كيف تكونت الصور الذهنية للسودانيين عن بعضهم البعض ؟ .. بقلم/ حسن عثمان حسن / بورتسودان

 

تتنوع البيئة في السودان بإختلاف اقاليمه ، مناطق صحراوية ، رعوية ومناطق زراعية 

امطار ومناطق شحيحة قرى وحضر كل هذه البيئات تنتج ادبها ونظرتها لنفسها وللآخرين .
القبائل العديدة ساكنة الاقاليم مختلفة في ثقافاتها وفنونها وازيائها ، ومعروف ان السودان قبل العهد التركي كان اقاليم منفصلة وممالك قبلية خاضعة اسميا ورمزياً للسلطنة السنارية في الشرق والغرب والشمال ماعدا موانئ البحرالاحمر سواكن ومصوع وكانتا تتبعان للسلطنة العثمانية وفيما بعد تبعتا لمصر عندما جلس اسماعيل باشا على اريكتها .
ولإتساع رقعة البلاد كان من الصعب التواصل بين الناس والى زمن قريب و(ربما الى اليوم)!
كان الذين يتحركون بين السكان هم غالبا من فئة التجار بقوافلهم ورجال الدين وطلاب الخلاوي ونذكر هنا مسجد الملهيتكناب في شرق السودان كمركز معروف ورحلة ثلاثة من كبار رجال الدين وقد اسسوا اسر دينية فيما بعد كان لها تأثير على الاهالي في منطقة البجة (الشيخ عبدالله اب رايات الحلنقي ، الشيخ الفايدابي والشيخ حامد نافعوتاي) الى وسط السودان لتلقي العلوم الدينية .
اضافة الى حركة جيوش سنار التي كانت تخضع القبائل المتمردة وايضا رجال العصابات بمختلف مسمياتها (التولناب ، الشفتا ، الهمباتة ، جماعات السالف في منطقة الجزيرة ) .
لا شك ان المعلومات ، المعارف والاساطير التي تنقلها هذه المجموعات المذكورة في الغالب معلومات فيها صحة أو ناقصة اوغير حقيقية او اراء ذاتية .
“عفش الدامر”1 سخرية من البضاعة التي يرى التجار انها لا ارباح من ورائها وكانت بضائع الدامر (سعف وملح) .
يقول المحلق يصف تاجوج “أوراكك جربان عرد عند الحباب” 2
(المعنى ان لأوركها حركة تشبه الجربان التي يدبغها الحباب اذ أن القرض في بلادهم جيد وهو من السنط)
وكانت افخر انواع الجلودة المدبغوة تأتي من بلاد الحباب.
بعد دخول جيوش بريطانيا للسودان مد الانجليز السكك الحديد ورصفت طرق موصلة لمناطق الانتاج ونشأت مدن حول المشاريع الكبيرة وجاءت الافندية وجموع العمال واستوطنوا المدن الجديدة ونشأ مجتمع مدني (مظهراً) .
هذه الجدة في تكوين المجتمع المدني (الظاهري) بمعنى ان كل مجموعة قدمت من منطقة الى اقليم آخر لظروف العمل تسكن في احياء عرفت باسمها او باسم قبائلها كالمناطق المقفولة تماما ما يعني استمرار الحالة الاولى (الاراء السطحية المسبقة التي نقلتها قوافل التجار ورجال الدين والجيوش ) مع الاحتفاظ بها لظروف العيش او لحين الاستقواء بالسلطة او غيرها ! والشواهد كثيرة مما نعرف وتعرفون . (وهناك الكثير المثير الخطر)!!
مع هذا هناك اخلاق كريمة نبيلة شملت اهل السودان ، إكرام النازل بينهم او المقيم بل الغريب عندهم مسود عليهم كما نجد هذا في معظم بيوت النظارات والعموديات في القبائل السودانية .
وفي هذا حق لمحمد سعيد العباسي ان يقول
“ولست 3أرضى من الدنيا وإن عظمت
إلا الذى بجميل الذكر يرضينى
وكيف أقبل أسباب الهوان ولى
آباء صدق من الغر الميامين
النازلين على حكم العلا أبداً
من زينوا الكون منهم أى تزيين”.
وقد جمع بعض اهل الفضل في السودان الناس حولهم وسارت سيرتهم .
“غرار 4 العبوس دار الكمال ونقاص
دوبة حليل ابوي اللي العلوم دراس
تبكيك الجوامع الانبنت ضانقيل
لقراية العلم وكلمة التهليل”.
قال المؤرخ الكبير محمدصالح ضرار5 في مقالة ادبية كتبها لمجلة هنا امدرمان :
“في الشعر القومي “الشعبي” كما في الشعر المعرب نجد الرواد والرحالة الشعراء كثيراً ما يصفون ما يقومون به من رحلات ويسجلون مايلقون من اهوال في البر اوالبحر.
وهم عندما ينظمون اشعارهم الوصفية هذه لايفوتهم ان يضمونها ما يصادفهم من ضروب المحاسن التي تتجلى في الطبيعة او في البدويات اوفي الحضريات. فنحن نراهم يتغزلون فيما حباهم البارئ به من انواع المفاتن والخلق الرفيع . ولهؤلاء الشعراء منظومات نفيسة كالدرر الغوالي.
ومن شعراء الطليعة في وصف الرحلات الشاعر الذائع الصيت ابراهيم ود الفراش الذي كثيراً ما وصف رحلاته التي يقوم بها وهو على ظهر جمله . ومنها هذه الرحلة من بربر الى سواكن اي من نهر النيل الى بحر المالح .
قال :
“وفي هريت ري” ناديت زولاً سقاهو
من هريت حطيت فوقو حطه
يقمز بي كمان ياخدلو نطة
“جبل أدوروس” بداوجيت فاطوفطه
نزل “توبلال”2هناك فوق المحطة
من توبلال ، سلك خل الغتاتة
وجاتو “الحالة”3 “سقرب”4 بي تلاتة
بديت أسقيه أنا وقاصدبو “شاطة”5
عصر “هندوب سواكن”6 بدري باته
من هندوب غرب شفت “الصرايا”7
بشم نفسا زكي وريحة “الجدايا”8
بشوف عربا سلامن لي “دبايا”9
ترى البنيان “أهل دنيا وعرايا”10
1/ هاريت ري : ابار . لاحظ كلمة “ري” العربية التي اقترنت بها هاريب البجاوية.
2/ توبلال : محطة بلال : وهي مكان لحط الرحال . اذ لم تكن المحطات السكة الحديد وجود في السودان في ذلك العهد الذي عاش فيه الشاعر 1846/1880م.
3/ جاته الحالة : تحمس.
4/ سقرب : شكل والشكل معروف في سير الدواب عندنا.
5/ شاطة أو الشاطة : محطة بها آبار معروفة.
6/ هندوب : بلدة مشهورة .
7/ الصراية : سراي محافظة سواكن وهي الان من الابار.
8/ الجداية : الظبية وهي كناية عن الحسناء.
9/دبايا من دبايوا وهي تحية .
10/ أهل دنيا : اغنياء وعرايا أي لايهتمون بلبس الفاخر من الثياب على الرغم من اموالهم الطائلة.
ملحوظة
كان ود الفراش بحكم عمله في المواصلات البريدية بين الاقاليم وخاصة اقليم البحرالاحمريجيد اللغة البجاوية” .
انتهى الاقتباس.
يقول المثل السوداني “غريب الديار شيال الاخبار”.6
ذلك على مستوى عامة الناس اما في الوسط السياسي منذ تكوينه الحديث كانت اراء بعض الافندية 7 (الفاعلين)غير مواكبة للمدينة الاروبية وقد اخذوا مظاهرها ، ترى ذلك في ارائهم السياسية والاجتماعية الى اليوم ، تحسبها دروشة وماهي بدروشة !!
بعد هذه المقدمة الطويلة التي قد تكون مملة نقول مكونات الرأي اي راي تدخل فيها عوامل عدة منها التربية الاسرية (النزعات الخيرية والشرية للاسرة) ، المستوى التعليمي مدى التنوع الثقافي والبشري في مكان النشأة البيئة (قروية / حضرية).
تقول دراسات الرأي العام والاعلام بتأثر الناس بقادة الرأي في المجتمع وقادة الرأي هم قديما الشعراء قادة الجيوش الرحالة رجال الدين طلاب العلم (النخبة المطلعة).
عندما يقول احدنا هذا رأيي فانه محمل بصور ذهنية وتصورات وافكار قد تكون ناقصة او غير صحيحة ، هذه المعرفة تجعلنا نتعامل بسعة وفهم مع الاخرين غالباً ماتكون تربيتهم غير تربيتانا وبيئتنا ومزاجنا .
هل نستطيع مراعاة هذه الظروف لنسلم من الشطط ؟
وقديماً قالوا : “دع الشطط خير الامور الوسط” !
**************************
المراجع
1/ مثل سوداني ، كتاب الامثال السودانية لبابكر بدري الجزء الثاني.
2/ محمد صالح ضرار حياة تاجوج والمحلق الطبعة الثانية ص97
3/ مقتطف من قصيدة عهد جيرون
4/مناحة غرار العبوس
يقال انها للشاعر الشيخ دفع الله ود فريجون
مناحة في رجل قامة في العلم والتصوف ذلكم هو
العارف بالله الشيخ عبد الباقي بن الشيخ حمد النيل (ازرق طيبة )
رجل الدين والخلاوى المشهور.
5/ “رحلة شاعر بربر ابراهيم ود الفراش من بربر الى سواكن” مقال كتبه محمد صالح ضرار لمجلة هنا ام درمان (مجلة الاذاعة السودانية) وضمنه في كتابه تاريخ سواكن والبحرالاحمر، الطبعة الثانية 1988م الدار السودانية للكتب ص269
6/ امثال العوام في مصر والسودان والشام تأليف نعوم شقير مراجعة وتصديرمحمد ابراهيم ابوسليم دار الجيل بيروت الطبعة الاولى1995م.
7/ راجع كتاب (الأفندية ومفاهيم القومية في السودان)، رسالة دكتوراة لخالد حسين عثمان الكد، باللغة الانجليزية ، قام بترجمتها إلى العربية، محمد عثمان مكي العجيل. صدر عن مركز عبدالكريم مرغني الثقافي الطبعة الاولى 2011م

portsudanmadenaty@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً