باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 2 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبده الحاج
عبده الحاج عرض كل المقالات

لا سلام بالانحياز إلى الحرب: بين وحدة الشعارات واختلاف المواقف

اخر تحديث: 2 أغسطس, 2026 11:50 صباحًا
شارك

عبده الحاج – 30 يوليو 2026

لا يختلف كثير من السودانيين اليوم حول شكل الدولة التي يريدون بناءها بعد انتهاء الحرب، فقد أصبحت قضايا مثل وقف القتال، وحماية المدنيين، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وسيادة حكم القانون، والمواطنة المتساوية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية موحدة تخضع للسلطة المدنية وسيادة الدستور، تمثل أرضية مشتركة بين مساحة واسعة من القوى المدنية، كما تعكس تطلعات كثير من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى التمسك أكثر بفكرة الدولة، لا بفكرة الغلبة.
ولهذا يكتسب هذا الاتفاق أهمية كبيرة، لأن المجتمعات التي تخرج من الحروب لا تبدأ إعادة بناء نفسها من الصفر، وإنما تنطلق من مساحة مشتركة تلتقي عندها مكوناتها المختلفة. وبرغم ما أصاب السودان من انقسام ودمار، فما تزال هذه المساحة قائمة، وما يزال من الممكن البناء عليها.
لكن الاتفاق على الهدف لم يكن كافيًا للاتفاق على الطريق إليه. فمع امتداد الحرب، انقسمت القوى المدنية بين من رأى أن تحقيق تلك الغايات يمر عبر انتصار أحد طرفي القتال، ومن رأى أن دورها هو الحفاظ على استقلالها والعمل من أجل إنهاء الحرب دون الانخراط في أي من معسكريها. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التباين واحدًا من أبرز مظاهر المشهد السياسي السوداني.
لكن هذا الخلاف لم يكن، في جوهره، حول شكل الدولة المنشودة أو المبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها، بل كان يدور حول وظيفة القوى المدنية أثناء الحرب. فقد رأت بعض المواقف أن دورها هو ترجيح كفة أحد طرفي القتال باعتباره الطريق الأقرب لتحقيق تلك المبادئ، بينما تمسكت مواقف أخرى بأن هذه الوظيفة لا يمكن أن تؤدى إلا بالحفاظ على استقلال المجال المدني والعمل من أجل إنهاء الحرب نفسها.

من الطبيعي أن تعيد الحرب ترتيب أولويات المجتمع. فحين تندلع الحرب، ويتسع الموت والنزوح، ويتدهور الاقتصاد، تتراجع كثير من القضايا التي كانت تشغل الناس في أوقات السلم. لكن الحرب لا تغير الأولويات فقط، بل تغير أيضًا أدوار الناس ومؤسساتهم.
في وقت السلم، لكل طرف دوره. الدولة تدير شؤون الناس، والأحزاب تتنافس سياسيًا، والنقابات تدافع عن أعضائها، ومنظمات المجتمع المدني تخدم المجتمع، والإعلام ينقل الأخبار ويراقب الأداء. وهكذا يؤدي كل طرف دوره. لكن عندما تشتعل الحرب، يبدأ هذا التوازن في الاختفاء. شيئًا فشيئًا يصبح الجميع مطالبًا بأن يختار معسكرًا يقف معه، وتضيق المساحة التي يمكن أن يبقى فيها مستقلًا.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. فالحرب لا تكتفي بإرسال الجنود إلى ساحات القتال، بل تحاول أن تجر الجميع إليها. تريد الإعلام أن يصبح جزءًا منها، والأحزاب أن تنحاز إليها، والنقابات أن تصطف معها، والمنظمات أن تخدم أحد معسكريها، وحتى المثقفين ورجال الدين أن يتحدثوا بلغتها. وكلما اتسعت دائرة هذا الاصطفاف، ضاقت المساحة التي يستطيع المجتمع أن يعمل فيها خارج منطق الحرب.
ولذلك، فإن أخطر ما تفعله الحروب ليس الدمار الذي تتركه في المدن وحده، بل ما تفعله بالمساحة التي يلتقي فيها الناس خارج المعركة. فكلما أصبح الانحياز إلى أحد طرفي القتال هو معيار الوطنية أو الأخلاق أو حتى الإنسانية، ضاقت هذه المساحة، وفقد المجتمع المكان الذي يستطيع أن يناقش فيه مستقبله بعيدًا عن إملاءات السلاح.
ولهذا، فإن القضية ليست اختيار الطرف الذي يبدو أقرب إلى تحقيق بعض الأهداف المعلنة، بل الحفاظ على مساحة مدنية مستقلة تعمل من أجل إنهاء الحرب نفسها. فكلما ضاقت هذه المساحة، اتسعت الحرب. وكلما بقيت مستقلة، بقي الأمل في سلام يشارك في صنعه جميع السودانيين، لا سلام يفرضه المنتصر على المهزوم.

لا يكفي أن تتفق القوى السياسية أو المدنية على الأهداف الكبرى حتى تصبح على الطريق نفسه؛ فالغاية وحدها لا تحدد طبيعة المشروع، وإنما تحددها أيضًا الوسائل التي تُختار للوصول إليها.
ولهذا، قد يرفع طرفان الشعارات نفسها، ويتحدثان عن الدولة المدنية، والديمقراطية، وسيادة القانون، وحماية المدنيين، لكنهما يسلكان طريقين مختلفين تمامًا. فقد يرى أحدهما أن هذه الأهداف لا تتحقق إلا عبر انتصار أحد طرفي الحرب، بينما يرى الآخر أن الانخراط في الحرب، أو إسناد أحد معسكريها، يقود إلى نتيجة معاكسة، لأنه يجعل من الحرب نفسها الوسيلة لبناء السلام.
وهنا يظهر الفرق بين مشروعين مختلفين في طبيعتهما. فهناك مشروع يجعل إنهاء الحرب هو نقطة البداية، ويرى أن بناء الدولة لا يمكن أن يبدأ إلا بعد إيقاف آلة القتال وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي. وفي المقابل، هناك مشروع آخر يؤجل السلام إلى ما بعد حسم المعركة، ويجعل الوصول إلى الدولة المدنية مرهونًا أولًا بانتصار طرف عسكري على الآخر.
وقد تبدو المسافة بين المشروعين صغيرة في البداية، لأن كليهما يتحدث عن الأهداف نفسها، لكنها في الحقيقة مسافة كبيرة؛ لأن أحدهما يبدأ بالسلام ليبني الدولة، بينما يبدأ الآخر بالحرب على أمل أن تقود، في نهاية المطاف، إلى السلام.
وهنا لا يعود الخلاف حول الشعارات، بل حول المنهج نفسه. فالدولة المدنية تحتاج إلى توسيع مساحة السياسة. فالدولة المدنية تحتاج إلى توسيع مساحة السياسة، بينما يؤدي توسيع دائرة الحرب إلى مزيد من الاعتماد على السلاح. والسلام يحتاج إلى مساحة مستقلة تجمع المختلفين وتعيدهم إلى السياسة عندما تعجز البنادق عن تقديم الحل.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الانقسام الذي أصاب القوى المدنية كان نتيجة خلاف حول الأهداف الكبرى أو حول مستقبل السودان بعد الحرب، لكن مراجعة مسار الأحداث تشير إلى غير ذلك. فالقدر الأكبر من هذه القوى كان متفقًا، قبل الانقسام، على المبادئ الأساسية المتعلقة بوقف الحرب، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. ولم تكن هذه المبادئ محل نزاع حقيقي بين مكوناتها.
ولذلك، فإن القول إن القوى المدنية انقسمت لأنها كانت تفتقر إلى أرضية مشتركة، لا ينسجم مع الوقائع. فالتحالفات المدنية التي سبقت الانقسام قامت أصلًا على تلك الأرضية، وكانت قد توصلت بالفعل إلى قدر واسع من الاتفاق حول القضايا التي ما تزال تُطرح حتى اليوم بوصفها أهدافًا مشتركة.
لكن نقطة التحول لم تكن في الأهداف، بل في الوسيلة، فقد رأت بعض المكونات أن تحقيق تلك الأهداف يقتضي الالتحاق بأحد طرفي الحرب، بينما تمسكت مكونات أخرى بأن استقلال القوى المدنية ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، وإنما هو شرط لبقاء المجال المدني خارج الاستقطاب العسكري، حتى يظل قادرًا على العمل من أجل السلام.
ومن هنا بدأ الانقسام الحقيقي. فلم يكن بين دعاة الدولة المدنية وخصومها، ولا بين أنصار الديمقراطية ومعارضيها، وإنما بين رؤيتين مختلفتين لدور القوى المدنية أثناء الحرب؛ رؤية تجعلها جزءًا من أحد معسكري الصراع، ورؤية ترى أن قيمتها الحقيقية تكمن في بقائها خارجهما.
وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. فإذا كان الاتفاق على المبادئ قائمًا قبل الانقسام، وكان الانقسام قد وقع عندما اختلفت القوى المدنية حول وسيلة تحقيق تلك المبادئ، فإن الدعوة إلى استعادة الوحدة بالوسيلة نفسها التي صنعت الانقسام، لا تعالج أصل المشكلة، بل تعيد إنتاجها في صورة جديدة.
فالوحدة لا تنشأ من الاتفاق على الشعارات وحدها، وإنما من الاتفاق أيضًا على الطريق الذي تُترجم به تلك الشعارات إلى ممارسة سياسية. وإذا كان هذا الطريق يؤدي إلى تحويل القوى المدنية إلى جزء من الحرب، فإن النتيجة لن تكون توسيع المجال المدني، بل تضييقه، ولن تكون جمع صفوفه، بل إدخاله مرة أخرى في الانقسام نفسه الذي لم يتعافَ منه بعد.

إذا كان الهدف هو استعادة وحدة القوى المدنية، فمن المهم الانطلاق من حقيقة أن هذه القوى لم تفقد مشروعها المشترك. فقد كانت، قبل الانقسام، تلتقي على مساحة واسعة من الاتفاق حول المبادئ الأساسية التي ينبغي أن يقوم عليها مستقبل السودان. وقد تجسد هذا الاتفاق في مواثيق وإعلانات سياسية ووثائق مشتركة، أكدت جميعها على وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وسيادة حكم القانون، والمواطنة المتساوية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. ولم تكن هذه المبادئ محل خلاف جوهري بين القوى التي اجتمعت حولها، بل كانت هي الأساس الذي منح مشروعها المدني شرعيته.
ومن هنا، فإن استعادة الوحدة لا تبدأ بإعادة صياغة تلك المبادئ، ولا بالبحث عن مشروع بديل يحل محلها، لأنها ما تزال تمثل القاسم المشترك الأوسع بين مكونات القوى المدنية. فالمشكلة لم تكن في غياب الأرضية المشتركة، وإنما في إضافة شروط جديدة لم تكن جزءًا منها، وفي مقدمتها ربط هذا المشروع المدني بالاصطفاف إلى جانب أحد طرفي الحرب.
وهنا يكمن جوهر الإشكال. فإذا كانت هذه الإضافة هي التي دفعت القوى المدنية إلى الانقسام، فمن الصعب أن تكون هي نفسها الطريق إلى استعادة وحدتها. فالوسيلة التي صنعت الانقسام لا يمكن أن تصنع الوحدة. وكل محاولة لإعادة جمع القوى المدنية على أساس الانحياز إلى أحد المعسكرين لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج السبب نفسه الذي أدى إلى تفرقها.
ولهذا، فإن استعادة الوحدة لا تتطلب إعادة اكتشاف المشروع المدني، لأنه موجود بالفعل، ولا كتابة مواثيق جديدة، لأن كثيرًا من عناصر الاتفاق قد كُتب ووُقع عليه من قبل. وإنما تتطلب تحرير هذا المشروع من الإضافات التي فرضتها الحرب، والعودة إلى الأرضية التي التقت عندها القوى المدنية قبل أن يصبح الاصطفاف العسكري شرطًا للانتماء إليها.
إن المجتمعات لا تحتاج في كل أزمة إلى اختراع عجلة جديدة. فكثيرًا ما يكون الطريق الأقصر هو إزالة ما تراكم على العجلة القائمة من غبار، حتى تعود إلى أداء وظيفتها. وكذلك الحال هنا؛ فاستعادة وحدة القوى المدنية لا تبدأ من البحث عن اتفاق جديد، بل من استعادة الاتفاق الذي أثبتت التجربة أنه كان قادرًا على جمعها قبل أن تتدخل الحرب في إعادة تعريف أولوياتها ووظائفها.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى وحدة القوى المدنية لا ينبغي أن تكون دعوة إلى الالتفاف حول أحد أطراف الحرب، وإنما دعوة إلى الالتفاف حول المشروع المدني نفسه. ولذلك فإن استعادة وحدة القوى المدنية لا تبدأ بإقناع المختلفين بالانحياز إلى المعسكر نفسه، وإنما بإزالة الشرط الذي فرّقهم منذ البداية، والعودة إلى المشروع الذي سبق أن جمعهم.
غير أن الحفاظ على هذا المشروع المشترك يقتضي أيضًا حماية الوسيلة التي يُراد الوصول إليه بها. فالغايات الكبرى لا تتحقق بمجرد الاتفاق عليها، وإنما تتأثر بالطريق الذي يُسلك للوصول إليها. وقد أثبتت التجربة أن بعض الوسائل، مهما بدت أقرب إلى تحقيق الأهداف، قد تنتهي إلى إعادة تشكيلها، بل وإبعادها عن مقصدها الأصلي.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها القوى المدنية نفسها أمام إغراء البحث عن طريق يبدو أقصر للوصول إلى أهدافها. ففي أوقات الأزمات والحروب، كثيرًا ما يبرز الاعتقاد بأن الانتصار العسكري لطرف يُنظر إليه باعتباره “الأقرب” إلى تلك الأهداف، قد يكون الطريق الأسرع لإنهاء الصراع وفتح الباب أمام بناء الدولة.
لكن التجارب، في السودان وغيره، تكشف أن الطريق الأقصر ليس دائماً هو الطريق الصحيح. فالوسائل ليست محايدة؛ فهي تترك بصمتها على الغايات، بل تعيد تشكيلها. ولذلك، فإن الغاية لا تتحقق بمعزل عن الوسيلة التي تُستخدم للوصول إليها.
ولهذا، فإن الدعوة إلى بناء السلام عبر إلحاق القوى المدنية بأحد معسكري الحرب، تحمل في داخلها تناقضًا يصعب تجاوزه. فكل قوة مدنية تنخرط في الحرب، تفقد في الوقت نفسه جزءًا من قدرتها على أداء الدور الذي لا يستطيع أي طرف عسكري أن يؤديه، وهو بناء الجسور بين السودانيين، والدفاع عن الضحايا جميعًا، وتهيئة المناخ الذي يمكن أن يولد فيه السلام.
ولا يتعلق الأمر هنا بحسن النوايا أو سوءها، ولا بمدى اتفاق هذا الطرف أو ذاك مع المطالب المدنية. فالقضية الأهم هي أن القوى المدنية، متى أصبحت جزءًا من أحد معسكري الصراع، ستُقاس مواقفها كلها من خلال ذلك الاصطفاف، وسيفقد خطابها تدريجيًا القدرة على مخاطبة المجتمع بأكمله، لأنه سيُنظر إليه بوصفه امتدادًا لموقف عسكري، لا بوصفه تعبيرًا عن ضمير مدني مستقل.
ولا تقف الخسارة عند الاستقلال، بل تمتد إلى الثقة نفسها. فالمجتمع الذي تمزقه الحرب، يحتاج إلى جهة تستطيع أن تخاطب جميع أبنائه، لا إلى جهة تضيف صوتًا جديدًا إلى أصوات المعسكرات المتصارعة. وكلما تقلصت هذه المساحة المشتركة، أصبح الانتقال من الحرب إلى السلام أكثر صعوبة، لأن المجتمع يفقد بالتدريج المؤسسات والقوى القادرة على جمع ما فرقته الحرب.
لذلك، فإن استقلال القوى المدنية ليس ترفاً سياسياً، ولا محاولة للوقوف في منطقة رمادية بين الضحية والجاني، وإنما هو ضرورة تفرضها طبيعة الدور الذي يُنتظر منها أن تؤديه. فكما أن وظيفة الجندي هي القتال، فإن وظيفة القوى المدنية هي حماية المجال الذي يمكن أن يعود إليه السودانيون عندما تضع الحرب أوزارها.

في كل مجتمع، تتوزع الأدوار بين مؤسساته وقواه المختلفة. فلكل منها وظيفة يؤديها، ولا يكتمل البناء إلا إذا حافظ كل طرف على دوره. وعندما تختلط هذه الأدوار، لا تتعطل وظيفة مؤسسة واحدة فحسب، بل يختل توازن المجتمع كله.
فالطرف العسكري، بطبيعته، يخوض الحرب ويسعى إلى تحقيق أهدافه بالوسائل العسكرية. وقد نختلف أو نتفق مع مواقفه، لكن أحدًا لا يتوقع منه أن يكون الجهة التي تجمع الخصوم حول طاولة الحوار، أو أن يمثل المساحة المشتركة التي يمكن أن يلتقي فيها الجميع.
أما القوى المدنية، فقد نشأت أصلاً لتؤدي دوراً مختلفاً. فهي ليست طرفًا في المعركة، وإنما الجهة التي تدافع عن السياسة في مواجهة السلاح، وعن الحوار في مواجهة العنف، وعن المجتمع في مواجهة الاستقطاب. وهذه الوظيفة لا تُعد موقفًا تكتيكيًا يمكن تغييره بحسب تطورات الميدان، بل هي سبب وجودها، ومصدر مشروعيتها.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث أثناء الحرب ليس انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك، وإنما أن تفقد القوى المدنية وظيفتها، فتتحول هي الأخرى إلى جزء من معادلة الصراع. فعندها لا يخسر المجتمع تنظيمًا سياسيًا أو منبرًا إعلاميًا فحسب، وإنما يخسر الجهة الوحيدة التي كان يمكن أن تعمل على رأب الصدع بعد أن تتوقف البنادق.
ومن هنا، فإن استقلال القوى المدنية لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الضحية والجاني، ولا يعني التردد في إدانة الجرائم والانتهاكات أيًا كان مرتكبها. بل يعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ أن تظل بوصلتها موجهة نحو إنهاء الحرب نفسها، لا نحو ترجيح كفة أحد أطرافها.
فمن يدين الانتهاكات يجب أن يدينها حيثما وقعت، ومن يدافع عن المدنيين يجب أن يدافع عنهم جميعاً، والذي ينادي بالعدالة لا يجوز أن تصبح العدالة عنده مرتبطة بهوية الجاني أو الضحية. لأنه فعندما تصبح المبادئ انتقائية، تتحول من مبادئ تحكم الموقف إلى أدوات تخدم الاصطفاف.
ولهذا، فإن وظيفة القوى المدنية ليست أن تبحث عن الطرف الذي يمكن أن تنتصر من خلاله، بل أن تحافظ على المساحة التي يستطيع جميع السودانيين العودة إليها عندما يكتشف الجميع، كما حدث في كل الحروب، أن البنادق قد تحسم معركة، لكنها لا تبني وطنًا.
ومن هنا، فإن المشروع المدني أثناء الحرب لا يتمثل في إدارة الصراع، ولا في ترجيح كفة أحد طرفيه، وإنما في إدارة الطريق الذي يخرج بالمجتمع من الحرب ويعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي. فالقوى المدنية لا تُقاس بقدرتها على الانتصار في معركة، وإنما بقدرتها على أن تجعل العودة إلى السياسة ممكنة عندما تصل الحرب إلى حدودها.

في خضم الحروب، يختلط على كثيرين هدفان مختلفان؛ إزالة خصم سياسي، وبناء دولة مستقرة. وقد يبدو الجمع بينهما أمرًا طبيعيًا، لكن التجارب تشير إلى أنهما ليسا بالضرورة طريقًا واحدًا. فقد تنجح الحرب في إضعاف خصم أو إقصائه، لكنها لا تبني، بمجرد ذلك، مؤسسات الدولة، ولا تستعيد السياسة، ولا تؤسس لسلام دائم. بل قد يتحقق الهدف الأول على حساب الثاني، إذا أصبحت الحرب نفسها هي الأداة التي يُراد بها الوصول إلى الدولة المدنية.
لكن هذا الافتراض لا يقاس بجاذبية شعاره، وإنما بالنتائج التي ينتجها الطريق المختار لتحقيقه. ولا تتوقف المسألة عند مشروعية إضعاف نفوذ الإسلاميين لدى قطاع واسع من السودانيين، وإنما تمتد إلى الطريق المستخدم لتحقيق ذلك. فإسناد طرف عسكري في حرب مدمرة قد يوسع الحرب، ويضاعف الدمار، ويؤجل السلام، ويجعل مستقبل الدولة المدنية أكثر بعدًا وتعقيدًا.
فالطريق إلى الدولة المدنية لا يُقاس فقط بمن يخرج مهزومًا من المعركة، وإنما أيضًا بما تبقى من الدولة والمجتمع بعد انتهائها. وإذا كان السعي إلى كسر نفوذ جماعة سياسية يؤدي إلى اتساع رقعة الموت، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار السلاح، وصعود قوى عسكرية جديدة تفرض مشروعها بقوة الأمر الواقع، فإن النتيجة لا تكون استعادة المسار المدني، بل إغراقه تحت ركام حرب أطول وأعمق.
وهنا ينبغي التمييز بين هدفين مختلفين: إضعاف نفوذ الإسلاميين من خلال مشروع سياسي ومدني وقانوني، وإنهاء سيطرتهم على الدولة ومؤسساتها؛ واستخدام الحرب نفسها أداة لتحقيق ذلك. فالأول ينتمي إلى مشروع التحول الديمقراطي، أما الثاني فيجعل هذا التحول مرهونًا بانتصار عسكري لا تملك القوى المدنية شروطه ولا نتائجه ولا القدرة على التحكم في مساره بعد أن يتحقق.
كما أن دعم أحد طرفي الحرب لا يصبح موقفًا مدنيًا لمجرد أن صاحبه يعلن أنه لا ينتمي إلى ذلك الطرف. فالعبرة ليست بما تسمي الجهة نفسها، وإنما بالوظيفة التي تؤديها في الواقع. فإذا تحولت منصة مدنية إلى منبر إعلامي يدافع عن طرف عسكري، ويبرر مواقفه، ويسهم في تحسين صورته، ويوفر له الدعم السياسي أو المعنوي أو الاقتصادي، فإنها تؤدي وظيفة الحاضنة السياسية، مهما رفضت هذا الوصف أو اختارت لنفسها اسمًا آخر.
فالحاضنة السياسية ليست اسماً أو بطاقة عضوية، ولا إعلانًا تنظيميًا مكتوبًا، بل علاقة تحددها الوظيفة. ومن يضطلع بصورة مستمرة بتوفير الغطاء السياسي والإعلامي لطرف عسكري، يصبح جزءًا من بنيته السياسية، حتى وإن احتفظ بشعاراته المدنية أو أعلن أنه يقف على مسافة تنظيمية منه. والمشكلة هنا ليست في التسمية، وإنما في الأثر الفعلي لهذا الدور على الحرب وعلى المجال المدني.
ولهذا، فإن الاكتفاء بالقول إن هذه القوى ليست حاضنة لذلك الطرف لا يغيّر من طبيعة الوظيفة التي تؤديها. فالقضايا السياسية لا تُحسم بالأسماء التي تمنحها الجهات لنفسها، بل بما تقوم به على الأرض، وبالطرف الذي يستفيد من خطابها وتحركاتها ومواقفها. إذا كانت النتيجة العملية هي تعزيز طرف عسكري سياسيًا وإعلاميًا، فإن إنكار الصفة لا يلغي الوظيفة.
والأهم أن هذا النوع من الانحياز لا يقرّب السلام، بل يؤخره. فهو يمنح الطرف المدعوم سبباً إضافياً للاستمرار في القتال، لأنه يشعر أن وراءه غطاءً سياسيًا ومدنيًا، ويمنح الطرف الآخر ذريعة جديدة للتعبئة والتحشيد وإقناع أنصاره بأن الحرب أصبحت حربًا وجودية ضد مشروع سياسي كامل. وهكذا ترتفع كلفة التراجع لدى الطرفين، وتتراجع فرص التسوية، وتتحول القوى المدنية من قوة يفترض أن تضغط باتجاه وقف الحرب إلى قوة تسهم، من حيث تقصد أو لا تقصد، في إطالة عمرها.
إن عقارب ساعة السلام لا تتحرك إلى الأمام بإضافة مزيد من الوقود إلى معسكرات الحرب، وإنما تتحرك حين يبدأ المجتمع في سحب الشرعية السياسية منها، والضغط عليها لوقف القتال، وفتح الطريق أمام السياسة. ولذلك فإن الانحياز لطرف عسكري، حتى تحت شعار الدفاع عن الثورة أو كسر نفوذ الإسلاميين، لا يختصر الطريق إلى الدولة المدنية، بل قد يطيل الطريق إليها، ويضاعف التضحيات التي سيدفعها السودانيون قبل الوصول.
فإذا كان الهدف هو استعادة المسار المدني الديمقراطي، فإن الوسيلة التي توسع الحرب، وتزيد اعتماد المجتمع على القوى المسلحة، وتمنح أحد أطرافها حاضنة سياسية جديدة، لا يمكن أن تكون هي الوسيلة الأقرب إلى ذلك الهدف. إن كسر نفوذ الإسلاميين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لكسر المجتمع والدولة معًا، ولا يجوز أن يصبح اسم الثورة غطاءً لطريق يبعد السودان عن السلام بدل أن يقربه منه.

حين تنقسم القوى المدنية بين معسكري الحرب، لا تخسر وحدتها وحدها، بل يتغير الصراع نفسه. فكل طرف عسكري يسعى، بطبيعته، إلى توسيع دائرة المؤيدين له، ليس في الميدان العسكري فحسب، بل في الفضاء السياسي والإعلامي أيضًا. ولذلك، فإن كل منبر مدني ينحاز إلى أحد معسكري الحرب، يصبح إضافة جديدة إلى أدوات ذلك المعسكر، حتى وإن ظل يرفع شعارات السلام.
وفي المقابل، لا يقف الطرف الآخر مكتوف اليدين. فهو يجد في هذا الانحياز فرصة لتعزيز خطابه، وإقناع أنصاره بأن الحرب لم تعد بين قوتين عسكريتين فحسب، بل بين مشروعين سياسيين لا مكان فيهما لاستقلال القوى المدنية. وهكذا يصبح كل انحياز جديد مادة إضافية لتوسيع الاستقطاب، وإضعاف الثقة في كل من يحاول البقاء خارج معسكري الحرب.
وهكذا تحقق الحرب مكسبًا مزدوجًا: فالطرف الذي حظي بالدعم يكسب منبرًا جديدًا يدافع عنه، والطرف الآخر يكسب حجة جديدة لتعبئة أنصاره وتأكيد روايته. أما الخاسر الحقيقي فهو المجال المدني نفسه، لأنه يفقد تدريجيًا قدرته على أن يكون مساحة يلتقي فيها المختلفون، ويتحول تدريجياً إلى امتداد للاستقطاب الذي كان من المفترض أن يعمل على تجاوزه.
وهذه من أكثر مفارقات الحروب قسوة. فالدعوة التي تُرفع باسم السلام قد تنتهي، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى توسيع دائرة الحرب. ليس لأن أهدافها خاطئة، بل لأن الوسيلة المختارة تمنح كل معسكر ما يحتاج إليه للاستمرار؛ أحدهما يكتسب شرعية سياسية إضافية، والآخر يكتسب مبررًا إضافيًا للتعبئة والتحشيد، في حين يخسر المجتمع المساحة التي كان يمكن أن تُبنى فيها الثقة بين أبنائه.
ولهذا، فإن الحفاظ على استقلال القوى المدنية ليس دفاعًا عن موقع تنظيمي، ولا محاولة لإرضاء جميع الأطراف، وإنما هو حماية للمجتمع نفسه من أن يفقد آخر قوة قادرة على مقاومة منطق الاستقطاب. فكلما بقيت هذه المساحة مستقلة، بقي هناك أمل في أن يجد السودانيون طريقًا يعود بهم إلى السياسة. أما إذا ابتلعتها الحرب، فلن يبقى سوى معسكرين يتبادلان الاتهامات، بينما يزداد الوطن تمزقًا، وهكذا لا تصبح القوى المدنية هي التي تستخدم الحرب لتحقيق أهدافها، بل تصبح الحرب هي التي تستخدم انقسام القوى المدنية لإطالة عمرها.
.
تميل الحروب بطبيعتها إلى اختزال الواقع في معسكرين متقابلين، حتى يبدو للناس أن لا وجود إلا لهذين الخيارين، وأن كل من يرفض أحدهما لا بد أن ينتهي إلى الآخر. ومع مرور الوقت، لا يتحول هذا التصور إلى خطاب سياسي فحسب، بل يصبح طريقة في التفكير، فيُختزل الوطن كله في ثنائية: معنا أو ضدنا، انتصار هذا المعسكر أو انتصار ذاك.
لكن هذه الثنائية ليست حقيقة تفرضها الوقائع بقدر ما هي إحدى النتائج التي تنتجها الحرب نفسها. فكل حرب تحاول أن تقنع المجتمع بأن الخيارات الممكنة قد تقلصت، وأن المجال لم يعد يتسع إلا لطريقين متقابلين، وتُدفع كل الأصوات التي تحاول التفكير خارج هذا الإطار إلى الهامش، أو تُتهم بالتردد أو الغموض أو الانحياز المستتر.
لكن القوى المدنية، إذا استسلمت لهذه الثنائية، تكون قد خسرت معركتها قبل أن تبدأ. لأنها عندئذ لا تختار بين الحرب والسلام، وإنما تختار بين وجهين مختلفين للحرب نفسها. أما وظيفتها الحقيقية، فهي أن ترفض هذا الاختزال، وأن تذكر المجتمع بأن هناك خيارًا ثالثًا لا يقل واقعية عن الخيارين الآخرين، بل قد يكون أكثر صعوبة، وأكثر ضرورة في الوقت نفسه.
هذا الخيار لا يقوم على مساندة أحد طرفي القتال، ولا على الوقوف متفرجًا على المأساة، بل على بناء مشروع مستقل يعمل على وقف الحرب، وحماية المدنيين، والدفاع عن العدالة، وتهيئة المناخ لعملية سياسية تعيد إدارة الخلافات بوسائل مدنية، لا بوسائل عسكرية.
إن الاستجابة لضغوط الاستقطاب قد تبدو أحيانًا الطريق الأسهل، لكنها ليست بالضرورة الطريق الصحيح. فالقوى المدنية لا تُقاس بقدرتها على الاندماج في معسكرات الحرب، وإنما بقدرتها على فتح طريق جديد، وإثبات أن المجتمع ليس محكومًا بالاختيار بين بندقيتين، بل قادر على أن يصنع لنفسه أفقًا مختلفًا.
ولهذا، ينبغي أن تقيس القوى المدنية مواقفها دائماً بمدى خدمتها للمجتمع وتقريبها للسلام، لا بمدى اقترابها من هذا المعسكر أو ذاك. فالطريق الأنسب لها هو الطريق الذي يحافظ على استقلالها، ويخدم المجتمع، ويفتح المجال أمام إنهاء الحرب والعودة إلى السياسة.

الحرب لا تلتهم المدن وحدها، بل تلتهم البشر أيضاً. فهي لا تفرق بين أمٍ فقدت أبناءها، وطفل حُرم من مدرسته، وطبيبٍ انقطعت عنه وسائل العلاج، ومزارعٍ هجر أرضه، وموظفٍ فقد مصدر رزقه. وكلهم ضحايا حرب لم يختاروها، لكنهم يدفعون ثمنها كل يوم.
ولا يقف الأمر عند المدنيين الذين بقوا بعيدًا عن خطوط القتال. فكثير من الذين يحملون السلاح اليوم هم أيضًا أبناء هذا المجتمع، دفعت بهم ظروف مختلفة إلى الحرب؛ بعضهم بدافع الخوف، وبعضهم تحت تأثير التعبئة الإعلامية أو الخطاب العاطفي، وبعضهم بحكم الانتماء إلى مؤسسة عسكرية أو تشكيل مسلح، وبعضهم لأنه اعتقد، بصدق أو بخطأ، أنه يدافع عن وطنه أو عن مجتمعه. ولا يلغي ذلك مسؤولية أي شخص عن الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها، ولا يضع المعتدي والضحية في منزلة واحدة، لكنه يذكرنا بأن استمرار الحرب يعني إنتاج ضحايا جدد كل يوم، داخل ساحات القتال وخارجها.
ولهذا، فإن مشروع السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، ولا على حماية المدنيين وحدهم، بل يسعى أيضاً إلى وقف الدائرة التي تستمر في دفع مزيد من الشباب إلى ساحات القتال، ومزيد من الأسر إلى الفقد، ومزيد من الأطفال إلى حياة لا يعرفون فيها سوى الحرب.
فالسلام لا يفرق بين الضحايا على أساس مواقعهم يوم اندلاع الرصاصة. فهو يسعى إلى حماية المدني الذي هُدمت داره، كما يسعى إلى إنقاذ الشاب الذي وجد نفسه في خندق القتال بفعل التعبئة أو الخوف أو التضليل أو الإكراه. فكل يوم تستمر فيه الحرب لا ينتج قتلى جدد فقط، بل ينتج أحقادًا جديدة، ويتمًا جديدًا، وأجيالًا جديدة لا تعرف من الوطن إلا صورته وهو يحترق. ولذلك فإن إنهاء الحرب ليس إنقاذًا للمدنيين وحدهم، بل إنقاذٌ للمجتمع كله، بمن فيهم أولئك الذين ما زالوا يقاتلون فيها.
ولهذا السبب، لا يجوز أن تتحول القوى المدنية إلى طرف يسهم، ولو من حيث لا يقصد، في توسيع دائرة التعبئة أو إضافة أصوات جديدة إلى معسكري الصراع. فوظيفتها ليست أن تساعد الحرب على استقطاب المزيد من الناس، وإنما أن تساعد المجتمع على استعادة أبنائه من منطق الحرب، وإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي، بوصفها البديل عن السلاح، لا امتدادًا له.
وعندما تتمسك القوى المدنية بهذا الدور، فإنها لا تدافع عن المدنيين وحدهم، بل تدافع عن المجتمع كله؛ تدافع عن الذين هُجّروا من بيوتهم، وعن الذين ينتظرون أبناءهم على أبواب المستشفيات، وعن الذين يقاتلون اليوم وقد لا يعرف كثير منهم طريقًا آخر للخروج من هذه المأساة. فالحرب لا تنتهي يوم يصمت السلاح فقط، بل يوم يتوقف المجتمع عن إنتاج أعداء جدد، ويبدأ في استعادة أبنائه إلى فضاء السياسة والحياة.

المشكلة ليست في أن للحرب منطقها، فالحروب، منذ أن عرفها الإنسان، تقوم على محاولة كل طرف إضعاف خصمه وتحقيق النصر عليه. ولا غرابة أن يسعى كل معسكر إلى توسيع نفوذه وكسب الأنصار وإضعاف الطرف المقابل، فهذه هي طبيعة الحرب.
فالسياسة وجدت أصلاً حتى لا تصبح الحرب هي اللغة الوحيدة بين الناس. فوظيفة السياسة ليست أن تدير المعارك، وإنما أن تفتح الطريق أمام إنهائها. وإذا فقدت السياسة هذه الوظيفة، فلن يبقى في المجتمع إلا منطق القوة، ولن تصبح الخلافات تُحسم إلا بالسلاح.
ولهذا، فإن أخطر ما قد يحدث أثناء الحرب هو أن تبدأ السياسة في أداء وظيفة الحرب، وأن تبدأ القوى المدنية في التفكير بعقلية المعسكرات العسكرية. فعندها لا يختلط الأشخاص وحدهم، بل تختلط الوظائف أيضًا؛ ويصبح المنبر المدني وسيلة للتعبئة، ويصبح الخطاب السياسي جزءًا من إدارة المعركة، ويصبح السلام وعدًا مؤجلًا إلى ما بعد النصر العسكري.
وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، تكون الحرب قد حققت أكبر انتصار لها، لأنها لم تعد تسيطر على الميدان فقط، بل أصبحت تسيطر على طريقة التفكير نفسها. فلا يعود الناس يبحثون عن طريق يخرجهم من الحرب، وإنما عن طريق يجعل الحرب تنتصر لصالح الطرف الذي يؤيدونه.
وهنا تفقد السياسة معناها، لأن السياسة لا تُقاس بعدد الذين تنتصر بهم على خصومك، وإنما بعدد الذين تستطيع أن تجمعهم حول مستقبل مشترك بعد أن تنتهي الخصومة.
لذلك فإن الدفاع عن استقلال القوى المدنية ليس دفاعًا عن تنظيم، ولا عن تحالف، ولا عن موقف سياسي بعينه، وإنما هو دفاع عن بقاء السياسة نفسها بوصفها البديل الطبيعي للحرب. فإذا تحولت السياسة إلى امتداد للمعركة، يفقد المجتمع القوة التي يحتاج إليها لقيادته نحو السلام عندما تصل الحرب إلى نهاياتها ويكتشف الجميع أن الوطن هو الذي دفع الثمن الأكبر.

أثبتت سنوات الحرب أن البنادق تستطيع السيطرة على المدن، لكنها لا تستطيع بناء وطن. وقد تفرض المعارك وقائع جديدة على الأرض، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً، ولا تؤسس لدولة يتساوى فيها المواطنون تحت حكم القانون.
أكبر انتصار تحققه الحرب ليس أن تدفع الناس إلى الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك، بل أن تقنعهم بأنه لا يوجد خيار ثالث. وحين تستسلم القوى المدنية لهذا الوهم، فإنها لا تختار بين طريقين، بل تتخلى عن دورها الأصلي. وحين تتمسك ببناء خيار مستقل، فإنها لا ترفض معسكري الحرب فحسب، بل ترفض أيضًا أن تسمح للحرب بأن تحدد لها حدود التفكير وحدود الممكن.
لذلك فإن المسؤولية التاريخية للقوى المدنية لا تتمثل في البحث عن معسكر تنتصر من خلاله، وإنما في الحفاظ على المساحة التي يستطيع السودانيون جميعًا أن يعودوا إليها عندما يدرك الجميع أن الحرب، مهما طالت، لن تقدم الحل الذي ينتظرونه.
فالدفاع عن استقلال القوى المدنية ليس حياداً بين الحق والباطل، ولا صمتًا عن الجرائم، ولا ترددًا في إدانة الانتهاكات أيًا كان مرتكبها. إنه دفاع عن آخر مساحة لم تبتلعها الحرب؛ المساحة التي يمكن أن يولد فيها الحوار، وتُبنى فيها الثقة، وتبدأ منها رحلة الخروج من هذا الخراب.
ولعل أكبر درس تكشفه هذه الحرب هو أن السلام لا يبدأ يوم تتوقف البنادق عن إطلاق النار، بل يبدأ يوم يرفض المجتمع أن يجعل من الحرب طريقًا إلى السلام، ويتمسك بأن السياسة خُلقت لتُنهي الحروب، لا لتصبح واحدة من أدواتها.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من المنابر التي تتحدث باسم المعسكرات، بل إلى منابر تتحدث باسمه. ولا إلى مزيد من الأصوات التي تعد بالنصر، بل إلى أصوات تفتح الطريق أمام الخروج من الحرب.
فالسلام لا يولد من رحم الحرب، وإنما يولد عندما يجد المجتمع من يصر على أن يبقى خارجها، ليقود الجميع إليها.
وأخطر ما تفعله الحرب ليس أن تقتل الناس، وإنما أن تقنع المجتمع بأنه لم يعد هناك طريق غير طريقها. فإذا استسلم الجميع لهذا الوهم، فلن تنتصر الحرب في الميدان وحده، بل ستنتصر في العقول أيضًا. أما حين تبقى هناك قوى مدنية متمسكة بوظيفتها، رافضة لأن تتحول إلى جزء من المعركة، فإنها لا تدافع عن نفسها فقط، ولا عن تنظيماتها، بل تدافع عن الفكرة التي قامت عليها السياسة منذ البداية، وهي أن الخلاف بين البشر يمكن أن يُدار بغير السلاح، وأن الوطن لا يُبنى بانتصار معسكر على آخر، بل بقدرة أبنائه على العودة معاً إلى وطن يتسع للجميع.

Author
عبده الحاج

عبده الحاج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
العمق الشعبي
منبر الرأي
الاسباب المنطقية لفشل مشروع حميدتي
احتفالات الجيش … وشظف العيش..!! .. بقلم: اسماعيل عبدالله
منبر الرأي
من هو شعب البَلو (البلويت) (8) .. بقلم: د. أحمد الياس حسين
الأخبار
شخصان يواجهان مخاطر بالغة إثر عمليات تعذيب ووفاة شخص في الحبس بقاعدة عسكرية في غرب دارفور

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

في الذكرى الثانية لثورة السودان المجيدة .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد

د. الشفيع خضر سعيد
منبر الرأي

الامر لم يحتاج لشوقي او غيره .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

السودان … نقمة الوحدة ونعمة الإنفصال .. بقلم: سارة عيسى

سارة عيسى
منبر الرأي

الاستعداد للمظاهرة الكبرى في المملكة المتحدة يوم ٦ أبريل

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss