كتب: ابراهيم الدلال
لولا لقائيها لما تبعت عنسي دليلاً•••كسِر الغمد إصليتا
ولا تبعت ذئاب الإنس طاويةً•••تراقب الجديَّ في الخضراء مسبوتا
المعري
في ليلة من ليالي الصيف وقد تعانقت السماء والأرض، وتكسرت أشعة البدر على ذهب رمال الصحراء، وآدم الهبهان الفوراوي (يصُر) نجم الجدي في عينه اليمنى، والعقدة ود حريرين الشليوابي (صوطو) (قلاية حب) على قفا الإبل وهو يترنم بقوله:
البزر الفي الرواكيب طلقو اللرياح
برِية أم ماركه ما بضوقوها فوق شوباح
يجيها الليل تساريبو القمر صبّاح
بتتلفتبو كيف العندو شِيةً راح
وقد بدأت لافتات درب الأربعين اللاحب.. هنا عظام بعير نافق كان يرعى أشجار اللبان في قوز دنقو، وهنا العقبة التي مات فيها عطشاً ود مانقير الكاهلي البقيرابي، فسميت باسمه:
العقبه الكاتلي ود مانقير
وهنا الصحراء التي ابتلعت جيش قمبيز، كما ابتلعت قافلة حُر العبيد أشهر أدلاء طريق الأربعين، وقديماً قالت العرب: (الأرض تقتل من لا يعرفها، ويقتلها من يعرفها)
ويقول السودانيون: (البحر بياكل عوامو).
وظل الريافة ورجال العقبه يكافحون السمايم، ويعانون لذعة البرد القارس، وهم يرددون قول وداعة الله ود امحمد ود إبراهيم الراحلي:
يارب ياكريم من سوق الجزر خلسنا
برد القره والعتمور بقي بهلسنا
وين الريدو جد ما بغشنا بطالسنا
وين الفاطرو أنضف من كهارم إسنا
وإسنا وبنبان ودراو من مدن الصعيد ومن لافتات درب الأربعين المضيئة.
وكان الرحالة والخريت الصحراوي الأسطوري الذي عرفته صحارى الجزائر وموريتانيا وليبيا.. الشاعر والعالم الثبت المحفوظ ول أبات الشنقيطي قد اخترق درب الأربعين معتمداً على خريطة وصفية شفوية أخذها من خبير عطوي وهو الذي افترع الطريق من السودان إلى الكفرة معتمداً أيضاً على خريطة وصفية أخذها من أحد القرعان بالفاشر.
وكان الأدلاء كل أسبوع أو عشرة أيام ينحدرون من الصحراء لملاقاة (عين الحياة)، نهر الجنة، النيل الخالد وربما ابتعدوا عنه وأوغلوا في مجاهيل الصحراء خوفاً من (القبض) والرصد وعيون الحكام، قال لي حميدة ود أبو أم دور :
(مشينا مشلقين متهرمين لامن ليقينا شدر (العرطا) (الأرطى) … قال النابغة يصف الثور الوحشي:
وبات ضيفاً لأرطاةً وألجأه•••عند الظلام إليها وابلٌ ساري
وقال لي أحد الخبراء وقد قابلته بجريبان: (بنتهرم وبنساهر والسفة نصها في العين ونصها في الخشم ومال الرجال ملعبس بالدم)… أي أنه يملأ عينه بالتمباك كي لا ينام… قال القدالي:
(مشينا مشلقين نمت المشركن أمّل
قدر ما نضرع الأرض واسعة ما بتتكمل).
وكتبوا لافتات الشعر الخالد الذي جمع بين عبقرية المكان و عبقرية الزمان:
ما انقينا من بلد أم ضهير بلحيل
وما أبعدنا من ناس تمرة القنديل
ضوقي المرة يا أم شرابه شيل الليل
شلق بيكي ود جوده ومشيكي عديل
وعقبة أم ضهير غرب الدبة.. و ود جوده دليل مشهور من أعلام النكرات، ومن نكرات الأعلام.
قال العدوسي:
يا قلاجة الفراس
ويا كسارة الحدب ام سنوناً فاس
حدرت من عنيبه اتوجهت توماس
فاضل ليها عقبان ود سليم وخلاس
وتوماس و أبو مضاوي من عقبات الأربعين الكأداء
قالت الشاعرة:
خالك يا الحبيبه
سافر نط عنيبه
والإبل تخوض في بحر الرمال وتعوم في السراب والآل وتقتحم العقبات المجاهيل إلى مصائر مجهولة، يقول بخيت:
عقباتاً صباح المشنقة وسافلها
جاتهِن صوتها لقاج والخبير ناترها
الحدب الطوال واللِمه بتكملها
قدر ما توسع الرزامه بتوخرها
عقباتاً صباح المشنقة وقدامها
جاتهن صوتها لقاج والخبير في زمامها
لقاج او لغاي، يشبهون صوت السوط بصوت ولوغ الكلب للماء، فيقولون: (الصوط لغاي كلب).
والإبل تسرف في البكاء والحنين وهي تتذكر الأوطان، يقول عبد السيد ود مسعود:
وين يا ناقه وين مشروعك المتخول
قش الوادي تطريهو وبكاكي يهول
الدرب البمغيكي وسفرتو تطول
صبح لونك الطالب الجفار متحول
والناقة التي تعاني من الجوع وهجائر الصحراء تتذكر وديان مشروع جريح السرحة وموراد ومقايل خور السنط فتسرف في الحنين والرزيم.
وهناك في أم بابه تنتهي رحلة درب الأربعين القاصدة حيث زريبة الإبل التي يوجد فيها رجال يحملون الشمس على أكتفاهم _ كما يقول الشريف الفيتوري _ يمثلون أخلاق السودان كرماً ومروءةً في أسمى تجلياتها من أمثال يوسف أحمد خوجلي أبو شرا، وأولاد منصور توسكيّ، وغيرهم من تجار وضُمان السودان… ستحظى ب( يوم مبارك في أم بابه)، إذا التقيت يوسف ود خوجلي فأنت ستنعم بالشواء و كبدة الإبل وأشعار صافية للباباي و ود الدابي الحورابي، وكأنك لم تفارق بادية الكبابيش و مضارب الكواهلة، وأينما التفت فأنت ترى نيران القبائل السودانية تتلاصف على رقاب الإبل (عنج الرقاب)، والنار هنا تعني الوسم أو العلامة توضع على البعير ولكل قبيلة وسمها (ناراً كانت أو موساً).. وسُئل أعرابي:
(النار التحتك شني؟) .. أي ماهو وسم البعير الذي تمطتيه.
وقد كتب السير ميك مايكل كتاباً عن علامات الإبل بكردفان وقد قام بترجمته الأديب والترجمان الحاذق الدكتور خالد محمد فرح ونشرته دار المصورات، وهو كتاب جدير بالقراءة والاطلاع.. وقد قام بإهدائه إلى روح أحد رجال (العقبة) الشاعر والمغني عبد السيد ود مسعود الكاهلي، مصدراً الإهداء بقول عبد السيد:
يا الفرزك قلادة ودامع
أهلك فارقو الحِله وصلاة الجامع
قول للبالو فيها وقلبو فيهو مطامع
شِن بتشوف بلا الجيم والكلاش اللامع
ولكن للأسف لم ينشر هذا الإهداء القيم وليتهم ينشرونه في الطبعة القادمة ليتهم.
وتمضي بك رحلة درب الأربعين وأنت تنظر في (مرايا الوجوه)، فترى وجوهاً كلحتها سموم الصحراء فزادتها سواداً على سوادها، قال المعري:
ترد معاطس الفتيان سفعاً•••وقد ثُني اللثامُ على اللثام
نعم وجوه سفع لكنها مشرقة بأنوار الفتوحات الصحراوية والكسب الحلال.
ويمكنني أن أكتب مقالاً مطولاً عن أدب الريافة وأشعارهم الرائعة التي كتبوها على لافتات درب الأربعين.
وبالمحصلة لم يكن درب الأربعين نقشاً عابراً في ذاكرة التاريخ، وقد كان في الجغرافيا مثل درب التبانة ينبض بالنجوم والألق، وكان برزخاً حضارياً سلكه العلماء والشعراء والغزاة والمغامرون، فهل نستدعي ذكراه كما استدعى الصينيون ذكرى طريق الحرير أم نتركه يغوص في صحارى النسيان و زوايا الاهمال.
