كم من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو أُصغيت الآذان لمبادرات السلام، ولو أُعطيت الجهود الرامية إلى وقف الحرب فرصة حقيقية قبل أن تتحول البلاد إلى مسرح مفتوح للموت والدمار؟ وكم من الممتلكات العامة والخاصة كان يمكن الحفاظ عليها لو انتصرت الحكمة على حسابات السلطة، وتقدمت مصلحة الوطن على أطماع المتشبثين بالحكم والنفوذ؟
ليس السودان بلداً يحتمل حرباً أخرى. فهو بلد أنهكته عقود من الفساد الممنهج وسوء الإدارة والاستبداد، رغم ما يملكه من موارد وإمكانات كان يمكن أن تجعل منه وطناً قادراً على توفير الحياة الكريمة لمواطنيه. لكن تلك العقود أفقرت الدولة، وأهدرت ثرواتها، وبددت مستقبل أجيال كاملة حُرمت من أبسط حقوقها في التعليم والعلاج والعمل والحياة الآمنة.
وسط هذا الخراب، جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من مقومات الدولة، وتدفع الملايين إلى مصير لم يختاروه.
كم من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو استجابت الأطراف المتحاربة لمبادرات القوى المدنية التي سعت، بإخلاص ومسؤولية، إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى الحرب قبل اندلاعها؟ وكم من الدماء كان يمكن حقنها لو لم تُقطع الطريق أمام تلك الجهود، بفعل قوى لم تكن ترى في السلام مصلحة لها، ولا في استقرار السودان أولوية تتقدم على حساباتها السياسية؟
لقد كان ممكناً تفادي كثير من هذا الموت. لكن هناك من أراد للحرب أن تقع، وهناك من يعمل اليوم على إطالة أمدها، غير عابئ بحجم الكارثة الإنسانية التي تتسع يوماً بعد آخر، ولا بالجوع الذي أصبح واقعاً يهدد حياة الملايين.
كم من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو جرى الالتزام باتفاق جدة؟ ولو أُعطيت تفاهمات المنامة فرصة للتنفيذ؟ ولو استجاب الجيش للجهود الدولية وأرسل وفده إلى جنيف؟ أسئلة لا تطرحها السياسة وحدها، بل تطرحها أرواح الضحايا، وأمهات فقدن أبناءهن، وأطفال ينتظرون وجبة قد لا تأتي، وأسر فقدت بيوتها ومصادر رزقها وكل ما كانت تملك.
في نيالا وأبيي ومناطق أخرى، يسقط المدنيون تحت نيران القصف العشوائي، دون أن تميز القذائف بين سوق يرتاده البسطاء وثكنة عسكرية، أو بين منزل يأوي أسرة آمنة وموقع عسكري. وفي سماء المدن والقرى، تحولت المسيّرات إلى أدوات إضافية لتوسيع دائرة الموت، بينما بات استهداف محطات الطاقة ومرافق البنية التحتية يهدد ما تبقى من مقومات الحياة.
إن تدمير محطات الكهرباء ليس مجرد استهداف لمنشآت خدمية؛ إنه استهداف مباشر لحياة الناس. فالكهرباء تعني استمرار المستشفيات، وتشغيل محطات المياه، وحفظ الغذاء والدواء، واستقرار النشاط الزراعي والإنتاجي. وعندما تنقطع، لا تتوقف المصابيح وحدها، بل تتعطل دورة الحياة بأكملها.
ومع تعثر المواسم الزراعية وتراجع الإنتاج، تتسع دائرة الجوع، وترتفع أسعار السلع بصورة تفوق قدرة المواطنين على الاحتمال. أصبح الحصول على الغذاء معركة يومية، وصار البقاء نفسه امتيازاً لا يملكه الجميع.
الأطفال هم الضحية الأكثر قسوة لهذه الحرب. يموت بعضهم جوعاً، ويفتك المرض وسوء التغذية بآخرين، فيما تحولت المدارس، التي كان يفترض أن تكون بواباتهم نحو المستقبل، إلى ذكرى بعيدة أو ترف لا تسمح به ظروف النزوح والتشرد وانعدام أبسط مقومات الحياة. أجيال كاملة تُسرق طفولتها، ويُصادر حقها في التعلم والأمان والحلم.
الأطفال هم الضحية الأكثر قسوة لهذه الحرب العبثية. يضطر بعضهم للعمل في ظروف شاقة. للمساهمة في اعالة اسرهم المنكوبة بالفقر وموت العائل وضيق فرص كسب العيش بسبب الحرب. دولة لا تكتفي بحرمان الفقراء وهم غالب أهل بلادنا. لا تكتفي بحرمانهم من حقوقهم، بل تريد أيضا الدفع بهم الى أتون الحرب العبثية التي تريد الحركة الإسلامية استمرارها لتعود الى مقاعد سلطة الفساد والاستبداد، بعد أن تغيّر جلدها القديم بجلد البطل المُخلّص!
بالسنبة لهم يظل استمرار الحرب خياراً سياسياً غير قابل للمساومة، وكأن أرواح السودانيين مجرد أرقام في معادلة السلطة، وكأن تدمير المدن وتشريد السكان وتجويع الأطفال خسائر جانبية يمكن تجاوزها عند اقتسام الغنائم.
إن المأساة ليست في اندلاع الحرب وحده، بل في الإصرار على استمرارها رغم كل ما تكشفه من كوارث. وليست الكارثة في فشل مبادرة سلام واحدة، بل في إغلاق الأبواب أمام كل فرصة يمكن أن توقف نزيف الدماء، بينما يدفع المواطنون وحدهم فاتورة هذا العناد.
وهنا لا بد من استحضار السؤال السياسي والأخلاقي الأهم: ما الذي يجعل بعض القوى بهذا القدر من الاستخفاف بحياة السودانيين؟ وأي مشروع سياسي يمكن أن يبرر كل هذا الموت والدمار والجوع؟
أما الحركة الإسلامية، التي ارتبط عهدها الطويل بالسلطة والاستبداد والفساد، فإن سجلها السياسي يفرض مساءلة لا يمكن القفز فوقها. فهل كان احترام حياة الإنسان يوماً في صدارة أولوياتها؟ ألم تكن ثقافة إهدار الدماء والإقصاء والعنف من أبرز ملامح خطابها وممارساتها السياسية؟
أليس من الذاكرة ما حمله خطابها القديم من استخفاف صادم بالدم السوداني، في العبارة الشهيرة: «فلترق منهم دماء، ولترق كل الدماء»؟
إن استحضار ذلك الشعار اليوم ليس استدعاءً للماضي من أجل الخصومة السياسية فحسب، بل تذكير بأن الاستهانة بحياة الناس ليست أمراً طارئاً على المشهد السوداني، وأن من لا يرى في الإنسان قيمة عليا لن يتردد في التضحية به من أجل البقاء في السلطة.
لقد آن الأوان لأن يُطرح السؤال بوضوح: كم من الأرواح يجب أن تزهق قبل أن يدرك المتحاربون أن هذه الحرب لا منتصر فيها؟ وكم من المدن يجب أن تُدمر، وكم من الأطفال يجب أن يموتوا جوعاً، حتى تتقدم إرادة الحياة على إرادة الحرب؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب والتبريرات، ولا إلى انتصارات عسكرية تُقاس بعدد الضحايا والأنقاض. إنه يحتاج إلى وقف فوري للحرب، وإلى إرادة سياسية تضع حياة السودانيين فوق كل اعتبار، وتفتح الطريق أمام سلام عادل ودولة مدنية تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمحاسبة.
فالتاريخ قد يختلف في تقييم المواقف السياسية، لكنه لن يرحم من كان بإمكانه إنقاذ الأرواح فاختار أن يواصل حربا لا يجني منها وطننا وانسانه سوى الموت والدمار. حرب كان يمكن تجنبها وبعد اندلاعها كان يمكن في مرات عديدة وقفها لو حسُنت النوايا ووضعت اعتبارا لمعاناة انسان السودان، الذي يدفع فاتورة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
#لا_للحرب
أحمد الملك
