كوكبان في مدار واحد: علي عبد العزيز وإبراهيم دقش .. بقلم: د. خالد محمد فرح
24 يونيو, 2020
د. خالد محمد فرح, منبر الرأي
36 زيارة
انتقل إلى رحمة الله ورضوانه بإذنه تعالى في بحر هذا الأسبوع كوكبان ساطعان في سماء النبل والإنسانية والذوق وحسن المعشر ، وأفلا لكي يبزغا في مستقر الرحمة والمغفرة عبر مدار واحد ، وفي نسق متتابع ومتقارب جدا ، فذكرانا نحن معشر المنسوبين إلى وزارة الخارجية السودانية بصفة خاصة ، ذات التلازم والتتابع المدهش والفاجع الذي حدث في ذات الشهر يونيو من العام 2000 م ، بين رحيل السفير عبد الله جبارة الذي حدث في اليوم الثالث عشر من ذاك الشهر ، فما لبث ان التحق به السفير عبد الهادي الصديق في اليوم العشرين منه ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
أما ذانك الكوكبان اللذان فجعنا برحيلهما المر في هذا الأسبوع من هذه السنة الشهباء أعاذنا الله من شرها أجمعين ، فهما الموظق الإداري الفذ السابق بوزارة الخارجية الأستاذ علي عبد العزيز ، والدكتور إبراهيم دقش ، الصحافي والإعلامي والأكاديمي والدبلوماسي ورجل المجتمع اللامع الدكتور إبراهيم دقش ، الناطق الرسمي الأسبق باسم منظمة الوحدة الإفريقية ، والمدير العام ثم رئيس مجلس الإدارة الأسبق لوكالة أنباء عموم إفريقيا ” بانا “.
ولعل أبرز ما يجمع بين هذين النجمين المأسوف على أفولهما حقاً ، هو أن كليهما أم درماني النكهة والطابع كل على طريقته. أما علي عبد العزيز ، فقد كان امدرمانياً بالأصالة والميلاد والنشأة ، ومنها ومن حواريها ومنتدياتها ، تشرب الكياسة والظرف واللباقة ، وفن العلاقات العامة وكسب ود الناس ، أو ” منجهة الفلمونيا ” كما كان يسميها ضاحكاً رحمه الله.
واما الدكتور إبراهيم دقش ، فقد غدا أمدرمانياً هو الآخر بالانتساب والسُكنى وطول الإقامة ، وخصوصاً المصاهرة ، بزواجه من السيدة المحترمة الدكتورة بخيتة أمين الإعلامية المشهورة ، وإلا فان لقبه ” دقش ” وحده كاف للنم عن إقليميته. ذلك بأن دقش هو فقط اسم القرية التي ولد بها وينتمي إليها في ديار الرباطاب بشمال السودان ، وليس لقباً عائلياً حقيقياً له ، فهو مثل ” جلال الصحافة ” أو ” حيدر بورتسودان “. وقد أفاض الدكتور دقش عن بيان ذلك في سيرته الذاتية المنشورة ، والتي تعتبر من أعمر السير الذاتية لمشاهير السودانيين التي نُشرت مؤخرا بالمتعة والفائدة معا. هذا ، ويبدو لي أن تلك الأمدرمانية المكتسبة بواسطة ابراهيم دقش ، قد خففت من غلواء ما توصف ب ” مساخة الرباطاب ” النموذجية ، حتى غدا رجلا سمحاً ، لطيف العبارة.
وعندي أنه لولا إبراهيم دقش ، لغدت قرية ” دقش ” هذه نسياً منسياً ، قابعة بين صخور الجندل الخامس على نهر النيل. فقد أشهر إبراهيم دقش ذكرها الذي خمل دهراً ، مثلما أحيا الإمام البوصيري الشاعر والمادح المشهور صاحب ” البُردة ” ، ذكر قرية ” أبو صير ” التي ينسب إليها ، والتي تقع بمحافظة الجيزة المصرية.
ولعل أبرز ما يميز إبراهيم دقش طيبة قلبه ، وإنسانيته وتواضعه وأريحيته العفوية وغير المفتعلة في التعامل مع الناس ، كل الناس ، حتى ليشعر كل واحد منهم ،حتى إذا التقاه لأول مرة ، كأنه يعرفه من زمان بعيد. فتراه يتبسط مع الجميع في الحديث ويفتح لهم قلبه ووجدانه ، ويضحك ضحكته المميزة التي يهتز معها جسده كله ، فيحار المرء ويتساءل ، بماذا يا ترى يؤانس إبراهيم دقش خاصة أصفيائه أمد الله في أيامهم وأحسن عزاءهم فيه من أمثال: الأستاذ بدر الدين سليمان ، والأستاذ عمر شمينا المحامي ، والأستاذ التجاني الكارب المحامي وغيرهم ؟.
كان يتردد على العاصمة السنغالية ” داكار ” وأنا سفير للسودان بها بين عامي 2009 و 2011 م ، وهو حينئذ رئيس مجلس إدارة وكالة أنبار عموم إفريقيا ” بانا ” التي مقرها هناك ، فلا تفوت عليه زيارتي بالمكتب ، أو تلبية دعوتي له على الغداء أو العشاء بالبيت ، فينطلق معي في أنس وحديث شهي وطلي ومفيد رغم فارق السن والتجربة والمكانة ، عن افريقيا والسياسة الإفريقية ، والدبلوماسية الإفريقية ، والإعلام الإفريقي ، وموضع السودان من جميع ذلك ، حديث العالم الخبير. ثم يتدفق بمحبة وحنين في الحديث عن ذكرياته عن أديس أبابا ، وخصوصا المواقف والحكايات والطرائف المرتبطة ببعض أساتذتنا الأجلاء من السفراء الذين تعاقبوا عليها ، وغيرهم من زملائنا الدبلوماسيين بدرجاتهم المختلفة ، وقد صاروا جميعهم من بعد سفراء مرموقين يشار إليهم بالبنان: عثمان نافع ، وعثمان السيد ، ومحي الدين سالم ، وأبو زيد الحسن ، وعبد المحمود عبد الحليم ، ورحمة الله محمد عثمان ، ومحمد أمين الكارب ، والطيب علي أحمد وآخرين قبل هؤلاء المذكورين وبعدهم. وقد قطع مصاريني بالضحك خصوصاً عندما حكى لي حكاية زوجته بخيتة أمين مع أستاذنا السفير الساخر وخفيف الظل: صديق أبو عاقلة !!
ألا رحم الله عبديه الراحلين الأستاذ علي عبد العزيز والدكتور إبراهيم دقش رحمة واسعة ، وغفر لهما ، وجعل الجنة مثواهما مع الأبرار ، وألهم أسرتيهما وجميع آلهما وذويهما وأصدقائهما وزملائهما وعارفي فضلهما الصبر وحسن العزاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون.
khaldoon90@hotmail.com