كلب طيفور (3) .. بقلم: عادل سيد أحمد
19 مايو, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
و في زيارتها الثانية للحي سألت عن كلب طيفور بالإسم، و عندما رأته، أقبلت عليه و عانقته كمن يعانق صديقاً حميماً، و قالت و هي تربت على ظهر الكلب:
– Well-done!
و مرَّة أُخرى أشرفت على تحميمه ولكن هذه المرّة: بالصابون المُعطر، و أعطتني كرتونتين من طعام الكلاب المُعلَّب، قالت أن الكلب سيستمتع بإلتهامه، حتماً!
و أعطتني قلادة و سلسل، لأربط بهما الكلب حين أصحبه في جولات العصاري، فيما يشبه التكليف و الحض على رعاية جيمس وفق الأصول و الأسس المرعية في مجال رعاية الكلاب. و تمادت في التعبير عن مشاعرها تجاه جيمس، فقبلته، الشيء الذي تسبب لشيخ النذير بحالة من الغثيان أدت به لأفراغ إمعاءه أمام الحشود التي اصطفت لرؤية الخواجيّة المنصرفة كلياً للاهتمام بالكلـــــب.
وقد هرع البعض لمساعدة شيخ النذير، أمّا الخواجية فقد واصلت في مداعبتها للكلب، و لم تلتفت للنذير و لم تأبه لعلته الصحيّة المُفاجئة…فهمهم الشيخ الغارق في مصابه؛ دون أن يدري أنها تخفي اجادتها للعاميّة السودانيّة، وقدرتها على فهمِ ما يُقال:
– غُوري يا الملعونة، الله لا طرح في خلقتك بركة!
و لكن إنتبهت مسز أليسون عندما تلا شيخ النذير آيةً من الذِّكر الحَكيم*:
– (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا).
و سألت نبيل عبد الغني:
– ما هذا؟ ماذا يقُول هذا الرجل؟
– إنه يتلو آيات من القرآن الكريم…
و دار حوار جانبي سريع و قصير، بين مسز أليسون و نبيل، عن القرآن… طلبت بعده مسز أليسون تسجيلاً كاملاً ومرتَّلاً لسورةِ الكهف، و وعدها أستاذُ نبيل بتحضير التسجيل لها في زياراتها القادمة للحي، ذلك، إن: تعذَر إرساله لها حيثُ تقيم.
و قبل إن تودِّع الحُضُورَ، بحثت مسز أليسون عَنِّي وسط الجُمُوع، و بانت عليها معالمُ الفرح و البشاشة حين رأتني، فأقبلت عليَّ و وضعت يدها على كتفي، دون أن تنتبه لأن هذه اليد هي التي ربتت على ظهر (كلب طيفُور) قبل قليل، و قالت بالعربية الركيكة:
– يجب أن نحمي جيمس من حملات كتال الكلاب الراتبة، و عليك أنت بالذات أن تكمل جميلك و تفعل ذلك، و تقوم بالإجراءات الضروريّة اللازمة لذلك.
ودسَّت في يدى ورقة نقد من فئة المائة دولار… و برَّرت فعلتها باحتياجي لدفع رسوم البطري و تراخيص السلطات البلديّة.
و إن قذفت بك الأقدار لزيارة حينا القديم، فأنك ستجد معالمه جميعاً في ثبات، هي هي… لا تتغير، و لكنك لن تتعرف على كلب طيفور بالسهولة ذاتها التي تعرفت بها على باقي المعالم… لأن (كلبَ طيفُورٍ) صار، الآن، من أعيان كلاب الحي.
والحال كذلك، فقد تحسنت علاقة شيخ النذير به، بعد القلادة و تطعيم البطري و تراخيص البلديّة، و قل امتعاضه منه و اضطهاده اياه، لأن الشيخَ كان مَجبُولاً على حُبِّ واحترامِ الأعيانْ!
لم أرَ و لم يرَ غيري من أبناء الحي الخواجيّة (مسز أليسون) مرة أخرى… وغابت و أنقطعت أخبارها لفترة طويلة من الزمان، و لكنها أرسلت، بعد أن نسيها أهلُ الحي، أرسلت رسائل مع زوجها أو صديقها، لا أحد يستطيع الجزم، و كانت من تلك الرسائل نسخة من الإنجيل للأستاذ نبيل عبد الغني، و صندوق إسعافات أوّليّة أوصت بأن يكون في عهدة شيخ النذير بعد تدريبه على التطبيب للإفادة منه، و رسائل لشخصين أو ثلاثة من أبناء الحي، و بعض الصُّور التي كانت قد إلتقطتها في زيارات سابقة لأهل الحي.
و لكن المفاجأة التي أذهلت وألجمت أهل الحي، و أسعدت كلب طيفور، كانت تلك الجروة ذات الشعر الأصفر المائل إلى السمار، والتي أوصت مسز أليسون بأن أقتنيها أنا، و أن تصير رفيقةً لجيمس: مدى الحياة!
amsidahmed@outlook.com
///////////