تأمُلات
كمال الهِدَي
قبل أن يندمل جرح الجنوب المؤلم، وجدنا أنفسنا أمام وضع مأساوي آخر لا يمكن أن يفضي إلى نتيجة غير انفصال آخر، وإن حدث، فلن يكون الأخير قطعاً.
صحيح أننا نقرأ ونسمع كل يوم، من أطراف داخلية وخارجية، تلك الإكليشيهات المُعدة للاستهلاك، من شاكلة:”نؤكد حرصنا على وحدة السودان وسلامة أراضيه”.
وما يؤكد أن مثل هذه العبارات أصبحت مجرد إكليشيهات فُرّغت من معانيها تماماً في مثل حالتنا، أن الجزء الثاني منها، أي سلامة أراضي السودان، لا مكان له من الإعراب؛ فقد احتُلت بعض أراضينا منذ عشرات السنين، وصارت نسياً منسياً.
أما الجزء الأول من العبارة، فلا أعرف كيف سيتحقق في ظل إصرار وتعنت بعض ساسة وقادة هذا الوطن المكلوم.
وبالنظر إلى تصريحات طرفي الحرب، يتأكد على أرض الواقع ما ذهبت إليه. فالفريق البرهان يقول إنه لا خيار أمام الدعم السريع سوى مغادرة أراضي السودان أو أن يأتوا إليه صاغرين.
وفي الجانب الآخر، يؤكد تحالف تأسيس تصميمه على تحرير كل شبر من السودان.
فكيف يمكن المحافظة على وحدة السودان في ظل التعنت المتبادل؟ وإن لم تكن هذه إرهاصات الانفصال، فكيف تكون، بالله عليكم؟
ما يشعرني شخصياً بالمزيد من الأسى، ويضاعف خوفي من انفصال ثانٍ، هو ما تخطه أقلام عديد من المستنيرين السودانيين. أضف إلى ذلك خطاب الكراهية الذي يروج له كثيرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أسهمت بصورة ملحوظة في إذكاء نيران الفتنة وإطالة أمد هذه الحرب المدمرة.
من يتبنون خطاب “الوجوه الغريبة” يبدون لي وكأنهم لم يعيشوا زمناً لم نكن نميز فيه بعضنا على أساس القبيلة أو المنطقة الجغرافية بهذا الشكل الغريب، رغم عشعشة الأفكار البالية في أذهان البعض منذ عشرات السنين. لكننا لم نكن نعمم مثل هذا الفهم المتخلف كما يحدث الآن.
كنا نعيش في الحي الخرطومي كوحدة واحدة، وكأنه مسقط رأسنا جميعاً، وفي كثير من الأحيان كان بعضنا يجهل قبيلة الآخر ومن أين أتى إلى هذه العاصمة. وعندما كنا نذهب إلى مدارسنا صباحاً، كنت تجدنا نتحرك في مجموعات تضم ابن الجنوب والشمالي والدارفوري والنوباوي والشرقاوي. وحين نخرج عصراً لتمارين الكرة، لم نكن نتقسم إلى فريقين وفقاً لمنطقة هذا أو قبيلة ذاك.
وحتى يومنا هذا لم يتغير هذا الوضع في فرق الكرة مثلاً. وأذكر أن وقفة جماهير الكرة القوية مع منتخب الوطن أثناء هذه الحرب حفزتني على كتابة مقال وجهت فيه سؤالاً مباشرا وقتهاً هو: “كيف نردد خطاب الوجوه الغريبة، وفي ذات الوقت نحتفي جميعاً بمنتخب وطني يتشكل معظمه من هذه الوجوه التي اعتبرها البعض غريبة؟”.
وهذا يؤكد أن بعض الساسة سعوا على الدوام إلى إحداث هذا الشرخ الاجتماعي، وأنه ليس سلوكاً متأصلاً فينا.
كما أن توظيف بعض السياسيين لمصطلح” المهمشين” وحصره على أهل مناطق بعينها من هذا السودان لا يروق لي إطلاقاً، وأعتبره نوعاً من استغلال عواطف بعضنا لحشد التأييد وتحقيق أهداف سياسية لفئة محدودة من السياسيين الذين ظلوا يتلاعبون بمشاعر السودانيين منذ الاستقلال.
فنحن جميعاً – باستثناء فئة قليلة – مهمشون، ولهذا كان يهزني كثيراً شعار شباب الثورة: “يا العنصري المغرور، كل البلد دارفور” . وكم تمنيت أن يتمكن أولئك الشباب الكرماء من حكم السودان، فقد عبروا عن فهم متقدم، وكان سلوكهم وكل تصرفاتهم خلال فترة الاعتصام متسقة تماماً مع الشعارات التي كانوا يرددونها.
أحلم، على المستوى الشخصي، بسودان واحد يسع الجميع، وتسود فيه الألفة والمودة. لكن ذلك يظل حلماً بعيد المنال، بل مستحيلاً، إن انتظرنا تحقيقه من سياسيين يرددون كلام الاستهلاك، بينما لا يملك بعضهم أدوات التنفيذ، في حين يمارس البعض الآخر على أرض الواقع ما يؤدي إلى العكس تماماً.
ومثلما ظللت أردد منذ الساعات الأولى لهذه الحرب أن السبيل الوحيد لوقفها سريعاً، قبل أن تتمدد وتتشابك فيها مصالح الأطراف الخارجية، أقول الآن إن الطريق الوحيد لبقاء السودان موحداً هو تآلف أبناء مختلف قبائله ومناطقه.
لكن ذلك يتطلب درجات عالية من الوعي، وهو ما يناهضه بعض المستفيدين من استمرار الحرب والكراهية بين أبناء الوطن الواحد؛ ذلك الوطن الذي امتلك على الدوام إمكانيات أن يصبح بلداً قوياً وغنياً بتنوعه، لكن امتدت إليه أيادي العبث.
