هرفي بولس

يعلق روبرت دارنتون استاذ تاريخ أوروبا الحديثة في جامعة برنستون في ذكري احتفال فرنسا بمرور مائتي عام علي قيام الثورة الفرنسية قائلا: اذا كانت فرنسا تحتفل بمرور مائتي عام علي سقوط الباستيل ، وإزالة الإقطاع ، وإعلان حقوق الانسان و المواطن ، فإن الوضع في فرنسا في الفترة التي قامت فيها الثورة لم يكن في حقيقة الأمر علي كل ذلك الامر من السوء كما يعتقد الكثيرون .
فالباستيل كان خاليا تقريبا من السجناء وقت الهجوم عليه يوم ١٤ / يوليو / ١٧٨٩ .
كما أن الاقامة فيه لم تكن سيئة تماما كما تصور الناس ، ولكن ذلك لم يمنع الثوار من ان يقتلوا مدير السجن لا لشيء الا لانه من النبلاء ، ثم طافوا بعد ذلك بجثته في الشوارع .
كذلك كان الإقطاع قد انتهي بالفعل وقت ان أعلنت الثورة الغاءه او لم يكن علي الاقل موجودا بمثل تلك الدرجة الفاحشة .
بهذه المقتطفات قدم جوستاف لوبون كتابه ” روح الثورات والثورة الفرنسية “.
والذي يقول في ثناياه : انه كلما كانت الأمة مرنة واستجابة للتطور البطيء ، كلما تجنبت الثورات ، وكلما كانت الأمة اقل تجانسا ومرونة كلما كانت اقل استجابة للتطور البطيء ، وكلما كثرت ثوراتها ،مستشهدا بحالة الأمة البريطانية في حالة المرونة وبالفرنسسة في حالة انعدام المرونة. وكلما تعرضت الأمة لضغط شديد وطويل الأمد كلما زاد خطر انفجارها ، كما في الحالة السورية .
اما اذا تسني لنا تسمية انقلاب الضباط الأحرار في مصر بالثورة ، فكل المؤشرات تدل على ان موقف الديمقراطية وحقوق الانسان و الحريات العامة بات الأسوأ في مصر بعد الثورة عن ما قبلها ، وما زال .
تعرض السودان بعد نيل استقلاله الي ثلاث ثورات كبري اثرت بشكل مباشر وكبير في تاريخه الحديث وحاضره المعاش .
لم يتعرض الشعب السوداني لضغوط كبيرة عندما قام بثورة أكتوبر ١٩٦٤ ، ولكن الثورة في ذلك الوقت أخذت شكلا من أشكال العدوي النفسية ، التي سرت بسرعة في الأمة ممزوجة بعاطفة قوية وبعيدة عن العقلانية كما هي حال الثورات عموما.
اما في أبريل ١٩٨٥ فقد كان الضغط الاقتصادي موجودا ، كما عدوي الثورة النفسية موجودا ايضا .
مثل الضغط الكبير الذي مورس علي الشعب السوداني العامل الاهم في ثورة ديسمبر علي المخلوع البشير ، ولم يكن الضغط اقتصاديا وحسب وانما كان ضغطا نفسيا وايديولوجيا لم تعد الأمة السودانية قادرة علي تحمله.
يقول جوستاف لوبون في كتابه المشار إليه آنفا ان من الأسباب القوية للثورات حدوث تغير في روح الأمة.
ففي حالة الثورة الفرنسية كان هناك تغير في روح الأمة الفرنسية من أمة مسيحية ، كاثوليكية ، تقليدية ، تخضع خضوعا كاملا لرجال الدين ، الي أمة علمانية تدعو ثورتها الي الإخاء والحرية والمساواة .
لم يكن مثل هذا التغيير ملحوظا في حالة الأمة السودانية عند قيام ثوراتها الثلاث .
فمن قاد الثورة في أكتوبر هم طلبة جامعة الخرطوم الطليعة المستنيرة في الأمة ولكنها القليلة العدد والتأثير مقارنة بالقوي التقليدية في البلاد مما سهل الانقلاب السريع علي الحكومة الانتقالية بقيادة سر الختم الخليفة.
اما في أبريل ايضا لم يلاحظ تغير كبير قد طرأ على روح الأمة السودانية من طريقة التفكير التقليدية الي طريقة تفكير حداثية ، فهيمن التقليديون علي الحكومة الانتقالية ثم علي المنتخبة الشيء الذي سهل قفز الجبهة الاسلامية علي السلطة في يونيو ١٩٨٩ المشؤوم.
كان من الطبيعي في ديسمبر ٢٠١٩ عندما تقوم الثورة علي الإنقاذ ، ان تكون مفعمة بالثورة على الافكار التقليدية ، وان يتصدر العلمانيون المشهد هذه المرة ، الشيء الذي نجحوا فيه في حكومة حمدوك المقالة ، والشيء الذي جعل القوي التقليدية تتململ وتتحالف مع الجيش حتي تم إسقاطها في أكتوبر الماضي.
ومن الملاحظ انه تم تغير نوعي في طريقة تفكير شباب ثورة ديسمبر ، وخصوصا شباب المدن ، وقد يكون هذا ناتجا عن زيادة التعليم وثورة التكنولوجيا ، ورغم هذا التغيير الا انه لم يرقي الي تغيير شامل في روح الأمة السودانية ، فما زالت القوي التقليدية تهيمن على غالب المشهد السياسي والاجتماعي السوداني وخصوصا في الريف ، ولقد ذكرني مشهد ترك عندما احتل الموانيء والطرق بمشهد الأنصار وهم يجوبون شوارع الخرطوم لاسقاط حكومة سر الختم الخليفة في ستينيات القرن الماضي .
هذا التحول في طريقة تفكير شباب المدن وخصوصا الخرطوم ، ربما اغري القوي العلمانية والحداثية بالسيطرة على المشهد السياسي السوداني، وربما كان هذا مرض من أمراض السياسة السودانية المزمنة وهو محاولة حزب او تيار سياسي الانفراد بالمشهد دون الاخرين ، وما ان يفيق من سكرته الا ويجد نفسه قد خسر المشهد برمته .
ربما كان السبب وراء هذا العمل الصبياني السياسي في السودان ، ربما كان وراءه ذلك البون الشاسع في المواقف والرؤي والشعارات بين التقليديين من جهة والحداثيين من جهة اخري ، وربما كان وراءه طبيعة طفولية غير ناضجة في الاستئثار بالشيء دون الآخرين ، الشيء الذي لا نجده في العالم المتقدم ففي هذا العالم المتقدم لا نجد هذا البون الشاسع في المواقف ما بين الجمهوريين والديمقراطيين في امريكا علي سبيل المثال كما لا نجده بين المحافظين والعمال في بريطانيا علي سبيل مثال آخر فالقضايا الكبري والمصيرية قد تم الوصول فيها بين الطرفين الي نقاط معلومة مثل قضايا هوية الأمة وكيفية حكمها…. الخ
يقودنا هذا التحليل ، الي ضرورة جلوس كل القوي السياسية السودانية بما فيها الجيش في مؤتمر دستوري جامع يدعو له الدكتور عبدالله حمدوك للوصول الى رؤي مشتركة حول كل القضايا المصيرية في السودان ، ثم ينبثق عن هذا المؤتمر دستور شامل للسودانيين يتم طرحه للاستفتاء ، ولابد أن يعقب هذا المؤتمر نوع من أنواع المصالحة الوطنية الشاملة بين كل القوي السياسية السودانية وكل الفاعلين في المشهد السياسي السوداني بما فيهم الجيش .
وان يتم الاعتراف ثم الاعتذار عن كل العنف الذي حدث في المشهد السياسي السوداني منذ الاستقلال ، من مشهد عنبر جودة مرورا بحادثة قصر الضيافة وما حدث من آلام في دارفورنا العزيز ، الي فض اعتصام القيادة وصولا الى ضحايا المظاهرات الأخيرة المناؤة لانقلاب البرهان الاخير

امجد هرفي بولس

wadharfee76@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً