لا جديد فى السياسة الأمريكية تجاه السودان !؟ … بقلم: آدم خاطر

adam abakar [adamo56@hotmail.com]

 

            لقد سبق لى أن تعرضت فى مقالات عديدة للمواقف الأمريكية اجمالاً ازاء السودان على مر الحكومات التى تعاقبت على ادارة الشأن الأمريكي ونظرتهم للسودان  ، وأشرت الى الدوافع التى تنطلق منها التوجهات الأمريكية تحديداً على عهد الانقاذ التى تتقاطع سياساتها كلية والمقاصد الأمريكية فى المنطقة . وقلت أنه لم يجد معها محاولات الحكومة الحالية مع الادارة الأمريكية طيلة حقبتى  بيل كلنتون وجورج بوشالابن ، كل لدورتين كاملتين تباينت خلالها المواقف والتصعيد ، وارتفع الخطاب السياسى ونبرته  وما تولدت عن هذا الحراك من سياسات وما نتج عنها من أفعال وردات فعل من الجانب الآخر ، أدت الى قطيعة نفسية تأصلت فى الوجدان السودانى الجمعى كونه مستهدف لهويته وقيمه ومعتقداته وأعرافه مهما قدم من قرابين ونوايا حسنة ، وتعاون فى ما يسمى مكافحة الارهاب ، سيظل سجله محل استهداف لدى صانعى القرار فى أمريكا وكل مراكز بحثه واستخباراته ، وسيمتد الحصار والعقوبات والتجويع حصرية على السودان الشمالى الذى يشمل دارفور  بالمفهوم الأمريكى الذى يميز بين جنوب البلاد وقضاياها ، وشمال البلاد بكل ما يحمل من رمزيات ودلالات كانت لقاطنيه أو النظام الذى يحكمه !. ولم أكن متشائماً فى نظرتى لمآلات الحال مع أمريكا ولا أعلم الغيب أو أعتقد فى التنجيم وضربة الحظ ، ولكن شواهد السياسة الأمريكية وقرائنها تجاه المنطقة عموماً والسودان بوجه خاص كفيلة بالوصول الى نهاية حتمية للدوامة التى توجدنا فيها متاهات السياسة ومن يراهنون على جدوى الحوار مع أمريكا على أهميته  لكن نتيجته تظل دون طائل  !. وبنظرة بسيطة لما أسمته الولايات المتحدة ( " دول محور الشر" هذا التصنيف الذى ولدته المصالح الأمريكية وغايته حرب معلنة وشاملة على دوله  الموصوفة – العراق – ايران –  كوريا الشمالية ) لكنه تمدد ليشمل بلداناً أخرى ضمت سوريا –  السودان وليبيا ( لبعض الوقت ) من واقع الاستراتيجية التى أقرت والقائمة تطول ، والنعوت التى أصبغتها على هذه الدول ، وما أعقبها من حملات واستهداف استمر فى بعضها لأكثر من ثلاثة عقود  وما يزال ،  ظلت السياسة الأمريكية  المعلنة على ما هى عليه حتى وان تم اجتياح هذه البلدان غزواً ، أو أحكمت عليها صنوفا من العقوبات والتدابير طويلة المدى فى سياق الاستنزاف والابتزاز الذى تمارسه واشنطون ، ويظل السودان لاعتبارات موارده وسياساته احدى هذه الحلقات مهما أبدى من مرونة وتفهم لمقتضيات الواقع الدولى الراهن ومجاراة الوصفات الأمريكية التى تتنقل وفقاً لمصالحها التى لن تنتهى حتى وان صرنا الى تطبيق حرفى و كامل لاتفاق السلام الشامل ، أو انتهت الأزمة فى دارفور ، ستبقى هذه  الأجندة سيوفا مسلطة على الرقاب تلاحقه ولكنها قد تؤخر الذبح بعض الوقت اذا ما واجهتها عقبات ومأزق على شاكلة ما يجرى لقواتها فى العراق وأفغانستان  !. فالسياسة الأمريكية تحكمها قيود عصية التجاوز تمليها قنوات ومؤسسات ومجموعات ضغط ونشطاء ومصالح داخلية وارتباطات هى من تحدد فلكها وآلياتها وشروطها الظالمة فى كل الأزمان دون تحديد لسقف أو تقدير لتنازلات ضمنتها !.   وشواهد ذلك ما تضمنه البيان الأمريكى يوم الاثنين 19 أكتوبر 2009م من اعلان لمضمون السياسة الأمريكية الجديدة ( العصا والجزرة ) تجاه السودان التى تأخرت بعض الشىء فى سلم الأولويات بعد أفغانستان والشرق الأوسط ، فجاء مولودها مخيباً للآمال وخاليا من (التغيير ) الذى طالما بشر به وتحدث عنه أوباما – الافريقى – الأسود – بخلفياته المعروفة !!.

            لا أريد أن استبق باضفاء الظلامية على جوهر السياسة التى أقرتها واشنطون امتداداً لنهج مجرب لم ولن يقودها للنتائج التى ترمى اليها ، سيما وأن السودان اعتمد سياسة الانخراط الايجابى معها وقطع شوطا مقدرا فيما تم التوافق عليه مع مبعوثيها الكثركان فى شأن الجنوب أو دارفور أو على المستوى الثنائى ،  لكن أمريكا ظلت على الدوام طرف غير نزيه ومخادع وبلا مبادىء فى حواراتها ولن تف بوعودها وماضية فى اتباع شتى ألوان الهيمنة والاستعلاء التى توجب المواجهة لا الترحيب !. فالحديث عن حوافز مبهمة وضغوطات ماضية الآن على أرض الواقع يكشف أن السودان بات تحت سقف الترضيات والموازنات بين الصقور داخل أمريكا لا التقارب والشفافية والاحترام المتبادل كسائر الدول ذات السيادة !.  صحيح أن الورقة التى أعلنت خلت من الأفكار المتطرفة من تدخل عسكرى وحظر للطيران كما كان يرى مبعوثها وليامسون  جهرة ، لكنه لا أحد يستطيع أن يجزم  بما تستبطنه النوايا الأمريكية وحلفائها بالداخل ( الحركة الشعبية ) التى طلبت اليها موالاة  الضغط  وتكريسه على الشمال والانفتاح على الجنوب ودعمه سياسياً ومادياً وعسكرياً حتى يصار الى السودان الجديد !. فالتوجهات الامريكية  الجديدة تجاهلت عن عمد سائر التفاهمات واللقاءات التى أقرت فى السابق مع واشنطون للانتقال بعلاقات البلدين من مربع القطيعة والكراهية وسلاح الاستحواز والعداء  لتقفز الى مستقبل مجهول لا ينطلق من خطوات عملية ملموسة تلتزمها الحكومة الأمريكية فى مقبل الأيام لأنها حددت لنفسها مراقبة أفعال الحكومة السودانية وسلوكها فيما تقدم عليه من سياسات وبرامج  ، وأن دورها سينحصر فى التقييم لهذه الأفعال وكأنها تقر بداية بحتمية الجرم الذى سترتكبه الدولة لتقوم هى باقرار العقوبة على طريقتها طالما بقيت الشرطى والرقيب !. وبفهم أمريكا على السودان أن يطلق يد التمرد لضرب حالة الاستقرار وتفكيك البلاد وتمزيق نسيجها المجتمعى ، والا فانها  لن تتساهل فى انتهاكات  حقوق الانسان كمدخل ذرائعى مناسب وتهديد خفى لما عجزت واشنطون عن قوله صراحة !. بل ان وصفها لما يجرى فى دارفور بالابادة الجماعية كان متوقعاً لابقاء أوباما على حافة العداء للسودان رغم أن هذا الاتهام بات معزولا اقليمياً ودولياً فى توصيف الحالة هناك ويخالف الواقع برؤية منصفة ويضرب فى جهود الدولة فى التسوية والمصالحة القادمة عبر الدوحة ، بل ويصادم ما أقره مبعوثها غرايشون عند بداية مهمته بأن السودان غادر هذا الفهم ويتقدم فى مسار استكمال استحقاقات السلام ،  ولكن مطلوبات السياسة الجديدة لابد لها من أن تبقى على هذه ( الفرية ) وكذا ادخال مفردة (الارهاب) حشرا فى ثنايا الورقة  بأغراضها المعلومة ،  على ما أبدته الدوائر الأمريكية المختصة من شهادة بخلو سجل السودان من تعاون أو رعاية لهذه الناحية عن تجربة ودليل قدمه السودان طواعية رغم الارهاب الذى واجهته به الآلة الامريكية فى ضرب مصنع الشفاء ، ولكن ارضاء مجموعة بايدن – رايس – هنرى كلينتون وبعض اللوبيات الصهيونية  وتوابعها يظل مقدما على الحقائق الدامغة وسبيل المنطق مع هكذا آذان!.

            وانى لأعجب فى استقبال الاعلان الأمريكى بأى ترحيب على أى مستوى ، وكيف لنا  أن نصف هذه السياسة القديمة والتى أعيد انتاجها فى صيغة حوافز غير موصوفة ولا محددة الآجال وقد لا تتجاوز النفط وفك الحظر الأمريكى لبعضها شركاتها فى محاولة للسيطرة على هذا الموردوالالتفاف على الانجازات التى تحققت فيه  !.  وهى تبقى على العقوبات الاقتصادية بل وعد أوباما بتجديدها وهى التى أضحت النهج المعتمد لواشنطون تجاه الخرطوم ،كيف لنا  أن نوصفها  بالايجابية فى أى من محاورها ،  وأكثر ما يجعلها مستفزة ومهينة هو قطع الاتصال مع الرئيس البشير وما يهدف اليه من انتقاص لسيادة البلاد والتشكيك فى مشروعيته كرئيس للدولة والحزب الحاكم واسقاطات ذلك على واقعنا السياسى فى منحى التفافى لاحياء الجنائية وأبعادها الماكرة !. هذا التعامل غير اللائق على نحو ما ظل تعاطيهم مع الحكومة اللبنانية السابقة ورئيسها لحود من شأنه أن يلقى بظلاله السالبة على معطيات كثيرة بالتشويش ويحمل الغرب على مسايرة الرؤى الأمريكية باتجاهنا  ، مما يجعلنى أكثر اشفاقاً بالتوصية لأهل الشأن بدراسة السياسة الأمريكية بتمعن وروية بكل أبعادها ومراميها التى تحمل من النذر والشرور دون حوافز أراها الا لجهة مصالحها وخدمة استراتيجتها !. أين تكمن ايجابية واشنطون التى يقول بها البعض والحديث عن تقدم فى العلاقات الثنائية كان غائباً ووعود مبعوثها  ذهبت أدراج الرياح فى كل ما قطعه على نفسه من التزام لايملك آليات تنفيذه والوفاء به  !. كيف القبول بالتعاطى وقائد الدولة محجوب عنه رسل العناية الالهية الأمريكية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ومن بيده أوامر الحرب والسلم وكل الاتفاقيات التى يتنكبها الراعى الأمريكى أقرت فى عهده وبواسطة موظفيه ومؤسساته ، وهو الضامن الوحيد لأى تنفيذ أو تقدم لأى من مسارات السلام ومستحقاته !. ما قيمة الوقت والجهد الذى أهدر فى الترحيب بالمبعوثين الأمريكان والمساحة التى منحت اليهم؟ ، وهم لا يملكون فرض ارادة على دولة ومؤسسات تديرها أجهزة الاستخبارات المتمرسة فى صناعة الأزمات والحروب !. أى جدوى فى الحوار مع أمريكا ومؤشراته ونتائجه تمضى عكسية الوجهة ارتدادية الضربات وسياستها المعلنة لم تقر بأى فضل أو منفعة حققها النظام فى السودان حتى لا تمنحه أى تقدير يمكن أن ينسب اليه !. أين تكمن الجزرة الأمريكية والعصا الممدودة أنهكت كاهل البلاد وأعيت مسيرها بالاطالة واضاعة الوقت دون بلوغنا أى هدف يمكن أن يبرر استمرارنا فى هكذا حوار لمجرد أنها دولة عظمى وشراكها منصوبة على الدوام  !. ما الذى حققته الأجهزة الأمنية من رهانها على تعاونها مع واشنطون لمكافحة  الارهاب وهى تواجه بتهم الايواء والدعم  ومطلوبات جديدة ، والبلاد مقبلة على تحديات كبيرة وموعودة بمهددات أعقد !. لماذا لم تسمى الوزيرة الأمريكية قائمة الحوافز والعقوبات وجعلتها للرجم والظنون ولا ندرى أيها يتقدم الآخروسط هذا الغموض والتاريخ الأمريكى بارع فى الكذب والتنصل عن التزاماته !. يبقى واقع تطبيق هذه السياسة على الأرض هو المحك الفعلى الذى تقاس بموجبه حقيقة الأهداف الأمريكية ، وأن مبادىء السودان ومنافعه ستبقى هى المحرك والدافع لاستمرار الانخراط مع أمريكا على هيمنتها وجبروتها ، لكنه ينبغى أن نأخذ العظة من ماضى التعاطى معها ، وأن تكون مواقفنا حذرة وكيسة أمام ما صدر من دوافع جلها لا يخدم القضايا التى تواجهنا ولايعيرها اهتمام ، وأن التعويل على حلول تقودها أمريكا لما نحن بصدده يبقى من باب اللاستغفال والغباء ، وقد تعددت تجاربنا فى الحوار منذ تفجر الانقاذ ولم نجنى بالانخراط ما كسبناه بقوة الخطاب والسنان وعزة الجهاد واستشهاد الأخيار من اخوة الزبير الذين يلزمنا نحوهم بعض الوفاء لدمائهم التى تدنسها اليد الأمريكية وهى تحمل القديم البالى لتقزيم السودان وقادته وتريد لنا أن لا نبارحه، ولكم عشنا بدونها ونعمنا  فهل من اعتبار !؟

عن أدم خاطر

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً