كيف لا
منى عبد الفتاح
أوشكت على امتطاء خيال ينقلني إلى عوالم هيثرو ومدريد ولاهاي حينما قرأت عن ترحيب الشركات العاملة في مجال الملاحة الجوية وشركات تموين الطائرات بمطار الخرطوم بقرار وزير الطاقة والتعدين القاضي بتعديل سعر بيع وقود النفاثات (غاز الطائرات) ليصبح “56.4” جنيهاً للجالون الانجليزي اعتباراً من الخامس من أبريل الماضي .وذلك الخيال مبعثه سبب خاص يتمثل في حبي الشديد للسفر دون أن يكون لي نصيب في نيل كل ما أحب وأتمنى من أمنيات السفر هذه ، وسبب آخر هو أمل الكل في أن تُزال الصورة المتعلقة بسمعة الخطوط الجوية السودانية نهائياً وإلى غير رجعة .ولكن هذا الخيال حط بي في مكان آخر ليس أبعد من موقع المطار الجديد المقترح في الحاج يوسف ، وذلك عندما علمت أن جهوداً علمية حثيثة بقيادة أستاذ بكلية العلوم بجامعة السودان كان قد استخلص من شعيرات العُشر الدقيقة زيتاً يمكن استخدامه كوقود للطائرات.
ذكر التقرير الإخباري عن هذا الموضوع بصحيفة الرأي العام بتاريخ 21 أبريل أن السودان يمتلك كميات كبيرة من هذا العُشر ، وحسب إفادة الدكتور أنه إذا تمت زراعة فدان يصل زنته (160) كيلو، ولو زرعت كل ولاية (20) ألف فدان سيصل الانتاج الى (25.600) طن من الزيت الخام.انتهت تمنيات التقرير ولكني أضيف تمنيات أخر وهي أنه لو حدث كل هذا فستقف طائرات الخطوط الجوية السودانية في لفة الجريف لتتزود بهذا الوقود الوطني وخيره العُشر كما أفاد الأستاذ الجامعي ،كما ستقف عند مفترق قرى السودان وحلّاله لنفس الغرض ولن يعاني المواطنون من مشاكل الناقل الوطني بعد ذلك،وستتستبدل قِسمة لبن البقر بلبن العُشر في أغنيتها الشهيرة. ولو كنت كاتبة التقرير لأضفت أن السودان يمتلك كميات كبيرة أيضاً من الطاقة الشمسية المهدرة على أجساد عباد الله من مواطنيه، وله النيل دفّاق وبه كميات وكميات من الخيرات، ولو أحسنا استخدامها فسنكون مثل بقية الأمم التي تتحدث عن وطنيتها بالعمل وليس بالكلام السهل والأمنيات ، فليت الأمر سهلاً يتحقق بالأمنيات لنسجنا منها ما يوصلنا إلى أبعد من القمر وأفضنا وطنية وغنىً أوسترة حال.
لا أنكر أنني أحسست بالفخر للوهلة الأولى عندما سمعت بالخبرين المتاليين ، ومبعث الفخر ليس في أن الوقود سيكون وطنياً خالصاً ، لأنه لو من المفترض أن تركبنا حمى الوطنية هذه فيما نأكل ونلبس ونركب فالأولى أن نبادر بأن نزرع وننسج ونصنع حتى تكون وطنية متكاملة فلا ينسجم المنطق أن نوطّن الوقود الحيوي للطائرات ونشعر بفخر لذلك من غير أن نشعر بالخجل من أننا نستورد عظم الطائرات نفسها وفرشها ومقاعدها ووجباتها من الخارج.ثم لماذا نذهب بعيداً ونتحدث عن الطائرات ووطنية وقودها وهناك ملايين السودانيين لم يركبوا طائرة ولم يروا غير سرابها في سمائهم الصافية، أليس من الأجدر أن نتحدث بما يهم هؤلاء من احتياجات أساسية تتجسد فيها قمة الوفاء لمعنى الوطنية ،نوفر لهم كتاباً مدرسياً ونكون مارسنا الوطنية بشكل ما ، ونوفر لهم دواءً لعللهم ونكون أوفيناهم حق كونهم مواطنين، و ليس بالضرورة أن يكون دواءً سودانياً خالصاً فحتى لو كان صينياً وأشفى علة سقيم فهو كسب ٌ للوطن. أما مبعث الفخر لدي فكان لأن هناك مجهود علمي يجب أن يُقدّر واجتهاد أكاديمي يجب أن تلتفت إليه الأنظار كعلم من غير أن تُزج بالوطنية في مثل هذه البحوث الأكاديمية ، لأن الزج بها والتأكيد عليها بمناسبة وبدون مناسبة هو دليل فقر في فهم المعنى الشامل لها وتأكيد على نقص مرجو إكتماله بشتى الوسائل حتى لو كان عن طريق هذا اللبن أعني “لبن العُشر”.
عن صحيفة “الأحداث”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم