عبد المنعم عجب الفَيا
اخدر وخداري:
ربما لا يعلم الناس ان كلمة اخدر بالدال معجمية، وهي أخضر ذاتها. فالدال في أخدر ليست منقلبة عن الضاد كما يعتقد، وإنما أصلية. وقد وردت اخدر واخضر كل على حدة في لسان العرب بالمعاني ذاتها.
ويقال اخدر في اللهجة السودانية للاسود البشرة، ولكنها الخدرة الخفيفة مقابل الخدرة الداكنة التي يقال لصاحبها أزرق. وخداري ذو لون اخدر.
يقول معجم لسان العرب في مادة اخدر: “والخُدْرَةُ: الظلمة الشديدة، وليل أَخْدَرُ وخُدارِيُّ: مظلم؛ قال العجاج يصف الليل: ومُخْدِرُ الأخدارِ أَخْدَرِيُّ. والخُدارِيُّ: السحاب الأسود. وبعير خُدارِيُّ أَي شديد السواد. وناقةٌ خُدارِيَّة والعُقابُ الخُدارِيَّةُ والجارية الخُدارِيَّةُ الشَّعَرِ. وعُقابٌ خُدارِيَّةٌ: سوداء؛ وشَعَرٌ خُدارِيُّ: أَسود”. انتهى.
يقول المغني السوداني: خداري بحالي ما هو داري* جافاني.
وكانت الخدرة مقياسا للجمال عندهم، وذلك قبل ان يتاثر بعضهم بمفاهيم الثقافة البيضاء المهيمنة إعلاميا. والطير الخداري، اسم أغنية سودانية مشهورة.
أخضر:
وجاء بمادة أخضر بلسان العرب: “والعرب كانوا يسمون الأسود أخضر. قال شاعرهم: أخضر الجلدة من بيت العرب. وقالوا سواد العراق لخضرته. ويقال للأسود أخضر. والخُضر قبيلة من العرب سموا بذلك لخضرة الوانهم. والخضرة في ألوان الناس السمرة. قال اللهبي وهو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
وأنا الأخضر من يعرفني؟* أخضر الجلدة من جنس العرب..
“يقول أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة. قيل أراد انه من خالص العرب وصميمهم لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة”. انتهى.
جاء بكتاب الطبقات: “فقام الشيخ ادريس، رجل اخضر جسيم بلا لحما كثير”. ص 241.
هنا يصف ود ضيف الله الشيخ ادريس ود الأرباب بأنه أخضر اللون. أخضر اي خفيف سواد البشرة، اسمر. كتبها “أخضر” ولكنه، يجوز ان يكتبها اخدر بالدال كما تنطق. انظر اخدر أعلاه.
أدى (أعطى):
ادى في اللهجة السودانية بمعنى أعطى. يقال اديني موية. واديته موية اي ماء. ويقال: أدي الأمانة دي لفلان. ونجدهم يستعملون في لغة الكتابة أدى بمعنى أنجز ونفذ، ولكنهم لا يستعملونها في معنى أعطى وسلم وقدم.
يقول لسان العرب: “وأدى الشيء: أوصله”. ويقول تعالى: “إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات الى أهلها”. أي ان تعطوا الأمانة الي أهلها.
جاء في كتاب الطبقات: “قال له اديني مالا.. إن ما اديتني انا بشيل الريف”. ص 156. اشيل هنا بمعنى ارحل واسافر الي الريف.
أزرق:
الأزرق في لغتنا الشديد السواد أو الخدرة، انظر، اخدر أعلاه.
وقد ورد لفظ أزرق بمعنى أسود في القرآن الكريم. قال تعالى: “ونحشر المجرمين يومئذ زرقا”. طه- الآية 102. أرى أن تعبير زرقا هنا لا يفهم الا بمعنى سود. وهو ما يفسره قوله تعالى: “ويوم القيامة ترى الذين على الله وجوهم مسودة”. – الزمر60.
وقد تمحل المفسرون في تفسير كلمة “زرقا” ولم يهتدوا الى المعنى السوداني العربي المراد، وكل ما ذكروه محض توهم وتكلف. يقال في لغتنا لشديد سواد البشرة ازرق. والاخدر أو الأخضر هو الخفيف السواد. وعلى ذلك سميت مملكة سنار بالسلطنة الزرقاء. وسمي النيل الأزرق بذلك لاعتكار مياهه وسوادها بسبب الطمي وشدة الجريان.
جاء في كتاب الطبقات: “وقام الشيخ عبد الرزاق وهو رجل أزرق رقيَّق مايل للخضرة”. ص 242
أصفر واحمر (البشرة) :
الأصفر من الناس في لغتنا الفاتح اللون أو القمحي تمييزا له عن الأخضر والأزرق أي الأسود، والصُفرة في السودانيين. أما لغير السودانيين فيقال: أحمر من الحُمرة، وهو تعبير عربي قديم. والآن بتأثير الإعلام العربي، صاروا يقولون: أبيض لكل من الأحمر والأصفر.
جاء في الحديث: “بعثتُ للأسود والأحمر”. يقول ابن منظور في معجمه: فسر العلماء الحديث بانه يعني بالأسود العرب وبالأحمر العجم من الروم والفرس وغيرهم. ويضيف لسان العرب: “العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون إنما الأبيض عندهم الطاهر النقي من العيوب فإذا أرادوا الأبيض قالوا أحمر. امرأة حمراء أي بيضاء. وفي الحديث خذوا دينكم من الحميراء يعني عائشة، كان يقول لها أحيانا يا حميراء تصغير الحمراء يريد البيضاء”.
بَلَم:
والبلم في لغتنا العي والحصر. يقولون: متبلم ساكت. ومن أمثالهم: القلم ما بزيل بَلَم. أي لا يزيل البلادة والعي الطبيعي. والمعنى ان التعليم وحده لا يكفي لاكتساب الفهم السليم وحسن التصرف. واصل البلم والبلمة مرض يحدث تورما في الشفتين يمنع المريض من الكلام. يقول لسان العرب: “وأَبْلَمَت شَفَته: وَرِمَتْ، والاسمُ البَلَمَةُ. وأَبلَم الرجل إذا وَرِمَتْ شَفَتاه. ورأَيت شَفَتيه مُبْلَمَتَيْن إذا وَرِمتَا”.
ثم نسب السكوت والعجز عن الافصاح إلى مرض البلم. جاء بالقاموس المحيط: “أبلم: سكت”.
والبُلام قناع يغطي الانف والفم اشبه بالكمامة. وتبلمت المرأة: تقنعت وتكمكمت. يقولون: جاء متبلم اي مقنع مكمكم. والبُلام شكام البعير.
جاء في كتاب الطبقات: “وابو دليق ولد عبد السلام المشهور ببلام الاسد وذلك انه يقرا عند الشيخ مسكين الخفي وفزع للحطب فقتل الأسد حماره فبلمه وشال عليه”. 150.
بلمه شكمه. ربط فكي الدابة حتى يسهل قادها. ويكون ذلك للبعير. والشكيمة اللجام أو الحديدة التي توضع في فم الفرس. شكمه يشكمه شكيمة. يقال: للشخص قوي الشكيمة ذو أنفه لا ينقاد بسهولة ولا يذل.
خابِر:
يقال في اللهجة السودانية: خابِر بمعنى عارف وعالم بالشيء. يقال: انا مو خابره، شن خبرني به، انت ما خابره.
يقول لسان العرب: “والخابر: المُختبر المُجرب. ورجل خابر وخبير: عالم بالخبر”. ويضيف المعجم قوله: خبرت الأمر أخبره اذا عرفته على حقيقته. وخبره بكذا وأخبره: نبأه”.
جاء في كتاب الطبقات: “فوجد شيخ الدانياب خامِ الجزيرة وهو راكب جملا والجِنِي يمشي بقفاه ماه خابره”. ص 295.
ما هو خابره : ما هو عالم به.
دَار (أراد) :
تاتي دار يدير فهو داير في كلامنا بمعنى أراد يريد. وكان الدكتور عون الشريف قاسم قد ذهب في ابحاثه وقاموسه في اللهجة السودانية إلى ان دار مقلوب أراد. يعني ان أصلها أراد فحدث فيها تقديم وتاخير في الحروف.
ولكنا قد توصلنا من ابحاثنا إلى أن دار أصلها أدار يداور وادرت ودرت، من دار يدور حول الشي بمعنى راغب فيه.
يقول لسان العرب: “وأداره عن الأمر وعليه، وداوره: لاوصه. ويقال: أدرت فلانا على الأمر إذا حاولت إلزامه إياه، وأدرته عن الأمر إذا طلبت منه تركه، ومنه قوله:
يديرونني عن سالم وأُديرهم * وجلدة بين العين والأنف سالم
“وفي حديث الاسراء: قال له موسى، عليه السلام: لقد داورت بني اسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا، هو فاعلتُ من دار بالشيء يدور به إذا طاف حوله”. – انتهى.
قوله: داورت من دار يدور به اذا طاف حوله، اقول: والذي يطوف ويدور حول الشيء علِق به، مُريده، فهو داير او دائر اي راغب فيه.
جاء بكتاب الطبقات: “وجاء للشيخ عووضة رجل فقال: انا مذنب، بدورك تسأل الله لي يغفر ذنبي”. ص 155.
بدورك أي أريدك، دار يدور فهو داير ودرت أنا، بمعنى أردت وهو يريد.
شايب:
والشايب في لغتنا الكهل أو الشيخ كبير السن، وهي شائب، أبدلت الهمزة ياء. والياء من أصل الكلمة. والاحتفاظ بالياء عوض إبدالها همزة اصل في اللغة العربية ونهج معروف في قراءات القرآن السبعة (رواية ورش).
وقد خصصت اللهجة السودانية لفظ شايب للرجل، ولفظ عجوز للمرأة. لكن لغة التعليم المدرسي لم تراعي هذا النهج الذي هو نهج القرآن الكريم. فحيثما وردت كلمة عجوز في القرآن الكريم فهي تعني المرأة المسنة، ولا تشمل الرجل.
جاء في لسان العرب: “الشيب معروف قليله وكثيره بياض الشعر والمشيب مثله. شاب يشيب شَيبا ومشِيبا وشَيبة وهو أشيب. ويقال رجل أشيب، ولا يقال امرأة شيباء واكتفوا بالشمطاء عن الشيباء. قال ابن سيده: وعندي أن شُيُبا انما جمع شائب”.
وقول ابن سيده في المحكم: وعندي ان شيبا جمع شائب، هو القول الاصح. تقول في جمع شائب: شيب وشياب على القياس: شاة شياة، وذئب ذئاب الخ. ويجوز ان تكتب ذيب بالياء. ففي رواية ورش: “واخاف أن ياكله الذيب”، سورة يوسف ١٣ وعلى ذلك فإن نطقنا كلمة شائب وكتابتها: شايب، من صحيح اللغة ولا غبار عليه.
جاء في سيرة الشيخ حمد النحلان: “قال الفقيه محمد ولد مدني: نحن ما عندنا قدرة عليه الله يرميه في شايب الصوفية ابو سما فاير”. ص 167.
زُوْل:
زول بمعنى شخص وانسان ومؤنثها زولة، عربية معجمية.
يقول لسان العرب: “والزَوْل: الخفيف الظريف يُعجب من ظرفه والجمع أزوال. والأنثى زَوْلة. ويقال هي المرأة الفطنة الداهية. وفي حديث النساء: بزوْلة وجلس. والزَوْل: الغلام الظريف. والزَوْل: الشجاع الذي يَتَزايل الناسُ من شجاعته. والزَّوْل: الجَواد. والزَّوْلة: المرأَة البَرْزَة”.
وفي الزول بمعنى الكريم الاجواد، اورد لسان العرب قول كثير بن مُزَرِّد :
لَقَدْ أَرُوحُ بالكِرامِ الأزْوال* مُعَدِّياً لذات لَوْثٍ شِمْلال
وفي مادة لحن اورد بيت شعر للطرماح يقول فيه:
وأدتْ إليَّ منهن زَوْلةٌ * تلاحن أو ترنو لقول المُلاحِن
و من معاني زول في اللهجة السودانية الخدن والصاحب والرفيق. ويكثر هذا في شعر الغزل.
وكانت كلمة زول وزولة مستعملة في الحجاز ونجد بالسعودية بذات النطق والمعنى السوداني وتوجد الآن في الشعر الشعبي السعودي. وهنا بعض الأبيات من الشعر الشعبي النجدي اخذناها من كتاب خالد محمد فرح:
يقول الشاعر عماش بن قاعد: “ما كل زول يعوض بزول ولا كل الأزوال مملوحة”.
ويقول الأمير خالد الفيصل: “أقعد وأشوف زولك واحاكيك واوصل النفس الحزينة مناها”.
وقال نوف العتيبي: “أهيم بحبها وأخفي جروحي وقلبي ما عشق زول سواها”.
وقال خلف بن هذال العتيبي: “ول يا زول بوسط السوق شفته يمشي مع طلوع الشمس”. (انظر: خالد محمد فرح، مقالات في الثقافة السودانية) ص 67.
وفي معنى كلمة زول يقول الطيب صالح في كتابه مع المتنبي ورفاقه: “عندنا ” الزول ” بمثابة ” الزلمه ” عند أهل الشام ، و” الريال ” عند أهل جزيرة العرب ، يجعلون الجيم ياء ، وهو فصيح، ونحن جيمنا قريبة من ذلك. وكلمة ”زول ” في المعجم ، من معانيها الشخص اللطيف المهذب. وقد وجدتها بهذا المعنى عند أبى العلا .
وذكر لي الدكتور عبد الله عبد الدايم ، وهو عالم ثبت، أن ”زول” هي أحسن مرادف للكلمة الإنجليزيةGentleman فهل كل أهل السودان ” أزوال”؟”. انتهى.
فِرِد:
يقال اللهجة السودانية: فِرِد واحد، وفرد جنيه، وفرد يوم، وفرد كلمة ونحوها… والقصد منها التوكيد والمبالغة دلالة على القلة والندرة والنفي. يقولون: غبت من الشغل فرد يوم بس. بكسر الفاء، وتنطق الدال أشبه بالتاء أو بين الدال والتاء.
وورد هذا اللفظ في شعر المتنبي، واصفا لعبة في مجلس الأمير، تدور على لولب، لها شعر طويل وإحدى رجليها مرفوعة وفي يدها باقة ريحان:
قامتْ على فَرْدِ رجلٍ من مهابته* وليس تعقِلُ ما تأتي وما تذرُ
جاء في كتاب الطبقات: “وكانت ولادته كلها بنات ومعهن فِرِد ولد”. ص 282. وجاء ايضا: “يقول: عندي فِرِد ولد ومات”. ص 307. فِرِد بمعنى فردا واحدا فقط.
عبد المنعم عجب الفَيا
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
