🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليس ثمة خطر أشد فتكًا بالأمم من أن تحرف القيم التي جاءت لتحرير الإنسان، فتتحول إلى قيود تكرس استعباده، وأن يُستدعى الدين، وهو الرسالة التي أقامت ميزان العدل، وأعلت كرامة الإنسان، وحطمت أغلال الظلم، ليجعل ستارًا يوارى خلفه الفساد، وتشرعن باسمه أبشع صور الاستبداد. فالفساد، في صورته العارية، جريمة يدينها القانون، وتمجها الفطرة، ويستنكرها الضمير العام؛ لكنه حين يتدثر برداء القداسة، يكتسب حصانة زائفة تعطل العقول، وتربك الضمائر، فيغدو نقد الفاسد وكأنه اعتداء على الدين ذاته، لا مساءلة لمن خان مبادئه، وانتهك قيمه، واتخذ من قدسيته درعًا يحتمي به من الحساب.
وهنا يبلغ التزييف ذروته! إذ لا يسرق المال العام وحده، بل تسرق البوصلة الأخلاقية للمجتمع. فحين يعاد تعريف الظلم بوصفه مصلحة شرعية، ويقدم الاستبداد باعتباره ضرورة لحماية العقيدة، تتحول المفاهيم إلى رهائن، ويصبح الوعي ذاته أول ضحايا السلطة.
لقد عاش السودانيين واحدًا من أكثر النماذج إيلامًا لهذا التوظيف السياسي للدين خلال ثلاثة عقود من حكم “جماعة الإخوان المسلمين” “الحركة الاسلامية” أو ما عرفت محليًا بـ”الكيزان”. فقد ارتفعت الشعارات الدينية إلى أقصى درجاتها، بينما كانت الممارسة الفعلية تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ احتكارآ للسلطة، وإقصاء للمخالفين، وإضعاف لمؤسسات الدولة، واستباحة للمال العام، وتحويل أجهزة الدولة إلى أدوات لحماية التنظيم لا لخدمة الوطن.
ولم يكن الخلل يومًا في الإسلام، وإنما في تحويله من منظومة أخلاقية تحاسب الحاكم إلى أداة تمنحه حصانة ضد المحاسبة. فحين يلبس المشروع السياسي ثوب العقيدة، يصبح الولاء للتنظيم مرادفًا للولاء للدين، ويختزل الإيمان في تأييد السلطة، بينما يصور كل معترض بوصفه خصمًا للعقيدة، لا مواطنًا يمارس حقه في النقد والمساءلة.
إن أخطر صور الفساد ليست تلك التي تمتد إلى خزائن الدولة، بل تلك التي تمتد إلى عقول الناس. فالمال المنهوب يمكن تعويضه، أما الوعي إذا اختطف فإن المجتمع يفقد مناعته الأخلاقية، ويعجز عن التمييز بين التدين الصادق والمتاجرة المنظمة بالدين. وعندها تصبح الطاعة فضيلة مطلقة، حتى لو أفضت إلى الظلم، وتتحول المحاسبة إلى تهمة، ويغدو الصمت نوعًا من العبادة، لا موقفًا من الخوف، لم تكن نتائج هذه التجربة مجرد إخفاقات سياسية عابرة، بل كانت انهيارًا متدرجًا لبنية الدولة نفسها.
فقد دفعت سياسات العزلة الأيديولوجية إلى مواجهة المجتمع الدولي، وأفضت إلى عقوبات اقتصادية قاسية، وإدراج الوطن لسنوات طويلة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما عمق الأزمة الاقتصادية، وأضعف الاستثمار، وأرهق حياة المواطنين. وفي الداخل، تراكمت الحروب، وتقسمت البلاد، واتسعت دوائر الفقر والنزوح، حتى أصبح الوطن يدفع ثمن سياسات قدمت للناس باعتبارها دفاعًا عن الدين، بينما كانت في حقيقتها دفاعًا عن سلطة لا عن رسالة. ولعل المأساة الكبرى لم تكن في حجم الخراب المادي فحسب، بل في الأثر الذي لحق بصورة الدين في وجدان الناس. فحين يربط الدين بالمظالم اليومية، وبالفساد الإداري، وبالقمع السياسي، يبدأ كثيرون في الخلط بين النص المقدس وسلوك من احتكروا الحديث باسمه. وهنا تكون الجريمة مضاعفة؛ إذ لا يكتفي المستبد بإفساد الدولة، بل يورث المجتمع أزمة ثقة مع الدين نفسه.
التاريخ يعلمنا أن الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يحتاج دائمًا إلى غطاء أخلاقي يخفف قبحه. ولذلك كانت أخطر أدوات الطغاة عبر العصور هي احتكار تفسير الدين، وتقديم أنفسهم أوصياء على الإيمان، حتى يصبح الاعتراض على الحاكم معصية، والمطالبة بالحقوق خروجًا على الجماعة، والسكوت على الظلم فضيلة يؤجر عليها الناس.
غير أن جوهر الرسالة السماوية يقف على النقيض من هذا المنطق كله. فالعدل هو القيمة المؤسسة لكل تشريع، والأمانة تكليف لا امتياز، والسلطة مسؤولية ثقيلة لا صك براءة. ومن ينهب ثروة الأمة، أو يقمع الحريات، أو يحتكر القرار، لا تزكيه لحيته، ولا تعصمه خطبه، ولا تمنحه الشعارات الدينية حصانة أمام ميزان الحق. فالله لا يمنح الشرعية للظالم لأنه أكثر الناس حديثًا عن الدين، وإنما يحاسبه بقدر ما خان الأمانة التي حملها. وفي المقابل، فإن مقاومة هذا الاستغلال لا ينبغي أن تنزلق إلى معاداة الدين أو الانتقاص من مكانته. فالدين ليس مسؤولًا عن جرائم من اتخذوه وسيلة للنفوذ، كما أن العدالة لا تدان لأن قاضيًا ظلم، ولا الطب لأن طبيبًا خان مهنته. إن المشكلة تبدأ عندما يختطف المقدس لخدمة المصالح الدنيوية، وعندما تتحول النصوص إلى أدوات حماية، لا إلى معايير للمحاسبة.
إن الدولة الحديثة لا تبنى بالخطب الحماسية، ولا بإغراق المجال العام بالشعارات، وإنما تشيد على مؤسسات مستقلة، وقضاء لا يخضع للسلطة، ورقابة فاعلة، وصحافة حرة، وقوانين تطبق على الجميع بلا استثناء. فالمساءلة هي السور الأخير الذي يحمي الأوطان من الانهيار، وهي الكفيلة بانتزاع الأقنعة عن كل من اتخذ من الدين سلعة سياسية أو جسرًا إلى الثروة والنفوذ.
لقد أثبتت التجارب، في طننا كما في غيره، أن كل مشروعآ يجعل من القداسة غطاءآ للسلطة ينتهي إلى نتيجتين متلازمتين : إفساد السياسة، وتشويه الدين. فالسلطة حين تستعير قداسة السماء لتبرير أخطائها، لا ترفع من شأن الدين، بل تنزله إلى مستوى الصراع على المصالح، وتدفع الناس إلى الارتياب فيما كان ينبغي أن يبقى فوق المساومات.
إن صيانة الدين تبدأ بتحريره من قبضة السياسيين، وبمنع تحويله إلى لافتة انتخابية أو وسيلة لتبرير الاستبداد والثراء غير المشروع. فالأديان جاءت لتكون ميزانًا يحاسب به الفاسدين، لا درعًا يحتمي به الفاسدون، والأمم لا تنهض بمن يحتكرون الحديث باسم الله، وإنما بمن يخشون الله في حقوق الناس. فالدول تقام على العدالة، لا على الضجيج الأيديولوجي، والأوطان يحرسها القانون، لا الهتافات، وتبقى القداسة أعظم من أن تستغل في سوق السياسة، أو أن تتحول إلى ملاذآ أخير للفاسدين حين تضيق بهم ساحات الحقيقة .
abohmohammed123@gmail.com
