كيان الدولة العربية عندما يتصدّع

 


 

 


منى عبد الفتاح (عن العربي الجديد)
يوشك نموذج الدولة في الوطن العربي على الإنهيار وتفكك منظومتها، مما يضع الوجود لهذا الكيان السياسي والاستراتيجي- إن لم يتم تداركه- في مهبّ عواصف عديدة ليست على شكل نهاية التاريخ، وإنّما على نموذج تشريحه وتفكيك الحاضر ونثر المستقبل رماداً تذروه الرياح.
لن يكون من العدل إلقاء كل تبعات تصدع كيان الدول العربية إلى التغيرات التي صاحبت ثورات الربيع العربي، فمنذ عام 2010م وبعد أن بدأت أركان دول الربيع تهتز في بنيتها المركزية التي استأسدت لزمن طويل على حساب الهامش، كان واضحاً أنّ هناك دوافع ظرفية متزامنة أكدّت على زمن ترزح أحداثه تحت متغيرات معقّدة. وبالرغم من أنّ عقدي السبعينات والثمانينات قد شهدا صرخة أجيال اليوم الذين عانى السواد الأعظم منهم مرارات الاغتراب والتهميش، إلّا أنّ المنتمين منهم لتيارات سياسية وأيديولوجيات فكرية وغير المنتمين قد توحدوا على فكرة سواء بينهم. هذه الفكرة هي الإيمان بحراك تتمظهر فيه أفكارهم لتشيد المشهد المجتمعي فتولد إجابات على الأسئلة الكبرى التي طالما عزف الأوصياء على المجتمع باسم السلطة عن الإجابة عليها.
لا زالت الهواجس تقضُّ مضاجع الحالمين بثبات الدولة العربية الحديثة وتصيب آمالهم في مقتل. لقد كانت المخاوف القديمة والتي ارتبطت بمظاهر التسلط والاستبداد في أغلب الدول العربية وعلى مرّ تاريخها الحديث هي من أهواء النزق السياسي الذي يبيح الاستقواء على الآخر بغرض الخلود في السلطة. أما وقد جاءت ثورات الربيع العربي وهي تحمل آمالاً عراضاً فقد استبشر بمقدمها مواطنو هذه البلدان ولم يبق غير الصمود في سبيل ألّا تتحول هذه الآمال إلى آلام عظيمة قد تأخذ في طريقها فرص التغيير الحقيقي على مستوى الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ما يعد به الربيع العربي هو إيجاد تغيير حقيقي يصنع الاستقرار، ولكن ما تجسد من هذه الظروف في زيادة قبضة السلطة التي تناسلت عنها سلطات أعنف أذِن بانفجارات دعاوى الإنفصال التي كانت فيما قبل كامنة في صدور الأقليات الموجودة في كل دولة عربية. وقد كان تعبير هذه الأقليات عن ذاتها من خلال اندغام مكوناتها الشعبية بعد اقتلاعها فرصة للتعبير عن طريق الثورة حتى بدا الأمر وكأنه مفاجأة للجميع. وعنصر المفاجأة هو تمرد هذه المكونات على أنماط الدولة الموغلة في مركزيتها على حساب الهامش المستبعَد لأسباب إثنية أو دينية أو طبقية.
ولا يخفى على الجميع أنّ ما كان يجيش في صدور هذه المكونات قد سبق تاريخ انطلاقه بكثير. فالنزعات الانفصالية لم تكن سوى ثورة مكتومة اعترضت بشكل جزئي على شكل الحكم ولو أنّها لم تعمل على جرّ كل المكونات الأخرى إلى مربعها الانفصالي.
وليس بالضرورة أن يكون التفتت الذي ينهش عضد الدولة ناتج مباشرة عن السنوات الأخيرة لأنّ هناك نموذجان مثل العراق والسودان لم يشهدا ربيعاً ولكن شهدا حالتي تفكك أتاحتا مجالاً لقياس احتمالات تطور التفاعل بين هذه الديناميات. فهناك نزعات انفصالية منها ما اكتمل مثل انفصال جنوب السودان في يناير 2011م ، وبعضها شبه منفصل مثل كردستان العراق، وآخر غير منفصل لكنه خارج حدود السلطة السياسية مثل أكراد سوريا. ثم هناك ما يحدث من استمرار الدولة المركزية في تغذية محفزات الانقسام على أساس إثني وجهوي مثلما يحدث في بعض الدول العربية. فخروج المكونات من تحت حطام الثورات مطالبة بالعدالة في التنمية الاقتصادية والسياسية يضع في الاعتبار أملاً في التغيير إذا ما تمّ تداركها بتحقيق ما جاءت به أهداف الثورة.
ورحلة مخاض التغيير هذه تستوجب الانتباه إلى عوامل قد تنقل الدولة من هزّة إلى حالة تصدع جيوسياسي ثم إلى مرحلة تفتيت الدولة الوطنية. وهذه التوقعات لا تأتِ من العدم لأنّ كيان الدولة العربية وإن توحدت سياسياً داخل حدودها الجغرافية فإنّه تمور على أرضها العديد من الصراعات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي هيأت بيئة خصبة لتفتت وتصدّع هذا الكيان.
وهذا النموذج للدولة المتصدعة أظهر خطل العبارة التي تفترض أنّ العالم العربي تسير دوله في اتجاه القبول بالآخر. فبالرغم من ازدياد خط  التعددية الثقافية داخل كل دولة، فإنّ تجلي هوية معينة يعمل بطريقة مباشرة على تنبيه يُشعر السلطة بالخطر والتحسب من مطلوباتها ومعطياتها التي يتم كبحها حتى لا تسير في خط الصعود، وتتوالد تبعاً لذلك هويات أخرى تبتلع المركز السلطوي.
ولا غرو إن تحولت البنية الهيكلية للدولة في الوطن العربي إلى مجرد كيان "أقليات" تتصارع في نزاعات إثنية وجهوية بعد أن فقدت المجتمعات العربية مظلتها القومية والوطنية. معاناة دول الربيع العربي من آلام التغيير الناتج عن الثورة ، وازدياد الوضع في سوريا فظاعة لا يزيدنا إلّا إيماناً بأنّ تحطيم صنمية الدولة المركزية يستدعي النظر في إعادة تشكيل خارطة عربية جديدة. هذه الخارطة يقع عليها عبء عدم التواني عن خلق خطوط دفاع هي الأمل المتبقى للتحول الذي يؤمل أن تأتي به ثورات الربيع العربي رغماً عن كل شيء، وتحول بين الدول وبين ما يمكن أن يحدث بها من تصدعات هي صنو الهزيمة والإنكسار.
moaney15@yahoo.com
/////

 

آراء