لأول مرة: السودان يسير في المسار الصحيح ولكن ! .. بقلم: نوح حسن أبكر(زامبيا)

 

المعروف أن معظم دول العالم تسير بخطى حثيثة نحو التنمية والتقدم والازدهار بفضل اعتماد وتنفيذ سياسات محددة. فعلى سبيل نجد أن معظم دول العالم الثالث التي نالت استقلالها ابتداءً من أربعيينات وخمسينات وستينات القرن العشرين أحرزت تقدماً ملحوظاً أدهش العالم. ومن بين هذه الدول الهند والصين أما في أفريقيا فقد حققت جنوب أفريقيا ورواندا نهضة يشار اليها بالبنان. وفيما يتعلق بالعالم العربي وعلى الرغم من وجود ثروات هائلة فقد أحرزت بعض التقدم ولكنه تقدم يميل الى الرفاهة والعيش الرغد على حساب التقدم العلمي.السودان ليس بمنأى عن التخلف الانمائي بالرغم من إمكانياته الهائلة المتمثلة في مياه النيلين الأبيض والأزرق ثم نهر النيل وهى مياه يمكن أن تجعل السودان سلة غذاء العالم ومخزونه الاستراتيجي لعشرت السنين في ضوء تقلب المناح العالمي وأزمة المياه المستقبلية والحاجة للمواد الغذائية العضوية. كما حبا الله السودان بالأمطار التي يعتمد عليها معظم سكان السودان في سبل كسب العيش. وبالإضافة إلى هذه النعم تلك النعمة المتعلقة بالعقول النيرة والخبرات التي طورت العديد من الدول العربية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية في مجال علوم الفضاء. والسؤال المطروع هو هل الشعب السوداني “كسول” أم أنه غير مكترث بالتنمية ويحتاج إلى رأسمال أجنبي ليساعده في زراعة وتصدير “البرسيم” بل وحتى تربية الضأن والإبل. ولماذا يستورد السودان القمح وقد حباه الله بأراضي شاسعة وخصبة لزراعة القمح في ولايات الشمالية وكردفان ودارفور وربما مناطق أُخرى؟ الإجابة على السؤال الأول أن الشعب السوداني ليس بالكسول أو غير المكترث ولكنه بحاجة إلى توجيه ورفع معنويات لتطوير امكانياته نحو التنمية والتقدم . تتمثل الإجابة على السؤال الثاني أنه ليس بالضرورة كثرة رأس المال ولكن بالأحرى كيف نشغل عقولنا وتنتقل الرأسمالية الوطنية من مرحلة المضاربة وتخزين السلع لخلق أزمات مفتعلة ومن ثم تحقيق أرباح طائلة على حساب الشعب ويتخلى عن سياسة ” السمسرة” إلى سياسة المنافسة الحرة الشريفة حتى يتمكن صغار التجار من بيع محاصيلهم بأسعار مجزية.

السودان قادر على تجاوز كل أزماته الاقتصادية في غضون عامين فقط بموجب خطة طموحة ليس بالضروري من قبل الحكومة وإنما من العلماء الباحثين وهذا هو سر نجاح معظم الدول التي تقدمت مؤخراً وأصبحت قوة اقتصادية لا يستهان بها على المستوى الدولي.
وفي هذا الصدد يرجع الفضل لجامعة الخرطوم التي ابتدرت مؤتمر أركويت منذ الستينات من القرن العشرين. وخلال يومي 17 -18 نوفمبر 2018م أقام الباحثون بالجامعة مؤتمر أركويت الرابع عشر بحضور مميز من الوزراء وعلى رأسهم رئيس الوزراء السيد/ معتز موسى ووزير التعليم العالي لمناقشة عدد من الأوراق العلمية البحثية عن كيفية الخروج من الأزمات الاقتصادية إلى بر الأمان. لا أود الخوض في تفاصيل المؤتمر ولكن المهم أن السودان بدأ ولأول مرة يخطو خطوة مهمة نحو التنمية المستدامة والتطور استناداً إلى البحث العلمي وهو توجه يبشر بخير كبير للسودان ولكن هناك ثمة ملاحظة وهى أن كل دول العالم بما فيها الدول العظمى لم تتقدم خبط عشواء أو من خلال تخطيط حكومي فقط وإنما عن طريق البحث العلمي. ولهذا تخصص بعض الدول التي تقدمت أو في طريقها نحو التقدم ميزانية ضخمة للبحث العلمي ليس في مجال الاقتصاد فقط وانما في كافة مجالات الحياة بما في ذلك الاحصاء ونظافة الطرقات والتحكم في مياه الصرف الصحي وتخطيط المدن وتربية الماشية في الريف وغير ذلك. المهم في الأمر ليس جمع البحوث والإشادة بها ليوم أو يومين ولكن المحك في التقيد بتنفيذ نتائجها . وفي هذا الصدد أرجو من المسؤولين في الحكومة التوجه نحو الجامعات وخلق شراكات حقيقية معها في مجالات البحث العلمي لأن هناك مئات الآلاف من البحوث المتراكمة في الجامعة ولا تستخدم إلا لأغراض التخرج فقط. وفي هذا الصدد ينبغي أن تستعين كل وزارة أو مصلحة حكومية بباحثين من الجامعات لتسلم نسخ من رسائل الماجستير والدكتوراة لتضمينها في خطتها الانمائية فالدولة مثل الطائرة لا يمكن لها أن تحلق في الأجواء إلا بوجود خطة طيران تحدد سرعة الاقلاع والمسارالجوي والهبوط وخطة طواريء لمطارات بديلة . أما على مستوى الأرياف والمواطن العادي فهناك حاجة لأن تتوجه الجامعات الى تلك المناطق وبتمويل حكومي لمشاركة المواطنين الخبرات ونقل التقانة الزراعية وتقديم الإرشاد الزراعي والعناية الصحية وسبل تطوير الريف وهذه القوافل مهمة للغاية ومهما كانت التكلفة لأنها تسهم في رفع قدرات وكفاءات المواطن العادي ولهذا ينبغي أن يتم توزيع الطلاب الباحثين على جميع أنحاء السودان لجمع البيانات على الطبيعة لا الاعتماد فقط على الشبكة العنكبوتية التي يصبح دورها مهم فقط بعد إنشاء قاعدة بيانات من المناطق الريفية. أتمنى أن تتاح للباحثين فرصاً أكبر في كل جوانب الحياة وألا يتخذ أي مسؤول قراراً إلا بعد الرجوع إلى مراكز البحث العلمي لأخذ الاستشارة من ذوي الاختصاص. كما أتمنى التطبيق العملي لنتائج البحث العلمي وهذا الموضوع يتطلب التوجيه من أعلى سلطة في الدولة .ومتى ما وضعت خطة سنوية لكل وزارة من قبل الباحثين ونفذت الوزارات المعنية الخطة في كل أنحاء البلاد فلن يمر عام إلا وقد تحقق الكثير. المحك ليس في جمع البحوث وانما في التنفيذ الذي من خلاله سوف نحقق الاكتفاء الذاتي من القمح بل ونصدر الفائض بعد المخزون الاستراتيجي وسوف يكون لنا شأن بين الأمم. أما إذا تجاهلنا البحث العلمي فسوف يكون مصيرنا ” في كل عام ترذلون”.التحية لجامعة الخرطوم على هذه المبادرة وأرجو أن يصدر توجيه من رئاسة الجمهورية بأن يتم عقد المؤتمر شهرياً ليس من قبل جامعة الخرطوم بل الجامعات لضمان استفادة الوزارات الاتحادية والولائية من خبرات الباحثين على أن تشكل لجنة علمية أُخرى لمتابعة تنفيذ التوصيات ورفع تقاريرها الشهرية لرئاسة مجلس الوزراء مباشرة لإزالة العقبات وسوف نلحق بإذن الله بركب الأُمم ذات الاقتصاديات الناشئة مثل ماليزيا .

Muazin2@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً