زين العابدين صالح عبد الرحمن
انتشرت في الوسائط الإعلامية تغريدة للسيد رئيس الوزراء كامل إدريس يقول ( البرهان وافق على تجديد الوثائق الرسمية و جوازات المعارضين خارج البلاد.. و ندعوهم للعودة للسودان للمشاركة في حوار سياسي شامل) هذه التغريدة في وجهة نظري ليست موجهة إلي الشعب السوداني.. و لا للمعارضين الذين في حاجة لتجديد وثائقهم الرسمية.. السيد رئيس الوزراء بهذه التغريدة يخاطب الخارج، و يعتقد أن رضى الخارج هو المقدم على كل شيء.. الأمر الذين يوضح أن رئيس الوزراء إما جاهلا بالشأن السياسي، و بالتالي غير قادر أن يضبط خطابه السياسي لكي يتوافق مع فكرة الحوار الشامل الذي يريد الدعوة لها، أو أنه يقدم رؤية يعتقد أن الأخرين هم الذين يجهلون المقصد منها..
السؤال هل رئيس الوزراء كامل إدريس مستوعب ما هو المقصود بالحوار الشامل، و المطلوبات من هذا الحوار، هو حقيقة أم تكتيك ؟
أن الحوار الشامل ليس شعارا يتم ترديده بالسنة السياسيين بهدف المناورة، و لا مجرد هتاف من قبل المواطنين.. الحوار الشامل فكرة و فيه حمولات كثيرة، و الهدف منها هو الوصول لتوافق وطني بين القوى السياسية و المكونات الاجتماعية في البلاد بهدف خلق واقع سياسي جديد يؤدي إلي الاستقرار السياسي و الاجتماعي و الأمن و يهيء البيئة لنهضة اقتصادية.. و إعادة النظر في القوانين و تشريع لقوانين جديدة و معرفة الزمن الذي يجب أن يستغرقه الحوار..
كان الاعتقاد أن رئيس الوزراء مدرك أن الحوار السياسي فكرة، و الفرق بين الشعار و الفكرة، أن الشعار عنده حمولة واحدة بهدف التنفيذ، مثالا ” تسقط بس” و الفكرة هي تغيير للواقع. لذلك تكثر فيه الحمولات التي تبين كيف يكون التغيير، و ما هي أدوات هذا التغيير، و ما هي القوى التي يقع عليها عبء التغيير، و لمصلحة من يكون التغيير، و انعكاسات هذا التغيير في الإقليم الخارجي، و الموقف منه و الصعوبات و التحديات التي تواجه هذا التغيير…
إذا كان رئيس الوزراء مدرك لعملية الحوار الوطني، كان لابد أن يبدأ بالتأسيس لها، من قبل مجموعة سياسية صغير مختارة، و تضم قدامى السياسيين و النقابيين و أكاديميين و من تيارات مختلفة و غيرهم، لكي تقوم هذه المجموعة بالتحضير للحوار تنظيميا تتبلور فيها فكرة الحوار الوطني كفكرة يراد تطبيقها في الواقع، و تقدم ورقة تطرح فيها أجندة الحوار التي تشمل كل القضايا الخلافية، كمسودة يفتتح بها الحوار الوطني، ثم تضاف إليها أجندة أخرى أو تتغير لأجندة، و بعدها تتم دعوة القوى التي يجب أن تشارك في الحوار الوطني، ثم العمل على حلحلة العوائق التي تقف أمام المدعوين للحوار الوطني. و أيضا تبيان أين سوف تكون جلسات الحوار، و المدة التي سوف يستغرقها الحوار، حتى لا يتحول إلي ثرثرة دون الوصول إلي نتائج.. كل هذه لابد أن تكون حاضرة عند رئيس الوزراء ثم يبدأ بإرسال رسائل للخارج..
أن التجربة قد أثبتت أن السيد رئيس الوزراء في حاجة لسد فجوة ” الشأن السياسي ” الذي يريد أن يتحرك فيه، و قد تبين من الممارسة في فترة رئاسته لمجلس الوزراء، أن تجربته السياسة محدودة، و الوظيفة التي يشغلها تحتاج لتجربة تتسع بقدر أتساع المصالح المرتبطة بها.. لذلك عليه أن يقدم على الاستشار السياسي قبل الإقدام على إرسال الرسائل بهدف مخاطبة الخارج.. أن محاول التملق للخارج بسبب أو دون سبب سوف تفقد الوظيفة الاحترام من قبل الآخرين.. فالخارج لا ينظر إلي السودان إلا من خلال أجندته الخاصة، و كيفية تحقيقها بشتى الطرق.. لذلك الأفضل التركيز على القضايا الوطنية، و مخاطبة المجتمع السوداني في كل صغيرة و كبيرة، لأنه هو صاحب المصلحة أولا و أخيرا، و مخاطبة المواطنين الهدف منها؛ هو خلق مواطن يتعامل مع القضايا من خلال الوعي، لأنه هو الذي سوف يتصدى للأجندة التي لا تخدم مصالح الوطن و المواطنين، و الشعب هو الذي يدفع ضريبة التضحية.. ليس كل ما يراد عمله يجب ألتوسل فيه للخارج..
إذا كانت القيادة في السودان تريد أن تتعامل مع الخارج عليها أن توضح ماذا تريد من الخارج؟ و ما هو المقابل الذي سوف يدفعه الوطن مقابل ذلك؟ و هي قضايا لابد من أشراك الرأي العام فيها من خلال طرح القضية للناس، و قبول وجهات النظر و الحوار فيها، و التي دائما تأتي من الصحافيين و الإعلاميين و المثقفين و السياسيين و من المواطين بشكل عام.. هذه هي المساحات التي توسع دائرة الحرية و تجعل لها مكانة في ذهن أي مواطن، غض النظر عن مكانته في السلطة، أو في المجتمع، عليه أن يقبل الرأي الأخر.. الديمقراطية ليست شعارات بغرض الهتاف أو في مواجهة الآخرين.. الديمقراطية سلوك و احترام للدستور و القوانين و اللوائح و أحترام للرأي الأخر، هذه الأشياء تأتي و تترسخ عبر الممارسة، هي أيضا سوف تنتج ثقافة ديمقراطية سوغ تغرس جذورها في الأرض، و أيضا عبر السلوك الديمقراطي يتشكل الوعي الديمقراطي، و كلها سوف تترسخ في المجتمع..
أن تغريدة رئيس الوزراء بهدف تجديد وثائق السياسيين في الخارج، دون أن تكون مرتبطة بفاعلية الحوار و التحضير له و فتح الحوار له، تصبح دعوة مشكوك فيها، لإنها منطلق من فراغ سياسي، و لكن عندما ترتبط بعمل بدأ يشكل أرضية للحوار الوطني في الداخل سوف يدفع كثيرين أن يفكروا في المسألة بصورة جادة.. لذلك تصبح الدعوة كأنها مرسلة للدول الخارجية التي يعتقد رئيس الوزراء لابد من الإنحناءة للخارج لكسب وده سوف تفقد السلطة في السودان هيبتها و مصداقيتها.. نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم