لا توجد منطقة رمادية، مع الشعب أو مع الطاغية .. بقلم: عبد الجبار محمود دوسة

 

هنالك فارق شاسع في فهم معنى الوطن في أذهان الشباب الذين انتفضوا يدعون إلى إسقاط النظام الإنقلابي، ويواجهون الموت في كل المدن السودانية ، وبين الشباب الذين يستخدمهم الطاغية جلّادين يقتلون المتظاهرين سلمياً دون أن يرمش لهم جفن أو يصحو فيهم ضمير. الفئتان ولدوا وترعرعوا ونشأوا في كنف النظام الظالم الفاسد، والذي اعتقد عرّابه الثاني علي عثمان محمد طه أنه قد أعاد صياغتهم وغسل أدمغتهم، وحوّلهم إلى دُمي يحرّكونها حيث شاءوا، إلا أن الحقيقة قد استبانت أمام كل رآئي ذو بصيرة، واستقامت عوداً وفروعا. 

فالفئة الأولى احتفظت بتحصينها ضد الأفكار الهدّامة التي سعى النظام إلى ترسيخها في عقولهم بأن الدولة مجرّد تكيّة يسلبون خيراتها ويصرفونها في ملذاتهم اللحظية، وأن الناس ليسو سوى خدم مسخّرين مذلولين يمدّوهم بمتاع الحياة. أما الفئة الثانية، فقد بلعت الطعم واستلذّته، فها هم شباب مغيّب العقل والضمير يطلق النار ليقتل، في سبيل ماذا لا تدري، هل في سبيل دريهمات ليقتات بها من لحم شعبه ويملح طعامه من دمائهم، أليس في عقله مساحة يستريح عندها لحظات ليفكّر، هل هيمن الغسيل على أمخاخهم إلى هذا الحد؟ إن كان الأمر كذلك، فإن مهمّة كبرى من التوعية وتنظيف البثور القيمية تنتظر مرحلة ما بعد التغيير، أي إعادة الحياة إلى شباب أماتوهم عقولاً وضمائر واحتفظوا بهم أجساداً تتحرك.
إن ما فعله نظام القمع مما يعتقد أنه إعادة صياغة كاملة للمجتمع، وظن أنه اجتثّ القيم الأخلاقية وابدلها بشيم الفهلوية بما يجعل الشعب كله يتقبّل الظلم والفساد والذل ويتعايش معه، وفوق كل ذلك يتقبّلهم حكّاماً أبديين عليه، كشفتها الإنتفاضة، وبأنها لم تكن سوى قشور مسحها على جسد المجتمع سرعان ما نفضها الشباب الثائر وبانت من بعده أصالة وصلابة ورسوخ قيم شباب الوطن ناصعة وقوية، وانعكست تلك الحقيقة في الحراك الواسع الذي انتظم كل شبر من أرض السودان، حيث هتف الشعب في عطبرة “يا العنصري المغرور، كل البلد دارفور” ورددت جماهير الفاشر “يا العنصري الغدار، عطبرة الحديد والنار” لوحتان تعبّران عن تلاحم الشعب لإعادة بناء جسور الوحدة الوطنية التي دمّرها النظام. وكما أدرك فرعون بعد فوات الأوان أنه كان في سكرته يعمه، فالطاغية وزبانيته يُسكرهم وهمهم بطول بقائهم في السلطة فيتمادون في الغي حتى إذا ما اكملت الإنتفاضة عدّتها وبلغت جذوتها ذروة وهجها، إحتوتهم في دركها الأسفل لجمرها ولفظتهم رماداً منثوراً في مزابل التاريخ، فالإنتفاضة ماضية بعون الله لا محالة، وبإرادة الجماهير إلى منتهاها السعيد.
لكل أفراد الشعب السوداني نقول، أن الصورة اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، لا توجد مساحة ضبابية ليقف عليها أي شخص موقف الحيرة أو الحياد في هذه القضية المصيرية. نحن أمام وطن أسير يحكمه فاسدون في الجوهر والمظهر، في القول وفي الفعل. وطن أوصلوه إلى غيبوبة بسياسات بائسة وطائشة، ويقودونه الآن إلى مقصلة لبتر أجزائه وهم ينتشون باحتساء دماء ودمعات بنيه. لقد أصدروا شهادة موت لكل الشعب بتعدد الأسباب، بعضهم تحت قصف القنابل بالطائرات وقذائف الدبابات، وآخرون بالقنّاصة بالرصاص من فوق الشرفات، وغيرهم جوعاً ومرضاً، والبعض الآخر غرقاً، ومن لم يمت بكل ذلك يدفعون به إلى بيوت الأشباح ليقضي تحت سياط وأدوات التعذيب. شعب كريم تحت رحمة حاكم غشيم، إنها عطسة الزمان.
بيد أن هبّة ديسمبر، إعلان صريح بأن كرم الشعب وسماحته لم تعودا متاحتين لمن لا يستحق، فقد أتيحت لهم ثلاثين سنة عاشوها (خشاف) بينما عاشها الشعب سنين عجاف، نعم، فاقد الشئ لا يعطيه، لم يكن يوماً للنظام بكل مسمّياته التي تَسمَّى بها عبر مسيرته العوجاء يملك فكراً أو رؤية أو مشروعاً لدولة. بل كان منظّماً لوأد الدولة وبناء الذات بامتصاص موارد البلاد، ولأنه كان منفصلاً عن الأمّة، تراه اليوم يتخبّط في التعامل مع حالة أصابته بالهستيريا، وجعلته رهن الهزيان والرعب، ذلك أن عقليته لا تتواءم في العمل مع الرشد، وإنما مع الصبيانية، وبات يقتل المتظاهرين في الطرقات ويتعدّى على البيوت بتجاوز الحرمات. إن عقله الباطن ينشط بشكل لا إرادي في مناداة شريط ثلاثين عاماً من الجرائم المتراكمة التي تتشكّل سلاسل يراها تنتظره، فتبدو الصورة أمامه قاتمة، والمستقبل ليس سوى جدار شاهق لا حول له بتسلّقه ولا قوة، إنه جدار هتاف الشباب الذي يرتد من الأفق. لقد أدرك أفراد الشعب أن في تلاحمهم نهاية القهر، وأن في تخاذلهم إنعاش للنظام الباطش، ودعوة له ليسترد أنفاسه ويبدأ مرحلة جديدة من القمع.
إلى كل المواطنين نقول، أن القرار اليوم لا يحتمل التردد في الإختيار بين إسقاط النظام أو إسقاط الشعب، هذا النظام الذي يترنّح الآن تحت موجات الإنتفاضة وضرباتها، يبحث عن بارقة أمل ليتشبّث بها بين أفواج المتظاهرين وهديرهم، يأمل في أن يسعفه الوقت ليتراجع المنتفضون أو يبثّ بينهم اليأس، لكننا نقول لكل الشباب والشابات، النساء والرجال، الكبار والصغار، الثائرين لاقتلاع جذور نبتة السوء التي تغلغلت في الدولة والوطن، فأحكمت إمتصاصها لكل خير فيهما، نقول لهم، إذا ظللت داخل بيتك فأنت غير آمن لأنك تفكّر بعقل وقيم تفترضها في نظام لا يملكهما.
هذا النظام لا عقل له ولا قيم، فهو إذاً ينتهك حرمات بيتك ويقتلك أو يقتادك إلى حيث بيوت الأشباح كما يفعل الآن، لذا فإن أفضل وأقصر وأأمن الحلول هي الخروج الجماعي، ذلك فقط هو الطريق إلى إجباره للإنحسار والإنزواء ثم الإستسلام. لقد تعاهد الشباب أنهم سيغسلون تراب الوطن من دنس الطغاة، وأن دماءهم التي تسيل ستكون الزيت الذي يضيئ مصباح الحرية. لم يعد الشباب مستعداً ليترك مستقبلة ألعوبة في أيدي البغاة، وبينما يقدّم الشباب أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن، على من يتأخرون عن الخروج ويجلسون في بيوتهم، أن يسألوا أنفسهم، هل سيتجاوزهم الموت لأنهم بين جدران غرفهم، أم هل يريدون أن يغشاهم الموت بأطباق الجوع أو المرض. عليهم أن يدركوا بأن حواء ترصد في كل حي خُطَى المتخاذلين أو الراجفين أو الخائفين، ومتى توقّفت ساعة الشدّة، فإن رفع الرؤس حينها ستكون أثقل من رعب الخروج الآن مع الجميع.

jabdosa@yahoo.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً